جبال النوبة : إنتظار أكثر من أربعة عقود لعودة المفقودين (9)

كتب : حسين سعد
في جبال النوبة، حيث تمتد القرى الصغيرة بين الجبال وتتشبث الحياة بجذر الأرض رغم كل العواصف، بدأت مأساة الفقد منذ مطلع التسعينيات، حين كانت الحرب وشراسة القمع تخطف الأبناء واحداً تلو الآخر. فمنذ العام 1990م، عاشت أسرٌ كاملة على حافة الألم، تبحث عن أبنائها الذين اختفوا في غمار المواجهات الدامية، أو في الطرقات التي كانت تعجّ بالخوف أو في معسكرات التجنيد القسري التي تمددت في العاصمة الخرطوم وبعض الولايات الأخري حيث كانت الدفارات تجوب الطرقات وتوقف مركبات المواصلات وانزال الشباب والزج بهم في معسكرات الخدمة الوطنية ، ولم تكن تلك السنوات مجرد تاريخ مضى، بل كانت بداية جرحٍ ظل مفتوحاً حتى اليوم، في القرى الممتدة بين تلال هيبان وكاودا والدلنج وتلودي، وعبري ودلامي وتلوشي والجبال الشرقية والغربية كان الفقد نصيب مئات الأسر، أبناء في عمر الزهور، طلاب، رعاة، مزارعون، وحتى أطفال لم يتجاوزوا سنواتهم الأولي جميعهم ضاعت أخبارهم وسط ركام الحرب، خرج بعضهم ولم يعد، وانقطع أثر آخرين تحت أزيز الرصاص، وآخرون ابتلعتهم غابات جنوب كردفان دون شاهد أو وداع.
أمهات تحت وطأة الحرب والغياب
كانت الأمهات في جبال النوبة يودعن أبناءهن كل صباح وكأنهن يودعن جزءاً من أرواحهن، فالمشهد المألوف لتلك الفترة كان أمّاً تقف أمام البيت ، تتابع بنظراتها ابنها وهو يغيب بين الأشجار والادغال والجبال ، وهي لا تعلم إن كان سيعود أم ستبقى تفاصيل وجهه آخر ما حفظته عيناها، كان الخوف يسكن البيوت مثل ضيف لا يرحل، وكانت القرى بأكملها تعيش في يقظة دائمة، تسمع صوت الرصاص من بعيد وتشدّ على قلوبها خشية أن يحمل معها خبراً عن غائب جديد، في تلك السنوات، لم يكن الفقد حالة فردية، بل كان ظاهرة جماعية تصيب كل بيت تقريباً. أسرة تفقد ابنها الأكبر، وأخرى تفقد اثنين أو ثلاثة، وأخرى تفقد الأبناء والأزواج معاً. وكان السؤال نفسه يتكرر على لسان الجميع: “أين ذهبوا؟ وهل ما زالوا أحياء؟ مرت الأعوام، وكبرت ذاكرة الحرب، لكن الألم لم يكبر وحده؛ معه كبر الأمل أيضاً؟ فالأسر في جبال النوبة، رغم ثقل الفقد، لم تتخلّ عن الرجاء ما زالت الأمهات يحتفظن بصور أبنائهن في بيوتهن المبنية من الطوب والطين، وما زال الآباء يتتبعون أي خبر يصل من مناطق التماس، وما زال الأخوة والأخوات يكبرون وهم يحملون في قلوبهم فراغاً اسمه (من غابوا) إن فقدان الأبناء في جبال النوبة ليس مجرد أثرٍ من آثار حرب قديمة؛ إنه ذاكرة ممتدة تعيش اليوم كما عاشت بالأمس، تروي للأجيال الجديدة أن الحرب لا تقتل بالرصاص وحده، بل تقتل بالغياب، وبالأسئلة التي لا تجد إجابات، وبالأحلام التي تُركت بلا نهاية، ولأن هذه المنطقة دفعت ثمناً باهظاً من أبنائها منذ أول طلقة وحتى اليوم، فإن الحديث عن المفقودين فيها ليس مجرد تسجيل لواقعة تاريخية، بل هو واجب إنساني وأخلاقي تجاه أسرٍ ما تزال تنتظر، وتصلي، وتؤمن بأن من غابوا قد يعودون يوماً… أو على الأقل يعود خبرهم؟.
أطول فصول الفقد والغياب:
منذ اندلاع الحرب الأولى في جبال النوبة مطلع تسعينيات القرن الماضي، عاش سكان المنطقة واحدة من أطول فصول الفقد والغياب في تاريخ السودان الحديث. كانت سنوات التسعينيات بداية جرحٍ لم يلتئم، حيث فقدت آلاف الأسر أبناءها في ظروف غامضة، بين القتال، والاختطاف، والتجنيد القسري، والاعتقال، والاختفاء في مناطق النزاع الوعرة. ومع مرور السنوات وتعاقب الحكومات وتغيّر موجات الحرب، ظلّ مصير كثير من هؤلاء مجهولاً، وبقيت أسرهم معلّقة بين الخوف والأمل، تبحث عن إجابة واحدة: أين أبناؤنا؟ هذا التقرير يحاول توثيق بعض ملامح المأساة الإنسانية التي عاشتها جبال النوبة منذ العام 1990م وحتى اليوم، من خلال سرد الخلفية التاريخية، والتحولات السياسية والعسكرية التي ساهمت في تفاقم الظاهرة، وتحليل الجوانب الإنسانية والنفسية والاجتماعية التي رافقت رحلة الأسر الطويلة في البحث عن الغائبين
أولاً: الخلفية التاريخية :
جذور الفقد في سنوات الإنقاذ الأولى عندما وصل نظام الإنقاذ إلى السلطة عام 1989م، بدأت مرحلة جديدة من الحرب في جنوب كردفان/جبال النوبة، ومع اشتداد العمليات العسكرية في العام 1990م، استخدمت حكومة الجبهة الاسلامية التي سطت علي الحكم عبر إنقلابها العسكري في يونيو 1989م إستخدمت منهجيات عنيفة وحملات تجنيد قسري وإستهداف مجتمعي واسع، وشهدت المنطقة عمليات قتل خارج القانون ، وإقتحامات للقرى، وإعتقالات جماعية، وفصل الأطفال والشباب عن أسرهم في معسكرات بعيدة، وملاحقات للمواطنين على أساس الانتماء القبلي أو الاشتباه السياسي، في تلك الفترة، بدأت مأساة المفقودين على نطاق واسع. حيث اختفى شباب قسراً بعد حملات تجنيد في الدلنج وكادوقلي والرشاد، وفقدت الأسر أبناءها أثناء النزوح القسري إلى الأحراش والجبال، اختفى طلاب وموظفون ومزارعون أثناء عبورهم الطرق بين المدن انقطع أثر كثيرين نتيجة القصف الجوي والمعارك المباغتة، تم إخفاء المعتقلين في مواقع غير معلومة لأسرهم، كانت تلك بداية سلسلة فقد لم تتوقف، حيث تحوّل الغياب إلى جزء من المشهد اليومي في القرى والجبال.
ثانياً: الفقد خلال سنوات الحرب الثانية 2011م
رغم توقيع اتفاقية وقف إطلاق النار في 2002م ثم اتفاقية نيفاشا في 2005م، بقيت جبال النوبة منطقة هشّة أمنياً وسياسياً، وخلال تلك الفترة تزايدت حالات الاختفاء، خاصة مع بقاء المنطقة مقسمة بين مناطق الحكومة ومناطق الحركة الشعبية، وتجلت المأساة في صعوبة الوصول إلى من قُتلوا أو أصيبوا في المعارك، ودفن الكثيرين دون أن تعرف أسرهم مصيرهم، فقدان الأطفال الذين فصلتهم الحرب عن أسرهم أثناء النزوح أو اللجوء، وانقطاع الاتصال بين عائلات ظلت محاصرة داخل مناطق الحركة وبين أقاربها في مناطق الحكومة، في هذه السنوات، حفرت الذاكرة الجمعية شعوراً قاتماً بأن الحرب لا تكتفي بقتل الناس، بل تقتل أيضاً اليقين والطمأنينة. ومع تجدد الحرب في العام 2011م تمددت فجوة الفقد مع تجدد الحرب بعد انفصال جنوب السودان وانهيار الترتيبات الأمنية، دخلت جبال النوبة مرحلة جديدة من العنف كان لها أثر بالغ في زيادة عدد المفقودين، فقد أدى القصف الجوي المنهجي، ومعارك الحركة الشعبية والحكومة، إلى حالات واسعة من الاختفاء، شباب ولم يعرف مصيرهم حتى اليوم، أطفال فقدوا داخل الغابات أثناء الهروب من الطيران، أسر تفرّقت في الجبال ولم تلتئم بعد مرور سنوات ، رجال اعتقلوا أثناء الحملات الأمنية في المدن ثم اختفوا، وأصبح سؤال “أين هو؟” السؤال الأكثر حضوراً في المنطقة.
ثالثاً: كيف تعيش الأسر الفقد؟
الأم التي تنتظر في كثير من القرى، تجد صورة الابن المفقود معلّقة في صدر الغرفة، كأسلوب للمقاومةالأمهات في جبال النوبة خبرن الانتظار كما لم يختبره أحد، يفتحن الباب مع كل حركة يتابعن الأخبار حتى لو كانت قاتمة، يرفضن إزالة أغراض أبنائهن بعد سنوات طويلة، يحتفظن بثيابهم وروائحهم ورسائلهم، الآباء في جبال النوبة لا ينهارون بسهولة، لكن الحرب كسرت الكثير منهمتراهم يخرجون بحثاً عن أخبار الأبناء في المدن والجبال والحدود، مرددين( لا نريد شيئاً فقط نريد أن نعرف) الأخوة الذين كبروا على فراغ الكثير من الشباب في جبال النوبة اليوم كبروا دون إخوة كبار كانوا سندهم، كبروا على قصص الغياب بدل قصص الحياة، وعلى أمل بأن من غاب ربما يعود في أي يوم
رابعاً: الأثر الاجتماعي :
مجتمع يعيش نصف الفقد المؤلم الذي إمتد عبر ثلاثة أجيال، فأصبحت القرى تحمل أسماء المفقودين كعلامة على حضورهم، تحكي القصص عن شجاعة من غابوا، تُعدُّ المقابر دون معرفة من سقط ومن فُقِد، تعيش على ذاكرة مفتوحة بلا نهاية، وفي المجتمعات التى تعتمد على العمل الجماعي والزراعة والرعي، كان لفقدان شبان كُثر أثر مباشر على الاقتصاد والتماسك الاجتماعي، فضلاً عن غياب التوثيق الرسمي وحق المعرفة منذ التسعينيات وحتى اليوم، لم يُفتح ملف المفقودين في جبال النوبة بشكل جاد، حيث لا توجد سجلات رسمية دقيقة، ولا قوائم مركزية، ولا لجان مستقلة، وهو ما يجعل ، الأسر عاجزة عن معرفة الحقيقة، وكذلك العدالة غائبة، والذاكرة تُترك للنسيان، والجراح مفتوحة بلا علاج، إن حق المعرفة هو حق إنساني قبل أن يكون قانونياً، وهو ما لم يتحقق حتى الآن.
الخاتمة : وجع ثقيل:
أكثر من عقود مرّت، وما زالت جبال النوبة تحمل وجعاً ثقيلاً لا يفارقها، وعلى الرغم من تغيّر الحكومات والوجوه والاتفاقيات، إلا أن سؤال الأسر ظلّ ثابتاً كالجبل( أين هم أبناؤنا) في كل بيتٍ قصة معلّقة، وفي كل قرية وعدٌ لم يتحقق، وفي كل أمسية حزن خافت يسكن القلوب، ولكن رغم قسوة السنوات، ورغم الغياب الطويل، لم يسقط الأمل من يد الناس، الأمل في جبال النوبة ليس ترفاً ولا حلماً بعيداً، بل هو الطريقة الوحيدة للبقاء على قيد الحياة، الأمهات ما زلن يخبئن صور أبنائهن تحت الوسائد، والآباء ما زالوا يسافرون بحثاً عن معلومة، والأسر ما زالت تتبادل أخباراً مهما كانت ضعيفة، لأن القلب لا يعرف اليأس، إن الحديث عن المفقودين ليس مجرد إعادة فتح جرح قديم، بل هو نداءٌ للإنصاف، ولإعادة الكرامة لمن غابوا، وردّ الحقيقة لمن ينتظرون، المفقودون ليسوا أرقاماً، بل حكايات بدأت ولم تُكتب نهاياتها، وما لم تُكشف الحقيقة، سيظل الغياب معلقاً في هواء جبال النوبة، وستظل الأمهات يفتحن الأبواب في كل صباح على أمل أن يعود الغائب، أو يعود الخبر ، إن هذا الجرح ليس جرح جبال النوبة وحدها، بل جرح السودان كله، جرح يذكّرنا بأن السلام الحقيقي لا يكتمل من دون الحقيقة، وأن العدالة لا تبدأ إلا بالاعتراف بآلام الناس، وأن الذاكرة لا تُشفى إلا عندما تسترد أسماء الغائبين مكانها في الحكاية، وربما… في يومٍ ما، سيأتي ذلك الصباح الذي يعود فيه الخبر اليقين ، وحتى يأتي، ستظل الأسر تقاوم بالحب، وتعيش بالأمل، وتصلي من أجل الذين غابوا، لأنهم، مهما طال غيابهم، ما زالوا حاضرين في القلب، وفي الذاكرة، وفي كل حجر من جبال النوبة( يتبع).




