مقالات

عبدالله موسي يكتب : رحلتنا من ربك إلى القاهرة طريق النجاة الذي يمر عبر الخوف والصحراء

رحلتنا من ربك إلى القاهرة طريق النجاة الذي يمر عبر الخوف والصحراء

مركز الاستدامة للتنمية والاستينارة
عبدالله موسى احمد

رحلة لجوء سودانية بين النيل والأحراش وحدود والتهريب

ليست كل الطرق تُقاس بالكيلومترات فبعضها يُقاس بالخوف وبعضها الآخر بالدموع وهناك طرق لا يُعرف طولها الحقيقي إلا بعد الوصول إلى نهايتها أحياء. ومن بين تلك الطرق القاسية يبرز طريق اللجوء من مدينة ربك إلى القاهرة بوصفه واحداً من أكثر المسارات التي اختبرت قدرة السودانيين على الاحتمال المصاعب والاهوال منذ اندلاع حرب الخامس عشر من أبريل 2023.
في هذا الطريق لا يغادر الناس أوطانهم سعياً وراء الرفاهية أو المغامرة لكن هرباً من واقع أصبحت فيه الحياة نفسها مهددة فى اي لحظة بالزوال والفاء. ويتحول الوطن إلى ذكرى مؤلمة وتصبح الحقيبة الصغيرة بديلاً عن البيت بينما يصبح الوصول إلى مكان آمن أعظم أحلام الإنسان وأكثرها بساطة.
هذه ليست قصة فرد واحد لكن حكاية آلاف السودانيين الذين سلكوا طرقاً وعرة بين المدن والقرى ومراكز الايواء والأحراش والصحارى والحدود بحثاً عن فرصة جديدة للحياة. إنها شهادة إنسانية فى زمن الحرب وعلى ما تفعله النزاعات حين تدفع البشر إلى السير في دروب لا يسلكها أحد طوعاً واختيارا.
ربك مدينة هادئة ترقد على ضفاف النيل تحمل أوجاع حرب عبثية لا فائدة منها.


بدأت رحلتنا فى الصباح الباكر من ربك عاصمة ولاية النيل الأبيض المدينة التي عاشت لعقود طويلة على إيقاع النيل والمحبة والاخاء والزراعة والتجارة المحلية. كانت ربك قبل الحرب مدينة هادئة نسبياً تعتمد في حياتها الاقتصادية على المشاريع الزراعية ومصانع السكر وحركة التجارة بين شمال السودان وجنوبه.


لكن الحرب غيّرت وجه المدينة. امتلأت أحياؤها بالنازحين القادمين من الخرطوم ومدن الجزيرة وكردفان ودارفور وارتفعت أسعار السلع الأساسية بصورة غير مسبوقة. أصبح الحصول على الوقود والدواء والخدمات الصحية تحدياً يومياً بينما تحولت الأسواق إلى مرآة للأزمة الاقتصادية التي ضربت البلاد.
في صباح الرحيلنا بدت ربك مختلفة الشوارع التي اعتادت ضجيج الحياة اصبحت مثقلة بالقلق والناس يتحدثون همساً عن الطرق المفتوحة والطرق المغلقة وعن الذين وصلوا والذين اختفوا في الطريق. كانت المدينة تبدو وكأنها تودع أبناءها بصمت حزين.


خرجنا منها ونحن نحمل القليل من المتاع والكثير من الخوف تاركين خلفنا بيوتاً لا نعلم متى نعود إليها.
وكانت الرحلة الاولى من ربك إلى سنار على ضفاف النيل الأزرق. وكلما اقتربت المركبة من سنار بدا المشهد أكثر ارتباطاً بالنيل الأزرق الذي منح هذه المنطقة خصوبتها وتاريخها. تمتد الحقول الزراعية على جانبي الطريق وتتوزع القرى الصغيرة بين الأشجار والمزارع.
وصلنا سنار هة ليست مجرد مدينة عادية في الجغرافيا السودانية فهي تحمل إرث سلطنة سنار السلطنة الزرقاء التي شكلت واحدة من أهم الممالك الإسلامية في السودان. غير أن التاريخ بدا بعيداً عن واقع المدينة أثناء الحرب.


امتلأت الفنادق واللكوندات والمنازل ومراكز الإيواء بالنازحين. والأسواق مزدحمة والوجوه مرهقة، والناس يتبادلون أخبار المعارك أكثر مما يتبادلون أخبار المواسم الزراعية. ورغم ذلك ظلت سنار تحتفظ بشيء من روحها القديم وروح المدن التي تعرف كيف تتعايش مع الأزمات.


كانت المقاهي الشعبية ما تزال تستقبل روادها وبائعات الشاي يفترشون الأرصفة وبينما يحاول الجميع التمسك بمظاهر الحياة الطبيعية رغم العاصفة القادمة اليها والمخاطر المحدقة.
وفى رحلتنا من سنار إلى سنجة حيث يعبر مظهر الطريق عن الهامش المنسي وبعد مغادرة سنار بدأ الطريق يتغير تدريجياً. تقل كثافة العمران وتزداد المسافات بين القرى وتصبح الطبيعة أكثر حضوراً من الإنسان.


وصلنا سنجة هة تعتبر عاصمة ولاية سنار وهى مدينة يغلب عليها الطابع الزراعي والرعوي. يعيش سكانها على الزراعة المطرية وتربية الماشية والتجارة المحلية.

وفي زمن الحرب أصبحت محطة رئيسية للنازحين والعابرين نحو شرق السودان. وعلى امتداد الطريق تنتشر قرى بسيطة تتكون من بيوت الطين والقش والصفيح. تبدو الحياة فيها متواضعة لكنها متماسكة. الأطفال يركضون حفاة في الطرق الترابية والنساء يحملن الماء من مصادرها وبينما يجلس الشيوخ تحت ظلال الأشجار يتابعون أخبار الحرب فى البلاد بقلق مكتوم.
غير أن الحرب تركت آثارها هنا أيضاً. فقد تراجعت حركة التجارة وارتفعت الأسعار وأصبحت الخدمات الأساسية أكثر ندرة من أي وقت مضى.


الطريق بين سنجة والسوكي والدندر حيث تبدأ الأحراش ويضيق الأفق وفي هذا الجزء من الرحلة يبدأ السودان الريفي الحقيقي بالظهور بكل تفاصيله. تمتد الأراضي الزراعية الواسعة وتختلط مزارع الذرة والسمسم بأشجار الهشاب والسنط.
وصلت رحلتنا لمدينة السوكي التي كانت يوماً مشروعاً زراعياً واعداً حيث أصبحت تعاني من تراجع الخدمات والبنية التحتية. ومع ذلك ظل سكانها متمسكين بالأرض التي تشكل مصدر رزقهم الوحيد.


أما الطريق نحو الدندر فيأخذ المسافر إلى عالم مختلف. هنا تصبح الأحراش أكثر كثافة ووعورة وتظهر الوديان الموسمية التي تشق الأرض في اتجاهات متعددة. وفي موسم الأمطار تتحول بعض المناطق إلى مستنقعات تعيق الحركة لأيام.
الدندر مدينة صغيرة لكنها ذات أهمية خاصة بسبب قربها من محمية الدندر الشهيرة. الحياة فيها بسيطة والناس يعتمدون على الزراعة والرعي والتجارة الحدودية المحدودة. ولكن مع حلول الليل يتحول الطريق إلى عالم آخر. حيث تكتنفة العتمة الكثيفة وغياب الإضاءة وبعد المسافات بين القرى كلها تجعل رحلتنا محفوفة بالقلق الصعاب والمخاطر.


الطريق من الدندر إلى القدنبلية والقضارف أرض السمسم والانتظار وكلما اتجهنا شرقاً نحو القضارف ظهرت السهول الزراعية الشاسعة التي جعلت من المنطقة واحدة من أهم مراكز الإنتاج الزراعي في السودان. وتنتشر القرى الصغيرة وسط مساحات هائلة من الأراضي المزروعة بالسمسم والذرة والقطن. ورغم غنى الأرض فإن سكان كثير من هذه القرى يعيشون ظروفاً اقتصادية صعبة بسبب ضعف الخدمات وتذبذب المواسم الزراعية.


وصلنا القدنبلية هى تمثل واحدة من المحطات الريفية التي يمر بها المسافرون في طريقهم نحو القضارف. فالطرق الترابية هناك وعرة، وتتحول إلى مستنقعات خلال الخريف.
وعند وصولنا إلى القضارف تبدو المدينة كأنها عاصمة أخرى للبلاد. الأسواق الكبيرة والشاحنات الضخمة وحركة التجارة المستمرة تعكس أهمية المدينة الاقتصادية. ولكن خلف هذا النشاط تختبئ معاناة إنسانية كبيرة. آلاف النازحين اتخذوا من المدينة محطة مؤقتة فيما ارتفعت تكاليف المعيشة بصورة أرهقت السكان والوافدين معاً.


رحلتنا من القضارف إلى كسلا وبين الجبال والحدود
الطريق إلى كسلا من أجمل الطرق الطبيعية في السودان وأكثرها إثارة للمشاعر. وتظهر الجبال تدريجياً في الأفق وعلى رأسها جبال التاكا التي تمنح المدينة هويتها البصرية الفريدة. تبدو كسلا كأنها لوحة طبيعية تجمع بين الجبل والنهر والنخيل.
رغم جمالها كانت المدينة مثقلة بأعباء الحرب. الفنادق مكتظة والأسواق تعج بالوافدين والحديث عن الهجرة والتهريب يكاد يطغى على كل شيء.
هنا يبدأ كثير من الناس في التواصل مع المهربين وتبدأ مرحلة جديدة أكثر خطورة من الرحلة.


الطريق كسلا عطبرةو الأنصاري الى الرُتج هنا الدخول إلى عالم التهريب وعند مغادرة كسلا نحو المسارات غير الرسمية يتغير كل شيء. لم تعد هناك محطات معروفة أو طرق معبدة أو إشارات مرور. أصبحت رحلتنا رهينة لعربات البكاسي القديمة ولخبرة السائقين الذين يحفظون الصحراء كما يحفظ البحارة خرائط البحر. في مناطق عطبرة الأنصاري والرُتج تختفي معالم الدولة تقريباً. لا توجد خدمات أو مراكز صحية أو مصادر مياه مضمونة. والناس هنا يعيشون على هامش الجغرافيا في بيئة قاسية تعتمد على الرعي والتجارة العابرة للحدود.
رحلتنا في هذه المناطق ليست سفراً بالمعنى التقليدي بل اختبار يومي للبقاء. العطش حاضر دائماً والخوف حاضر دائماً والمجهول يرافق الجميع.
حيث كانت المركبات تتوقف أحياناً بسبب الرمال أو الأعطال فينزل الركاب لدفعها تحت شمس حارقة. الأطفال يبكون من الإرهاق والنساء يحاولن التخفيف عن أسرهن وبينما يواصل الرجال مراقبة الأفق بحثاً عن أي علامة أمان.
عند عبور الحدود ووصول رحلتنا إلى أسوان وحين بدأت ملامح الأراضي المصرية بالظهور شعر الركاب وكأنهم يعبرون من عالم إلى آخر.
لم يكن الوصول إلى أسوان يعني نهاية الألم لكنه كان يعني نهاية أخطر مراحل رحلتنا.
في أسوان ظهرت للمرة الأولى ملامح الاستقرار النسبي. مياه النيل والشوارع المنظمة والإحساس بوجود دولة ومؤسسات كلها منحتنا كقادمين شعوراً بأننا ابتعدنا عن دائرة الخطر المباشر.
كثيرون بكوا عند الوصول ليس فرحاً بالهجرة لكن لأنهم نجوا بانفسهم .
رحلتنا الى القاهرة مدينة النجاة المؤقتة ومن أسوان إلى القاهرة امتدت الرحلتنا عبر وادي النيل المصري.
وعندما ظهرت لنا القاهرة بأحيائها الممتدة وضجيجها الهائل وأضوائها التي لا تنطفئ، شعر كقادمون أننا وصلنا إلى محطة جديدة من حياتنا.
لكن القاهرة بالنسبة لنا كلاجئين ليست مجرد مدينة كبيرة لكن مساحة لإعادة ترتيب الحياتنا من جديد. حيث يبدأ البحث عن السكن والعمل والتعليم والعلاج وتبدأ معركة أخرى مختلفة عن معركة الطريق.
ورغم كل الصعوبات يظل وصولنا إلى القاهرة يعني شيئاً واحداً هو النجاتنا من اهوال المعارك والحرب.

وعلية الرحلة من ربك إلى القاهرة تمتد عبر طريق طويل من الخوف والأمل ومن النيل إلى الصحراء ومن الوطن الجريح إلى المنفى المؤقت. إنه طريق يكشف الوجه الإنساني للحرب أكثر مما تكشفه البيانات السياسية أو التقارير العسكرية.
في هذه الرحلة لا يصبح الإنسان بطلاً لأنه انتصر لكن لأنه صمد. ولا تُقاس المسافة بعدد الكيلومترات بل بعدد المرات التي اقترب فيها المسافر من اليأس ثم واصل السير.


لقد عبر آلاف السودانيين هذه الدروب القاسية بحثاً عن حياة أكثر أمناً تاركين وراءهم مدناً وقرى وأحلاماً معلقة. وما بين ربك والقاهرة تتجسد مأساة شعب كامل وجد نفسه مضطراً إلى مغادرة أرضه لكنه حمل معه شيئاً لم تستطع الحرب أن تنتزعه الا وهى إرادة البقاء.


وهكذا يبقى هذا الطريق بكل ما فيه من أحراش ووديان وصحارى وحدود شاهداً على قدرة الإنسان على التشبث بالحياة حينما تضيق به الأوطان وعلى أن النجاة مهما كانت بعيدة تظل أملاً يستحق أن يُسعى إليه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى