السودان ونظام التفاهة

السودان ونظام التفاهة
مركز الاستدامة للتنمية والاستينارة
عبدالله وموسى احمد
في كتابه الشهير نظام التفاهة يقدّم النحرير أستاذ الفلسفة والعلوم السياسية الكندي آلان دونو تشريحاً قاسياً للعصر الحديث معتبراً أن العالم لم يعد يُدار بواسطة أصحاب الكفاءة والرؤية والمعرفة لكنه يدار بواسطة التافهين الذين يتقنون فن الصعود داخل المؤسسات دون امتلاك العمق الفكري أو الأخلاقي. فالتفاهة بحسب دونو لم تعد مجرد سلوك فردي عابر لكنها تحولت إلى نظام متكامل يسيطر على السياسة والاقتصاد والإعلام والتعليم وحتى القانون بحيث يصبح الإنسان المطيع والسطحي والقابل للتكيّف مع الرداءة أكثر حظاً في الوصول إلى السلطة من الإنسان الحر والمبدع والمستقل.
هذه الفكرة التي بدت للكثيرين في بدايتها أقرب إلى النقد الفلسفي المجرد تبدو اليوم شديدة الحضور عند النظر إلى المشهد السوداني خصوصاً بعد حرب 15 أبريل 2023 التي كشفت بصورة مأساوية حجم الانهيار الذي أصاب بنية الدولة والمجتمع والنخب السياسية والعسكرية والإعلامية.
فالتفاهة بوصفها نظاماً للحكم فيها يرى آلان دونو أن أخطر ما في نظام التفاهة أنه لا يفرض نفسه بالقوة المباشرة فقط لكن عبر إعادة تشكيل الذوق العام والمعايير المهنية والأخلاقية. ففي هذا النظام لا يُكافأ صاحب الفكر بل صاحب الولاء ولا يتقدم الكفء بل الأكثر قدرة على التكيف مع الرداءة هم السائدون.
وعندما ننظر إلى التجربة السودانية خلال العقود الأخيرة نجد أن كثيراً من مؤسسات الدولة تحولت تدريجياً إلى ساحات لإنتاج هذا النموذج. فقد جرى تهميش الخبرات الحقيقية وإقصاء الكفاءات الوطنية لصالح شبكات الولاء السياسي والقبلي والمصلحي. وهكذا أصبح المنصب العام في كثير من الأحيان لا يُمنح على أساس التأهيل ولكن على أساس القرب من مراكز النفوذ.
ومع تراكم هذا النمط دخل السودان في حالة من التآكل المؤسسي الكبير إذ ضعفت الخدمة المدنية وتراجعت المهنية داخل أجهزة الدولة وانحدر الخطاب السياسي والإعلامي إلى مستويات غير مسبوقة من السطحية والتحريض والانفعال.
وحرب 15 أبريل هى لحظة انكشاف كبرى،
حين اندلعت حرب 15 أبريل 2023 بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع لم تكن الحرب مجرد صراع عسكري على السلطة لكن كانت أيضاً لحظة انكشاف تاريخية لطبيعة الأزمة السودانية بأكملها ولقد أظهرت الحرب كيف يمكن لبلد يمتلك هذا القدر من الموارد البشرية والطبيعية والتاريخ السياسي أن يتحول إلى ساحة للفوضى والانهيار بسبب هيمنة العقول التافه على المجال العام. فبدلاً من تغليب صوت العقل والحوار تصدر المشهد أصوات التعبئة والكراهية والمزايدات والشعارات الفارغة.
وفي خضم الحرب تمدد نظام التفاهة بصورة أكثر خطورة عبر وسائل التواصل الاجتماعي حيث تحولت بعض المنصات إلى ساحات لترويج الشائعات وخطابات الكراهية والانتصارات الوهمية وبينما تراجع النقاش الحقيقي حول مستقبل الدولة والسلام والعدالة وإعادة البناء.
لقد أصبح كثير من المؤثرين الجدد أكثر حضوراً من الخبراء والمفكرين وأصبحت اللغة الانفعالية أعلى صوتاً من لغة التحليل والعقل. وهذا تحديداً ما حذر منه آلان دونو حين قال إن التفاهة لا تقتل الفكر فقط بل تجعل المجتمع نفسه غير قادر على التمييز بين القيمة الحقيقية والزيف.
انهيار النخبة وصعود الرداءة واحدة من أخطر نتائج نظام التفاهة في السودان كان انهيار مفهوم النخبة الوطنية. فبدلاً من النخب الفكرية والسياسية القادرة على إنتاج مشروع وطني جامع برزت نخب مؤقتة تقوم على الاستقطاب الحاد والمصالح الضيقة والخطابات الشعبوية. وفي زمن الحرب ظهر هذا الانهيار بوضوح إذ عجزت كثير من القوى السياسية عن تقديم رؤية أخلاقية ووطنية توقف النزيف وبينما انشغلت بعض المجموعات بالصراع الإعلامي وتبادل الاتهامات وتقاسم الشرعية الرمزية وكأن الوطن مجرد منصة للمنافسة الخطابية.
كما ساهمت التفاهة السياسية في تحويل القضايا الكبرى مثل العدالة الانتقالية وإعادة بناء الدولة والسلام الاجتماعي إلى شعارات استهلاكية تُستخدم للمزايدة أكثر من استخدامها كبرامج عمل حقيقي.
لا يتوقف نظام التفاهة عند السياسة فقط بل يمتد إلى الاقتصاد أيضاً. ففي الدول التي تهيمن عليها الرداءة تتراجع الإنتاجية ويصعد السماسرة والانتهازيون وبينما يُهمَّش أصحاب الخبرة والمعرفة.
وقد كشفت الحرب السودانية هذا الواقع بوضوح حيث انهارت قطاعات واسعة من الاقتصاد وتفككت سلاسل الإنتاج والخدمات في وقت ازدهرت فيه اقتصاديات الحرب والسوق السوداء والاحتكار والاستغلال الإنساني.
وفي مثل هذه البيئات تصبح الفوضى نفسها مصدراً للربح ويتحول الخراب إلى فرصة لبعض شبكات المصالح التي لا يعنيها مصير الوطن بقدر ما يعنيها استمرار النفوذ والمكاسب.
كيف يخرج السودان من «نظام التفاهة»؟
للخروج من هذا المأزق لا يمكن أن يتم عبر تغيير الأشخاص فقط لأن الأزمة أعمق من مجرد تبديل الوجوه. القضية الحقيقية تتعلق بإعادة بناء منظومة القيم والمعايير داخل الدولة والمجتمع.
فالسودان يحتاج إلى إعادة الاعتبار للكفاءة والمعرفة والتعليم والمؤسسات المهنية المستقلة. ويحتاج كذلك إلى خطاب إعلامي وثقافي يعيد احترام العقل والنقاش الجاد بدلاً من ثقافة الإثارة والاصطفاف والتحريض.
كما أن بناء السلام الحقيقي لن يتحقق ما لم يُفتح المجال أمام الكفاءات الوطنية والمفكرين والخبراء للمشاركة في رسم مستقبل البلاد بعيداً عن هيمنة أمراء الحرب وتجّار السياسة والولاءات الضيقة.
علية ربما تكمن عبقرية طرح آلان دونو في أنه لم يتحدث عن التفاهة بوصفها شتيمة أخلاقية لكن بوصفها بنية كاملة قادرة على السيطرة على الدول والمجتمعات. وما حدث في السودان خلال السنوات الأخيرة وخصوصاً منذ حرب 15 أبريل 2023، يكشف إلى أي مدى يمكن أن تقود الرداءة المؤسسية والانحدار الأخلاقي إلى تدمير وطن بأكمله.
فالأوطان لا تسقط فقط بالرصاص لكنها تسقط أيضاً حين يصبح التافهون هم الذين يحددون معنى الوطنية ومعنى السياسة ومعنى الحق والحقيقة. وحينها لا تكون الحرب مجرد معركة بين جيوش بل تصبح معركة مجتمع كامل لاستعادة العقل والقيمة والكرامة.
وكل سنة الجميع بخير
عيد مبارك عليكم




