مقالات

جعفر محمدين يكتب : خطاب “التعايش” في مواجهة شبح الجرائم الدوليةشرق الجزيرة: القرية (32) أم القرى

زيارة قائد مليشيات “درع السودان” لشرق الجزيرة: القرية 32 خطاب “التعايش” في مواجهة شبح الجرائم الدولية
شرق الجزيرة: القرية (32) أم القرى

جعفر محمدين عابدين
بتاريخ 27 نوفمبر 2026م
وسط حالة من الترقب المشوب بالحذر، أثارت زيارة قائد ميليشيا “درع السودان” إلى القرية (32) بشرق أم القرى موجة واسعة من الجدل والاستغراب. تأتي هذه الزيارة في توقيت حساس يتزامن مع تصاعد التقارير الإقليمية والدولية حول انتهاكات جسيمة طالت سكان القرى و”الكنابي” بولاية الجزيرة، مما جعل مفردات “النسيج الاجتماعي” و”التعايش السلمي” التي وردت في خطاب القائد مليشات درع السودان .تبدو متناقضة تماماً مع ممارسات قواته على الأرض تجاة سكان الكنابي .


واقع مأساوي خلف الستار
في الوقت الذي كان فيه قائد الميليشيا يتحدث عن الوئام، كانت من خلف الجدران صرخات سكان الحي الجنوبي بالقرية (32) تجسد عمق الأزمة؛ حيث يستمر منع المئات من العودة إلى ديارهم منذ أكثر من ثلاث سنوات. هذا التهجير القسري لممنهج وقتل عدد من سكان الحي الجنوبي وفقاً لشهادات الضحايا، والناجين لم يعد مجرد نزوح مؤقت، بل تحول إلى أداة لتغيير ديموغرافي قسري يعاقب عليه القانون.

بموجب هذا التغيير تم نزع بعض المزراع المملوكة لسكان الحي الجنوبي بدعوة التعاون مع قوات الدعم السريع .
وتشير التقارير الميدانية وروايات السكان واسر الضحايا والناجين من سكان الكنابي إلى أنماط مروعة من الانتهاكات التي يندي لها جبين الحر
استهداف المدنيين: هجمات مسلحة أودت بحياة نساء وأطفال وحرقها مع ظاهر الاعتقالات التعسفية والاعتداءات الجسدية والاغتصاب للنساء

  • سياسة الأرض المحروقة: حرق المنازل، نهب الممتلكات، وتدمير سبل العيش كلياً لتعميق سياسة التهميش التاريخي لسكان الكنابي التي ظل يعاني منذ فجر التاريخ
    . الإخفاء القسري والمعاملة القاسية: احتجاز مدنيين من ابناء الكنابي في مقر مليسيات الدرع في منطقة (جبال الغر) في بسهول البطانة وتعريضهم لمعاملة مهينة وحاطة بالكرامة الإنسانية.
    المقاربة القانونية: هل ترقى الانتهاكات لجرائم دولية؟
    من منظور نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، تضع هذه الممارسات الميليشيا وقادتها تحت مجهر العدالة الدولية وفق التوصيفات التالية:
    .جرائم ضد الإنسانية: بالنظر إلى طبيعة الهجمات ووصفها بـ المنهجية أو واسعة النطاق” ضد سكان مدنيين، فإن القتل العمد، والاضطهاد العرقي والتهجير القسري تشكل أركان المادة (7) من نظام روما.
    .جرائم الحرب: إن استهداف الأعيان المدنية (القرى والكنابي) وتدميرها دون ضرورة عسكرية يمثل انتهاكاً صارخاً للمادة (8) التي تجرّم النهب والاعتداء على غير المشاركين في الأعمال العدائية.
    . مسؤولية القيادة: علي راسهم( كيكل واخونة) يبرز هنا المبدأ القانوني الأهم؛ حيث لا يعفي القانون القادة من المسؤولية الجنائية بحجة عدم التنفيذ المباشر. فوفقاً لمبدأ مسؤولية القائد يُساءل القادة عن الجرائم التي ترتكبها القوات تحت إمرتهم إذا علموا بها (أو كان من المفترض أن يعلموا) ولم يتخذوا إجراءات فعلية لمنعها أو معاقبة مرتكبيها.
    العدالة لا الشعارات: شروط استعادة الثقة
    يرى قانونيون وناشطون أن أي محاولة لترميم النسيج الاجتماعي دون “عدالة انتقالية هي محاولة لشرعنة الإفلات من العقاب إن سكان الكنابي، الذين يعانون من تهميش بنيوي، يحتاجون إلى أفعال لا خطابات إنشائية، مما يتطلب مساراً واضحاً يشمل:
    . الاعتراف العلني بالانتهاكات وفتح تحقيقات دؤلي مستقلة ومحايدة.
    . المحاسبة الناجزة لجميع المتورطين وفق المعايير الدولية.
    .جبر الضرر وتعويض الضحايا مادياً ومعنوياً وضمان عودتهم الآمنة.
    خاتمة
    تظل زيارة قائد مليشيات “درع السودان” خطوة رمزية تفتقر إلى الجوهر ما لم تقترن بخطوات ملموسة لرفع المعاناة عن الضحايا. إن التاريخ يؤكد أن “النسيج الاجتماعي” لا يُرمم بالشعارات السياسية، بل بسيادة القانون والإنصاف والمساواة، وضمان عدم الإفلات من العقاب، لتجنيب المنطقة خطر تدويل الأزمة في حال عجز القضاء الوطني عن تحقيق العدالة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى