أديس أبابا ومحاولة كسر الحلقة المفرغةهل تفتح الوثيقة الخماسية طريق إلى سودان ما بعد الحرب؟

مركز الاستدامة للتنمية والاستينارة
عبدالله موسى احمد
بعد أكثر من ثلاث سنوات من الحرب التي اندلعت في الخامس عشر من أبريل 2023 لم يكون السؤال الأساسي في السودان هو من ينتصر عسكرياً لكن كيف يمكن إنقاذ ما تبقى من الدولة وانهيار المجتمع قبل أن يتحول الانقسام السياسي والعسكري إلى واقع دائم. وفي هذا السياق تأتي اجتماعات أديس أبابا تحت رعاية الخماسية التى تقترح وثيقة سياسية تسعى فيها الي توافق مجموعات مدنية سودانية حولها وباعتبارها واحدة من أهم محاولات التحالفات الدولية لإعادة القضية السودانية إلى المسار السياسى بعد أن ظلت رهينة البندقية.
غير أن أهمية الوثيقة لا تكمن فقط في ما تتضمنه من بنود حول وقف إطلاق النار أو معالجة الأزمة الإنسانية لكن في قدرتها على الإجابة عن السؤال الأصعب كيف يمكن بناء مشروع وطني جامع في بلد متعدد الثقافات والهويات والأقاليم عانى لعقود طويلة من أزمات التهميش والاستقطاب والحروب الأهلية؟
إن نجاح أي مبادرة سياسية لن يقاس بعدد الموقعين عليها وإنما بمدى قدرتها على مخاطبة جذور الأزمة السودانية المتجددة التي انفجرت في الحرب الأخيرة والتي تمتد جذورها إلى ما قبل الاستقلال .
مقترح الوثيقة الخماسية بين الضرورة السياسية وتحديات الواقع!!!
تستند الوثيقة المقترحة على ثلاثة مسارات مترابطة تتمثل في وقف إطلاق النار ومعالجة الكارثة الإنسانية وإطلاق عملية سياسية شاملة. وهي في جوهرها تمثل اعترافاً مهماً بأن الأزمة السودانية ليست أزمة عسكرية فقط لكنها زمة دولة ومجتمع وحكم.
فالحديث عن وقف إطلاق النار أصبح ضرورة وطنية وإنسانية قبل أن يكون مطلباً سياسياً. لقد دفعت الحرب ملايين السودانيين إلى النزوح واللجوء وأدت إلى انهيار أجزاء واسعة من البنية الاقتصادية والخدمية وخلقت أجيالاً جديدة من الضحايا الذين لا يعرفون من الدولة سوى الحرب والفقر والخوف.
لكن التجربة السودانية تعلمنا أن وقف إطلاق النار وحده لا يصنع السلام. فقد شهد السودان عشرات الاتفاقيات منذ اتفاقية أديس أبابا عام 1972 وحتى اتفاق جوبا للسلام عام 2020 إلا أن معظمها تعثر لأنها عالجت نتائج الأزمات دون أن تعالج أسبابها الحقيقية.
اللجنة التحضيرية هى تعتبر من الفرص والتحديات!!
يُعد مقترح تشكيل لجنة تحضيرية مستقلة من أربعين شخصية أحد أهم عناصر الوثيقة. فهذه اللجنة إذا أُحسن تشكيلها يمكن أن تتحول إلى منصة وطنية للحوار والتوافق.
غير أن الخطر يكمن في أن تتحول اللجنة إلى نسخة جديدة من تجارب المحاصصة السياسية التي عرفها السودان خلال العقود الماضية. فالقضية ليست في عدد الأعضاء وإنما في طبيعة التمثيل.
إن السودان اليوم بحاجة إلى تمثيل حقيقي للأقاليم والمجتمعات المحلية والنساء والشباب والإدارات الأهلية والنقابات والمهنيين والأكاديميين وقادة المجتمع المدني وليس فقط للقوى السياسية التقليدية التي ظلت تتناوب على إدارة الأزمات دون أن تنجح في حلها.
فالحرب الحالية كشفت فجوة عميقة بين النخب السياسية في المركز وبين المجتمعات المحلية التي دفعت الثمن الأكبر للصراع.
هل الأزمة السودانية مشكلة سلطة أم مشكلة دولة؟
يخطئ كثير من الفاعلين السياسيين حين يتعاملون مع الأزمة السودانية باعتبارها مجرد صراع على السلطة بين أطراف متنافسة. فالحقيقة أن الأزمة أعمق من ذلك بكثير.
السودان يواجه أزمة بناء دولة وطنية حديثة قادرة على إدارة التنوع الثقافي والإثني والجهوي بصورة عادلة. فمنذ الاستقلال ظلت الدولة تتركز سياسياً واقتصادياً في المركز بينما ظلت أطراف واسعة تشعر بالتهميش والإقصاء.
ولذلك فإن أي عملية سياسية جديدة يجب ألا تنحصر في توزيع المناصب أو تشكيل الحكومات الانتقالية لكن ينبغي أن تركز على إعادة صياغة العلاقة بين المركز والأقاليم وإقامة نظام حكم يحقق العدالة في توزيع السلطة والثروة والخدمات.
ان البعد الاجتماعي والثقافي هو الحلقة الغائبة
وأحد أهم أسباب فشل الاتفاقيات السابقة أنها ركزت على النخب السياسية والعسكرية وأهملت البعد الاجتماعي والثقافي.
فالحرب لم تدمر المدن والبنى التحتية فقط لكنها أضعفت الثقة بين مكونات المجتمع السوداني. وانتشرت خطابات الكراهية والاستقطاب الجهوي والإثني بصورة غير مسبوقة.
ولهذا فإن أي مشروع سلام حقيقي يجب أن يتضمن برنامجاً وطنياً للمصالحة المجتمعية ورتق النسيج الاجتماعي خاصة في دارفور وكردفان والخرطوم والجزيرة وشرق والشمالية وسائر المناطق المتأثرة بالحرب.
كما يجب الاستثمار في الثقافة والتعليم والإعلام باعتبارها أدوات لإعادة بناء الهوية الوطنية المشتركة التي تتسع لكل السودانيين دون إقصاء أو تمييز.
إن السلام لا يُصنع في قاعات التفاوض فقط لكنه يُصنع أيضاً في المدارس والجامعات والمساجد والكنائس ومراكز الشباب ووسائل الإعلام.
ما هى الاستراتيجية الوطنية الشاملة التى تحقق اهداف المشروع الوطنى؟
إذا أرادت القوى المدنية أن تحول وثيقة أديس أبابا من إعلان سياسي إلى مشروع وطني ناجح فإنها تحتاج إلى استراتيجية تقوم على خمسة محاور رئيسية
أولاً تثبيت وقف إطلاق النار عبر آليات رقابة وضمانات محلية وإقليمية ودولية فعالة.
ثانياً إطلاق استجابة إنسانية عاجلة تعيد الخدمات الأساسية وتدعم عودة النازحين واللاجئين.
ثالثاً بناء عملية سياسية شاملة لا تستثني القوى الوطنية المؤمنة بالحل السلمي.
رابعاً تنفيذ مشروع متكامل للعدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية يوازن بين المساءلة ومنع الانتقام.
خامساً وضع رؤية تنموية طويلة المدى تعالج جذور التهميش والفقر والاختلالات التنموية بين الأقاليم.
وعلية تمثل وثيقة أديس أبابا فرصة جديدة للسودانيين للخروج من دائرة الحرب لكنها ليست ضمانة للنجاح. فالمشكلة السودانية أكبر من أي وثيقة وأعمق من أي تفاهم سياسي محدود. إنها أزمة دولة تحتاج إلى إعادة تأسيس على أسس جديدة من العدالة والمواطنة والشراكة الوطنية.
وإذا استطاعت القوى المدنية أن ترتفع فوق الحسابات الحزبية الضيقة وأن تجعل من مصلحة السودان الهدف الأعلى فقد تصبح هذه الوثيقة بداية طريق طويل نحو السلام والاستقرار. أما إذا تحولت إلى مجرد اتفاق بين نخب متنافسة فإنها ستنضم إلى قائمة طويلة من المبادرات التي ولدت وسط الآمال الكبيرة وانتهت إلى خيبات أكبر.
لقد أثبتت سنوات الحرب أن لا أحد يستطيع أن يحكم السودان وحده كما أثبتت أن السلاح لا يستطيع بناء دولة. والطريق الوحيد نحو المستقبل يمر عبر عقد اجتماعي جديد يشارك في صياغته جميع السودانيين ويؤسس لوطن يتسع للجميع ويحول التنوع من مصدر للصراع إلى مصدر للقوة والوحدة.




