اقتصاد الثورة المختطف.. (1) صندوق النقد أم برنامج الثورة؟ الصراع الذي مزق الاقتصاد الانتقالي

اقتصاد الثورة المختطف.. (1)
صندوق النقد أم برنامج الثورة؟ الصراع الذي مزق الاقتصاد الانتقالي
رصد وتحرير: حسين سعد و طارق بشري
في واحدة من أكثر الندوات الاقتصادية والسياسية عمقًا منذ اندلاع الحرب في السودان، أعاد تحالف قوى التغيير الجذري فتح واحد من أكثر ملفات الفترة الانتقالية إثارة للجدل: لماذا فشلت التجربة الاقتصادية بعد سقوط نظام البشير؟ وهل كان الانهيار نتيجة ضعف الإمكانيات، أم بسبب صراع مبكر بين مشروعين اقتصاديين متناقضين؛ أحدهما يستند إلى (حشد) الموارد الوطنية والإنتاج، والآخر ينطلق (من الاستمرار في ذات) وصفات التحرير الاقتصادي والمؤسسات المالية الدولية (التي طبقها النظام القديم نظام البشير)؟
الندوة التي أدارها الأستاذ الهادي هباني والأستاذة ومضة كمال، وجمعت عدداً من أبرز أعضاء اللجنة الاقتصادية السابقة لقوى الحرية والتغيير، وهم: دكتور صدقي كبلو – دكتور وائل فهمي – (الأستاذين كمال كرار و محمد خطاب(رئيس اللجنة الاقتصادية ) – دكتور حسام اسماعيل و دكتور شوقي عزمي ).كشفت عن رواية مختلفة لما جرى داخل مؤسسات اتخاذ القرار الاقتصادي خلال الفترة الانتقالية، وقدمت شهادات مباشرة من شخصيات كانت في قلب الصراع حول مستقبل الاقتصاد السوداني.
كيف أُجهض برنامج الثورة ومن انتصر لروشتة صندوق النقد؟
عندما أسقط السودانيون ( رأس) نظام الإنقاذ في( ١١ ابريل 201٩)، لم تكن مطالبهم مجرد شعارات سياسية عن الحرية والسلام والعدالة، بل كانت صرخة ضد الجوع والفقر وانهيار الخدمات و تغول الدولة العميقة على مقدرات البلاد. لكن بعد أشهر قليلة من تشكيل الحكومة الانتقالية، بدأ سؤال كبير يفرض نفسه: لماذا لم يشعر المواطن بأي تحسن؟ ولماذا تحولت آمال الثورة الاقتصادية إلى موجة جديدة من الضيق المعيشي والاحتقان الشعبي؟ داخل هذه الأسئلة، برز صراع صامت بين رؤيتين: رؤية تدعو إلى تفكيك بنية النظام القديم أولاً، ورؤية أخرى دفعت باتجاه تطبيق وصفات اقتصادية ليبرالية مرتبطة بمؤسسات التمويل الدولية. وهنا بدأت معركة الاقتصاد الحقيقي؟
لكن بعد أقل من عامين من سقوط النظام، بدأت الأسئلة الصعبة تظهر: لماذا تدهورت الأوضاع المعيشية أكثر؟ ولماذا تحولت الحكومة الانتقالية من مشروع أمل إلى ساحة صراع سياسي واقتصادي انتهى بانقلاب عسكري؟ وهل كانت الأزمة مجرد أخطاء في الإدارة… أم أن مراكز القوة الاقتصادية كانت تعد منذ البداية لإجهاض الانتقال؟
هذه الأسئلة كانت محور ندوة اقتصادية وسياسية واسعة شارك فيها عدد من أبرز الخبراء السودانيين، لتكشف للمرة الأولى تفاصيل (حقائق) صادمة عن ما جرى داخل مؤسسات الحكم الانتقالي؟
برنامجان… ودولتان داخل الدولة :
من أبرز ما كشفته الندوة أن الفترة الانتقالية لم تُدار وفق برنامج اقتصادي واحد، بل وفق رؤيتين متصارعتين.
الرؤية الأولى حملتها اللجنة الاقتصادية لقوى الحرية والتغيير، التي قدمت برنامجًا( اجيز بعد مناقشة ٣ اوراق مقدمة الاولي من الحزب الشيوعي السوداني و الثانية من حزب البعث العربي و الثالثة من حزب الامة شكلت فيما بعد برنامج اللجنة الاقتصادية وفق الاستاذ محمد خطاب رئيس اللجنة حينها )يقوم على تعبئة الموارد الذاتية، وإصلاح النظام الضريبي، وإخضاع الشركات العسكرية لولاية وزارة المالية، ووقف تهريب الذهب والعملات الأجنبية.
أما الرؤية الثانية، فقد تبنتها الحكومة التنفيذية بقيادة رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك ووزير المالية السابق إبراهيم البدوي، والتي اعتمدت بصورة كبيرة على سياسات التحرير الاقتصادي المرتبطة بوصفات المؤسسات المالية الدولية، وبحسب المتحدثين، فإن الصدام بين البرنامجين بدأ مبكرًا، خصوصًا حول ملفات رفع الدعم، وتحرير سعر الصرف، والضرائب. وقال الاقتصادي البارز د. صدقي كبلو أن الأزمة الأساسية لم تكن في نقص الموارد أو غياب الحلول، وإنما في تجاهل السلطة الانتقالية للقدرات الاقتصادية الوطنية، والانحياز المبكر لسياسات خارجية قبل ترتيب البيت الداخلي. من جهته كشف الخبير الاقتصادي محمد خطاب أن اللجنة الاقتصادية قدمت مقترحات واضحة لإصلاح النظام الضريبي، بما يسمح بزيادة مساهمة القطاعات الأكثر ربحية في الإيرادات العامة، لكن ما حدث – بحسب حديثه – كان العكس تمامًا، ففي الوقت الذي كانت (فيه هناك )قطاعات رابحة مثل الاتصالات تدفع ضرائب منخفضة على أرباحها، تم رفع الضرائب غير المباشرة التي يتحملها المواطنون، وعلى رأسها ضريبة القيمة المضافة، وأشار خطاب إلى أن هذه السياسات ساهمت في تحميل (الأغلبية المفقرة )تكلفة الإصلاح الاقتصادي، بينما بقيت مراكز النفوذ الاقتصادي بعيدة عن أي إصلاح حقيقي
الذهب الثروة التي غذّت الصراع :
لكن الملف الأخطر كان الذهب ، وفقًا لشهادات الخبراء، فإن نسبة كبيرة من إنتاج الذهب السوداني كانت تُهرّب خارج القنوات الرسمية، في ظل غياب سيطرة الدولة على القطاع، وأشار المتحدثون إلى أن شبكات اقتصادية مرتبطة بمراكز القوة العسكرية والأمنية (بقيادة الجنرالين البرهان و حميدتي) استفادت من هذا الوضع، وراكمت ثروات ضخمة خارج النظام المالي الرسمي، ومع اتساع النفوذ المالي لتلك المجموعات، بدأت المعادلة السياسية تتغير، لم يعد الصراع يدور فقط حول إدارة الدولة… بل حول حماية الثروة نفسها، ومن أكثر الملفات إثارة في الندوة كان الحديث عن اللجنة العليا للطوارئ الاقتصادية، التي ترأسها لاحقًا الفريق محمد حمدان دقلو، ويرى متحدثون أن هذه اللجنة مثلت نقطة تحول خطيرة، لأنها نقلت جزءًا كبيرًا من القرار الاقتصادي من المؤسسات المدنية إلى مراكز القوة العسكرية، وبحسب شهاداتهم، فإن تلك المرحلة شهدت توسعًا كبيرًا في نفوذ الشركات المرتبطة بالمؤسسة العسكرية، في وقت كانت الحكومة المدنية عاجزة عن فرض ولايتها الكاملة على المال العام، ويري عدد من أعضاء اللجنة الاقتصادية لقوى الحرية والتغيير أن واحدة من أكبر أخطاء الفترة الانتقالية كانت غياب المجلس التشريعي، باعتباره المؤسسة القادرة على فرض الرقابة وسن التشريعات التي تعيد الموارد العامة إلى ولاية وزارة المالية، وتحد من نفوذ المؤسسات الاقتصادية التابعة للقوى العسكرية والأمنية.
وبحسب المتحدثين، فإن حكومة عبد الله حمدوك واجهت معضلة داخلية تمثلت في استمرار سيطرة الدولة العميقة على مفاصل الاقتصاد، بينما اتجه وزير المالية الأسبق إبراهيم البدوي نحو تطبيق سياسات مستندة إلى وصفات البنك الدولي ، الانتقاد الأساسي لم يكن موجهاً لفكرة الإصلاح الاقتصادي نفسها، بل لتوقيتها وأولوياتها، إذ يرى منتقدو تلك السياسات أن السودان لم يكن مهيأً لتطبيق وصفات السوق الحر في ظل وجود اقتصاد موازٍ وشبكات مصالح مرتبطة بالنظام السابق ما زالت تتحكم في الموارد والإنتاج والتجارة.
تفكيك الدولة العميقة:
وبحسب هذه الرؤية، فإن المعركة الأساسية كان يجب أن تبدأ بتفكيك الدولة العميقة، واستعادة الشركات العامة، وإخضاع المؤسسات العسكرية والاقتصادية للرقابة المالية، قبل الانتقال إلى أي برنامج إصلاح اقتصادي واسع، لكن الذي حدث – وفق (خبراء اللجنة الاقتصادية)– هو أن الضغط الاقتصادي انعكس مباشرة على المواطن من خلال رفع الدعم وتحرير الأسعار وتدهور القوة الشرائية، ما أدى تدريجياً إلى تراجع الحاضنة الشعبية للحكومة الانتقالية.
لم يكن الخلاف داخل السلطة الانتقالية في السودان مجرد اختلاف في وجهات النظر حول الأرقام والموازنات، بل كان صراعاً بين مشروعين اقتصاديين متناقضين: مشروع يرى أن الخروج من الأزمة يبدأ عبر استرضاء المجتمع الدولي وإعادة هيكلة الاقتصاد وفق قواعد السوق، ومشروع آخر يرى أن الأولوية للإنتاج المحلي والعدالة الاجتماعية واستعادة الدولة لدورها الاقتصادي، وسط هذا الصراع كانت الأرقام تتحدث بصوت أعلى من الخطابات .
السياسات البديلة:
وبحسب ما طرحه المشاركون في الندوة، ارتفع العجز المالي بصورة كبيرة، وقفز التضخم إلى مستويات غير مسبوقة، بينما تراجع الإنفاق التنموي إلى مستويات متدنية جداً مقارنة بالمعلن في الموازنة
في المقابل، يؤكد أعضاء اللجنة الاقتصادية أنهم قدموا برنامجاً اقتصادياً بديلاً، يقوم على دعم الإنتاج الزراعي والصناعي، وإعادة تأهيل المؤسسات العامة، وتشغيل الشباب، وتقوية البنية الإنتاجية بدلاً من التركيز على الإصلاحات المالية فقط.
ويؤكد الاستاذ كمال كرار أن الحكومة الانتقالية لم تكن تفتقر إلى برنامج اقتصادي كما روج بعض المسؤولين لاحقاً، بل إن البرنامج كان موجوداً قبل اندلاع ثورة ديسمبر بسنوات
وبحسب كرار، بدأت قوى المعارضة السودانية منذ عام 2016 في إعداد ما وصفه بـ”البرنامج الإسعافي والسياسات البديلة”، وهو مشروع شاركت في صياغته الأحزاب السياسية، والنقابات، ومنظمات المجتمع المدني، بهدف تجهيز رؤية متكاملة لمرحلة ما بعد سقوط النظام
يضيف كمال كرار إن موازنة عام 2020 مثلت أسوأ تجربة اقتصادية منذ استقلال السودان في عام 1956، مستنداً إلى مؤشرات اعتبرها دليلاً على فشل النهج المتبع.
ويقول إن هذا البرنامج لم يكن اقتصادياً فقط، بل شمل ملفات وقف الحرب وبناء السلام، وإعادة هيكلة الدولة، والتحول الديمقراطي، والعلاقات الخارجية، إضافة إلى السياسات الاقتصادية والمالية والتنموية ويضيف أن اللجنة الاقتصادية التابعة لقوى الحرية والتغيير قامت بعد سقوط النظام في أبريل 2019 بتحويل هذا البرنامج إلى خطة اقتصادية تنفيذية، وتم تسليمه لاحقاً للمجلس المركزي والحكومة عبد الله حمدوك في أكتوبر 2019
لكن، وفقاً لرواية المتحدثون، فإن الحكومة اختارت السير في مسار مختلف، أقرب إلى الرؤية التي طُرحت في ورش اقتصادية (نظمها Chatham house )مرتبطة بمقاربات طرحها البنك الدولي، وهو ما خلق حالة صدام مبكر بين وزارة المالية واللجنة الاقتصادية. وقالوا ان الخلاف داخل السلطة الانتقالية لم يكن مجرد تباين في وجهات النظر بين اقتصاديين أو صراعاً تقنياً حول بنود الموازنة العامة، بل كان في جوهره مواجهة بين مشروعين متناقضين: مشروع وُلد من رحم المعارضة السودانية قبل سقوط النظام، ومشروع آخر تشكل تحت ضغوط المجتمع الدولي ومؤسسات التمويل العالمية؟
وبين هذين المشروعين، بدأت واحدة من أعنف المعارك غير المعلنة داخل مؤسسات الحكم الانتقالي، معركة لم تكن حول الأرقام فقط، بل حول سؤال أكبر: من يملك حق رسم مستقبل الاقتصاد السوداني بعد الثورة؟
من جانبه، يقول الاقتصادي صدقي كبلو إن الساحة الاقتصادية خلال الفترة الانتقالية شهدت وجود برنامجين واضحين: الأول يستند إلى ما يعرف بسياسات “توافق واشنطن”، والثاني يستند إلى رؤية داخلية تعطي الأولوية للإنتاج، وتشغيل الشباب، وإعادة بناء المؤسسات العامة، وتحسين معيشة المواطنين، ( ويرى من جانب اخر دكتور وائل فهمي) أن الحكومة فضلت المعالجة المالية على حساب المعالجة الإنتاجية، فكان التركيز منصباً على تحرير الأسعار، وإصلاح سعر الصرف، وسداد الالتزامات الخارجية، بينما تراجع الاهتمام بالزراعة والصناعة والبنية التحتية، وبحسب هذا الطرح، فإن الأزمة لم تكن في غياب الرؤية، بل في تجاهل البرنامج الوطني لصالح وصفات خارجية لا تراعي تعقيدات الاقتصاد السوداني، ولا توازنات المرحلة الانتقالية
ويرى الاقتصادي صدقي كبلو أن الحكومة تجاهلت توصيات المؤتمر الاقتصادي القومي، وذهبت في الاتجاه المعاكس تماماً، عبر تطبيق سياسات مرتبطة بشروط مؤسسات دولية، أما جوهر الانتقاد، فكان أن السياسات ركزت على الملفات المالية: سداد الديون، تحرير سعر الصرف، إزالة الدعم، وجذب الدعم الخارجي، بينما تم إهمال القطاعات الإنتاجية الأساسية مثل الزراعة والصناعة والخدمات، وبحسب هذا الطرح، فإن المشكلة لم تكن فقط في نوع السياسات، بل في تجاهل الطبيعة السياسية والاجتماعية للفترة الانتقالية، حيث كانت البلاد تحتاج إلى بناء قاعدة اقتصادية منتجة ومستقرة قبل الدخول في إصلاحات هيكلية واسعة.
خاتمة الحلقة الاولي :
ما كشفته هذه الشهادات يوضح أن الانقلاب لم يكن حدثًا مفاجئًا في أكتوبر 2021، بل كان تتويجًا لصراع اقتصادي طويل داخل الدولة، لأنه عندما تتراكم الثروة خارج المؤسسات الرسمية، ويتحول الاقتصاد إلى أداة نفوذ سياسي، يصبح الانقلاب مجرد مرحلة لاحقة في معركة بدأت قبل ذلك بكثير.
لكن السؤال المهم يبقى: هل كان فشل الحكومة الانتقالية اقتصاديًا فقط… أم أن أصل الأزمة كان سياسيًا منذ لحظة الشراكة الأولى؟ ذلك ما تحاول الحلقة الثانية الإجابة عليه( يتبع)




