عبدالله موسي يكتب : نساء الريف السوداني في ذكرى 16 مارس

نساء الريف السوداني في ذكرى 16 مارس
١٥ مارس ٢٠٢٦
عبدالله موسى احمد
مركز الاستدامة للتنمية والاستينارة
كيف تكتب الحرب سيرة الصمود هناك في القرى البعيدة عن ضجيج العواصم حيث تبدأ الطرق الترابية وتنتهي خرائط الدولة تعيش المرأة السودانية الريفية حكاية أخرى للحرب ليست حكاية الدبابات والبيانات العسكرية حكاية الحقول التي تُركت بلا حصاد والبيوت التي أُغلقت أبوابها بفعل الهجرة القسرية والذكريات التي تحاول أن تبقى عليها حيّة رغم الخراب.
منذ اندلاع حرب 15 أبريل 2023 في السودان بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع تغيّر وجه الحياة في البلاد لكن في الريف كان التغيير أكثر قسوة هناك لم تصل الحرب على هيئة خبر عاجل جاءت كريح حارقة مرّت على الحقول والآبار والأسواق الصغيرة وتركت خلفها نساءً يحاولن إعادة ترتيب الحياة وإحيائها من اكوام الرماد المتراكم.
ريف بعيد ودولة أبعد
على العموم يعيش الريف السوداني في مسافة رمزية بعيدة من الدولة فبين المدن الكبرى وعلى رأسه الخرطوم وبين القرى الممتدة في دارفور وكردفان والنيل الأزرق فلا تفصل المسافات الجغرافية وحدها بل تفصل سنوات طويلة من النسيان والتهميش التنموي والسياسي.
ففي تلك القرى تكبر الفتيات وهنّ يعرفن أن المدرسة قد تكون بعيدة وأن المركز الصحي قد يفتح أبوابه يومًا ويغلقه أيامًا أخرى. لكنهن يعرفن أيضًا أن الأرض لا تنتظر لذلك تدخل النساء مبكرًا إلى عالم العمل الزراعي يزرعن الذرة والدخن والسمسم، ويحملن المياه على رؤوسهن من الآبار ويصنعن الحياة من أبسط الأشياء المتاحة حولهن.
فالمرأة الريفية كانت دائمًا قلب الاقتصاد المحلي لكنها بقيت خارج دوائر القرار الاقتصادي والسياسي.
عندما وصلت الحرب إلى القرى اي حين اندلعت حرب 15 أبريل 2023، لم تكن القرى في البداية جزءًا مباشرًا من مسرح العمليات العسكرية لكن الحرب مثل النار في العشب اليابس سرعان ما امتدت آثارها
فتوقفت الأسواق وأُغلقت الطرق والقرى التي كانت تعيش على تبادل بسيط للسلع تحولت فجأة إلى جزر معزولة.
بالنسبة للنساء كان ذلك يعني شيئًا واحدًا أن الحياة اليومية أصبحت أكثر صعوبة.
فالمزرعة التي كانت مصدر الطعام والدخل أصبحت أحيانًا مكانًا خطِرً والرحلة القصيرة إلى السوق تحولت إلى مغامرة محفوفة بالمخاطر أما الأطفال الذين كانوا يذهبون إلى المدارس فقد أصبحوا يجلسون في البيوت ينتظرون نهاية حرب لا يعرفون سببها.
فهى تمثل الاقتصاد غير المرئي في الاقتصاد الرسمي قد تبدو المرأة الريفية رقمًا صغيرًا في الإحصاءات لكنها في الواقع هي التي تدير شبكة كاملة من العمل غير المرئي.
هي التي تزرع وتحصد وتطحن الحبوب وتبيع المنتجات في الأسواق المحلية.
وهي التي تحفظ الطعام للمواسم القاسية وتدير ميزانية الأسرة المحدودة وقت الشدة وفي أوقات الحرب يتحول هذا الدور إلى خط الدفاع الأخير عن بقاء المجتمع.
فحين يغيب الرجال في جبهات القتال أو في طرق النزوح واللجؤ تصبح النساء المعيلات الوحيدات للأسر.
إنهن لا يقاومن الحرب بالسلاح لكن بالصبر والعمل اليومي الذي يمنع الحياة من الانهيار الكامل.
النساء حارسات الذاكرة
فدور المرأة الريفية لا يقتصر على الاقتصاد فهي أيضًا حارسة الذاكرة الثقافية.
في أمسيات القرى حيث يجتمع الناس حول النار أو في ساحات البيوت تنبعث الأغاني الشعبية وتُروى الحكايات القديمة وهناك تنتقل الثقافة من جيل إلى آخر عبر النساء في الأغاني والأمثال وطقوس الزواج والحصاد وهذه الثقافة ليست مجرد ترف اجتماعي إنها لغة الهوية التي تحفظ تماسك المجتمع.
لكن الحرب هدد هذا الإرث.
فالنزوح واللجوء يقطع جذور الناس من الأرض ويكسر الإيقاع الطبيعي للحياة الريفية وفي مخيمات النزوح اللجوء تصبح الذاكرة نفسها شيئًا هشًا.
النساء فى السياسة الغرفة المغلقة
بينما تتفاوض النخب السياسية والعسكرية حول مستقبل السودان يبقى صوت النساء الريفيات بعيدًا عن طاولة القرار.
المفارقة أن النساء يقمن بأدوار حاسمة في مجتمعاتهن منها دورهن فى حل النزاعات الصغيرة بين العائلات وتنظيم التضامن وتكامل بين الجيران
وحماية الأطفال وكبار السن في أوقات الأزمات.
إنه نوع من القيادة الصامتة قيادة لا تظهر في الخطابات الرسمية لكنها حاضرة في تفاصيل الحياة اليومية
من يكتب نهاية الحكاية؟
الحروب في السودان كثيرًا ما تُكتب نهاياتها في العواصم البعيدة ولكن إعادة بناء المجتمع يبدأ دائمًا في القرى وهنا تقف المرأة الريفية في الخط الأول
فهي التي تعيد زراعة الأرض بعد أن تمر العاصفة وهي التي تعيد جمع شتات العائلات بعد النزوح وهي التي تحفظ القصص التي تمنع المجتمع من فقدان ذاكرته.
ما لا تقوله نشرات الأخبار
في تقارير الحرب تُذكر أعداد القتلى والنازحين وتُحصى الخسائر العسكرية. لكن قليلًا ما يُذكر الجهد اليومي الصامت الذي تبذله النساء للحفاظ على بقاء الحياة.
فتكشف تجربة حرب 15 أبريل 2023 في السودان حقيقة عميقة أن الريف السوداني لم يصمد بفضل المؤسسات أو السياسات وحدها لكن بفضل الناس الذين رفضوا الاستسلام.
وفي قلب هذا الصمود تقف المرأة الريفية لا كضحية للحرب فقط لكن كحارسة للحياة نفسها استمرار ها.




