حين تصبح القبيلة تهمة

حين تصبح القبيلة تهمة
بقلم إ محمد اوسكار
Mohamedmustafa3243@yahoo.com
5 يونيو 2026
من أخطر القضايا التي تواجه السودان اليوم قضية الهوية الوطنية وما يرتبط بها من تصنيفات جهوية وقبلية أصبحت تهدد النسيج الاجتماعي ووحدة البلاد فالحرب الدائرة اليوم لم تقتصر آثارها على الدمار والقتل والنزوح بل أفرزت كذلك خطابًا اجتماعيًا خطيرًا يقوم على التعميم وإلصاق التهم بمجموعات سكانية كاملة بسبب انتمائها الجغرافي أو القبلي.
ومن أبرز مظاهر هذا الخطاب إطلاق وصف “الجنجويد” على كل من ينتمي إلى بعض القبائل القادمة من دارفور وكردفان وهذا التوصيف يمثل ظلمًا كبيرًا وتعميمًا مخلًا بالواقع لأن الانتماء القبلي لا يعني بالضرورة الانتماء السياسي أو العسكري صحيح أن بعض أبناء تلك القبائل قد يكونون ضمن الحواضن الاجتماعية لقوات الدعم السريع ولكن لا يجوز بأي حال من الأحوال تحميل ملايين المواطنين مسؤولية أفعال أفراد أو جماعات بعينها.
إن مثل هذا السلوك ليس جديدًا على السودان بل هو امتداد لأخطاء تاريخية دفع الوطن ثمنها غاليًا فمنذ سنوات ما قبل انفصال جنوب السودان تعرض الجنوبيون لأشكال متعددة من التمييز والإقصاء الاجتماعي والثقافي وانتشرت أوصاف عنصرية ومهينة مثل (( عبيد و خدم ))وغيرها من المصطلحات التي ساهمت في تعميق الشعور بالاغتراب داخل الوطن الواحد.
وعند العودة إلى جذور الأزمة نجد أن مشكلة جنوب السودان لم تبدأ بالحرب وإنما بدأت منذ الحقبة الاستعمارية عندما اتبع المستعمر البريطاني سياسة المناطق المغلقة والتي عزلت الجنوب عن بقية السودان وأوجدت فجوة ثقافية وتنموية كبيرة وعندما نال السودان استقلاله عام 1956 لم تتم معالجة هذه المشكلة التاريخية بصورة جادة فتحولت المشكلة إلى أزمة سياسية ثم إلى نزاع مسلح طويل انتهى بتوقيع اتفاقية السلام الشامل عام 2005، والتي قادت في نهاية المطاف إلى انفصال جنوب السودان عام 2011.
لقد أثبتت تلك التجربة أن التهميش وخطاب الكراهية وعدم الاعتراف بالتنوع الوطني يمكن أن يؤدي إلى نتائج كارثية تهدد وحدة الدولة نفسها واليوم نجد أنفسنا أمام مشهد مشابه ولكن بأدوات مختلفة وأطراف مختلفة.
ففي ظل الحرب الحالية أصبح كثير من أبناء دارفور وكردفان يواجهون اتهامات جماعية بسبب انتمائهم الجغرافي وكأن ملايين البشر أصبحوا مسؤولين عن أفعال مجموعة مسلحة ولو قبلنا بهذا المنطق لاضطررنا إلى تصنيف شخصيات وطنية وعسكرية ومدنية عديدة من أبناء تلك المناطق ضمن التصنيف نفسه وهو أمر غير منطقي ولا يستند إلى أي أساس موضوعي.
إن الأزمة الحقيقية في السودان ليست أزمة قبيلة أو جهة أو لون وإنما هي أزمة إدارة للتنوع فالسودان من أكثر الدول تنوعًا في أفريقيا من حيث الأعراق والثقافات واللغات والعادات والتقاليد وكان يفترض أن يشكل هذا التنوع مصدر قوة وإثراء، لكنه تحول في كثير من الأحيان إلى أداة للصراع بسبب غياب المشروع الوطني الجامع.
ومنذ الاستقلال انشغلت النخب السياسية بالصراع على السلطة أكثر من اهتمامها ببناء دولة المواطنة التي تساوي بين جميع المواطنين ولذلك ظلت الانتماءات الضيقة تتقدم على الهوية الوطنية الجامعة الأمر الذي أسهم في خلق مشاعر التهميش والاحتقان في عدد من مناطق السودان.
والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم: إذا استمر هذا النهج من التصنيف والإقصاء فمن ستكون الضحية القادمة؟ وهل سننتقل بعد انتهاء هذه الحرب إلى استهداف مجموعات أخرى من شمال السودان أو شرقه أو وسطه؟ إن استمرار هذه العقلية يعني ببساطة إعادة إنتاج الأزمات نفسها التي عانى منها السودان لعقود طويلة.
وفي المقابل فإن هذه الحرب على الرغم من مآسيها، قد تمثل فرصة تاريخية لمراجعة أخطاء الماضي ومعالجة أزمة الهوية السودانية بصورة جادة وشاملة فالأزمات الكبرى كثيرًا ما تفتح الباب أمام إصلاحات كبرى إذا أحسن الناس الاستفادة من دروسها.
ولتحقيق ذلك لا بد من العمل على عدة محاور أساسية
اولا
نشر الوعي المجتمعي بخطورة العنصرية وخطاب الكراهية.
ثانيا
إصلاح المناهج التعليمية بما يعزز قيم المواطنة والتعايش وقبول الآخر
ثالثاً
سن قوانين رادعة تجرم التمييز والعنصرية قولًا وفعلًا وتلميحًا
رابعاً وأكثرها مطلباً
تشجيع التداخل الاجتماعي والمصاهرة بين مختلف مكونات المجتمع السوداني، امتثالًا لقوله تعالى: (( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم ))
كما أن من المهم الاستفادة من تجربة السودانيين الذين فرضت عليهم الحرب اللجوء إلى دول الجوار والعالم فاحتكاكهم بمجتمعات متنوعة وثقافات مختلفة يمكن أن يسهم في بناء وعي جديد قائم على قبول الآخر واحترام التنوع وهنا ينبغي ألا يقتصر دور السفارات السودانية على العمل الدبلوماسي التقليدي بل يجب أن يمتد إلى تنظيم برامج ثقافية وتعليمية تعزز قيم الوحدة الوطنية والتعايش بين أبناء السودان في المهجر.
إن السودان بحاجة اليوم إلى مشروع وطني جديد يتجاوز صراعات الماضي ويتخطى الجدل العقيم حول العروبة والأفريقية وحول من هو السيد ومن هو الخادم ومن هو الأصيل ومن هو الوافد فهذه التصنيفات لم تنتج إلا مزيدًا من الانقسام والتراجع.
وفي الختام
إن مستقبل السودان لن يُبنى على أساس القبيلة أو الجهة أو اللون، وإنما على أساس المواطنة والعدالة والمساواة وإذا لم نستفد من دروس الماضي ونعالج أزمة الهوية اليوم، فقد نجد أنفسنا غدًا أمام أزمات أكبر وربما أمام خسائر وطنية جديدة لا تقل مرارة عن انفصال الجنوب أما إذا نجحنا في بناء دولة تتسع للجميع وتحترم تنوعها فإن السودان سيظل وطنًا عظيمًا قادرًا على تجاوز محنه والانطلاق نحو مستقبل أكثر استقرارا و رائدا في المنطقة والعالم .




