سياسة

التعليم في السودان بعد حرب 15 أبريل بين الشرعية السياسية وحق الطلاب في الامتحان

التعليم في السودان بعد حرب 15 أبريل
بين الشرعية السياسية وحق الطلاب في الامتحان

مركز الاستدامة للتنمية والاستينارة
عبدالله موسى احمد

عندما يصبح التعليم قضية حقوق لا قضية صراع
في أوقات الحروب والنزاعات المسلحة تتعطل مؤسسات الدولة وتتضرر الخدمات الأساسية ويصبح المواطن العادي هو الضحية الأولى للصراعات السياسية والعسكرية. ومن بين أكثر الحقوق تعرضاً للخطر حق التعليم الذي يمثل بالنسبة للأفراد والمجتمعات بوابة المستقبل وأداة البناء والتنمية والاستقرار.


وفي مثل هذه الظروف يبرز الدور المحوري للمنظمات الحقوقية والمؤسسات القانونية باعتبارها صوتاً للدفاع عن الحقوق الأساسية للإنسان بعيداً عن الاستقطاب السياسي ومواقف أطراف النزاع. فالمطلوب من هذه المؤسسات ليس الانحياز لهذا الطرف أو ذاك وإنما الدفاع عن حق الأطفال والشباب في التعلم ومواصلة مسيرتهم التعليمية والجلوس للامتحانات مهما كانت الظروف السياسية والعسكرية المحيطة بهم.


وقد أعادت قضية امتحانات الشهادة السودانية في مناطق سيطرة حكومة السلام تأسيس وفي مناطق سيطرة حكومة الأمل في بورتسودان فتح نقاش واسع حول العلاقة بين الشرعية السياسية والحقوق الأساسية للمواطنين وحول الدور الذي ينبغي أن تؤديه المنظمات الحقوقية في زمن الحرب.
التعليم في السودان بعد حرب 15 أبريل قد أدت الحرب التي اندلعت في السودان في 15 أبريل 2023 إلى واحدة من أكبر الأزمات التعليمية في تاريخ البلاد. أُغلقت آلاف المدارس وتوقفت العملية التعليمية في مناطق واسعة ونزحت ملايين الأسر وانقطع مئات الآلاف من الطلاب عن الدراسة لفترات طويلة.


ولم تقتصر آثار الحرب على تدمير البنية التحتية التعليمية لكنها امتدت إلى تعطيل الامتحانات العامة وتأخير المسار الأكاديمي لأجيال كاملة من الطلاب. وأصبح مستقبل كثير من الشباب معلقاً بين خطوط القتال ومناطق النزوح واللجوء وفي وقت تراجعت فيه قدرة المؤسسات الرسمية على توفير خدمة التعليم بصورة متساوية لجميع المواطنين.
ومن هنا تحولت قضية التعليم من مسألة إدارية إلى قضية حقوقية وإنسانية بامتياز تتطلب البحث عن حلول استثنائية تتناسب مع الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد.

ان امتحانات الشهادة السودانية بين حكومتي “تأسيس” و”الأمل” فقد أفرز الواقع السياسي والعسكري الجديد وجود سلطات مختلفة تدير مناطق متباينة من السودان الأمر الذي انعكس بصورة مباشرة على قطاع التعليم وإدارة الامتحانات.
وترى حكومة الأمل في بورتسودان أنها الجهة الرسمية المخولة بإدارة العملية التعليمية وإجراء امتحانات الشهادة السودانية وفق الأطر القانونية المعروفة للدولة السودانية. وفي المقابل تسعى حكومة السلام “تأسيس” إلى توفير بدائل تعليمية وإجراء امتحانات للطلاب الموجودين في المناطق الخاضعة لسيطرتها حتى لا يفقدوا سنوات إضافية من أعمارهم الدراسية.
ومن منظور مستقل فإن جوهر القضية لا ينبغي أن يقتصر على سؤال من يملك الشرعية السياسية؟ لكن يجب أن يمتد إلى سؤال أكثر أهمية كيف يمكن حماية حق الطلاب في التعليم والامتحان؟


فالخلاف السياسي حول الشرعية قد يستمر سنوات طويلة أما مستقبل الطلاب فلا يحتمل الانتظار إلى حين التوصل إلى تسوية سياسية شاملة. ولهذا فإن المصلحة الفضلى للطلاب تقتضي البحث عن آليات تضمن استمرار التعليم وإجراء الامتحانات مع توفير معايير الجودة والاعتراف الأكاديمي اللازمين.

الرؤية المستقلة لقضية الامتحانات
إن الموقف المستقل من هذه القضية ينطلق من مبدأ أساسي مفاده أن الطالب لا ينبغي أن يتحول إلى ضحية إضافية للحرب أو إلى رهينة للصراع السياسي.
فإذا كانت هناك مبادرات أو ترتيبات تتيح للطلاب الجلوس للامتحانات ومواصلة تعليمهم، فإن الأصل هو دعم هذه الجهود والعمل على تطويرها وتحسينها وضمان نزاهتها لا إجهاضها بصورة مطلقة.


وفي الوقت نفسه فإن حماية حق التعليم لا تعني تجاهل الجوانب الفنية والقانونية المتعلقة بالاعتماد والاعتراف بالشهادات والمعايير الأكاديمية لكن تقتضي إيجاد حلول عملية مثل الإشراف المشترك أو المعادلات الأكاديمية أو الاعتراف الانتقالي بالنتائج أو أي آلية أخرى تحول دون ضياع مستقبل الطلاب.
وبذلك يصبح الهدف حماية الحق في التعليم دون التفريط في المعايير التعليمية المطلوبة.


فدور المنظمات الحقوقية في الدفاع عن حق التعليم
تتمثل الوظيفة الأساسية للمنظمات الحقوقية في حماية الحقوق الأساسية للمواطنين وعلى رأسها الحق في التعليم الذي كفلته المواثيق الدولية والإقليمية.
فالإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية واتفاقية حقوق الطفل جميعها أكدت أن التعليم حق أصيل لا يجوز حرمان الأفراد منه بسبب الظروف السياسية أو العسكرية.


ومن ثم فإن الدور المنتظر من المنظمات الحقوقية في زمن الحرب يتمثل في الدفاع عن حق جميع الطلاب في الوصول إلى التعليم دون تمييز. والمطالبة بإجراء الامتحانات في جميع المناطق الممكنة. ومراقبة نزاهة وعدالة العملية التعليمية. والضغط على أطراف النزاع لتحييد التعليم عن الصراع السياسي والعسكري.
ودعم آليات الاعتراف بالشهادات والنتائج بما يحفظ حقوق الطلاب. وتوثيق الانتهاكات التي تؤدي إلى حرمان الأطفال والشباب من التعليم.


فالمنظمات الحقوقية لا تُقاس بمواقفها السياسية، وإنما بمدى قدرتها على حماية حقوق الفئات الأكثر ضعفاً وتأثراً بالحرب.
هل سيصبح التعليم كجسر للسلام لا كساحة للصراع؟
تؤكد التجارب الدولية في مناطق النزاعات أن استمرار التعليم يمثل أحد أهم أدوات حماية المجتمعات من التفكك والانهيار.

فالمدرسة ليست مجرد مكان للتعلم لكنها فضاء للأمل والاستقرار النفسي والاجتماعي وكما أن الامتحانات تمثل بوابة العبور إلى المستقبل بالنسبة للطلاب وأسرهم. ولهذا فإن تحويل التعليم إلى ساحة للمواجهة السياسية يهدد بإنتاج جيل كامل يشعر بالتهميش والحرمان وفقدان الفرص وهو ما قد ينعكس سلباً على مستقبل السلام والاستقرار في السودان.

إن قضية امتحانات الشهادة السودانية بعد حرب 15 أبريل ليست مجرد خلاف إداري أو سياسي بين سلطات متنافسة بل هي في جوهرها اختبار حقيقي لمدى احترام المجتمع السوداني لحق أبنائه في التعليم. فالطلاب الذين عانوا من الحرب والنزوح واللجوء وفقدان الاستقرار لا ينبغي أن يدفعوا ثمناً إضافياً بسبب الخلافات حول الشرعية والسلطة.


إن الواجب الأخلاقي والقانوني يفرض على جميع الأطراف الحكومية والسياسية والحقوقية أن تجعل مصلحة الطلاب فوق أي اعتبار آخر وأن تعمل على ضمان حقهم في الدراسة والامتحان والاعتراف بمخرجاتهم التعليمية. فالتعليم ليس امتيازاً تمنحه السلطة لكنه حق أصيل من حقوق الإنسان وحمايته في زمن الحرب ليست خياراً سياسياً وإنما التزام أخلاقي وقانوني وإنساني.


وفي نهاية المطاف قد يختلف السودانيون حول السياسة والسلطة ومستقبل الحكم لكنهم لا ينبغي أن يختلفوا حول حق أبنائهم في التعليم لأن الأمم تُبنى بالعلم أما الحروب فلا تترك وراءها إلا الخسائر بينما يبقى التعليم هو الاستثمار الوحيد القادر على صناعة مستقبل أكثر أمناً وعدلاً واستقراراً للسودان والسودانيين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى