سياسة

الشراكة التي صنعت الانهيار – (2) من الثورة إلى الانقلاب… كيف أُجهض مشروع الثورة في السودان؟


رصد وتحرير : حسين سعد وطارق بشري


إذا كان الانقلاب العسكري في السودان قد وقع في أكتوبر 2021، فإن كثيرين يرون أن مقدماته بدأت قبل ذلك بكثير، داخل غرف الاجتماعات، ولجان الاقتصاد، ومؤسسات السلطة الانتقالية، لم يكن الخلاف بين المدنيين والعسكريين مجرد خلاف سياسي على إدارة المرحلة الانتقالية، بل كان – وفق شهادات خبراء ومسؤولين سابقين – صراعًا على من يملك الاقتصاد… ومن يسيطر على الدولة؟


في الحلقة الثانية من هذه الندوة المهمة التي نظمها تحالف التغيير الجذري بمشاركة خبراء اقتصاديون ، تتضح كيف تحولت “الشراكة” إلى غطاء سياسي لصعود مراكز القوة، وكيف انتهى ذلك إلى الحرب، أجمع عدد من المشاركين في الندوة على أن واحدة من أكبر أخطاء الفترة الانتقالية كانت غياب الفصل الواضح بين المؤسسات المدنية والعسكرية؟ فبدلاً من بناء سلطة مدنية مستقلة، استمرت المؤسسات العسكرية في الاحتفاظ بنفوذ واسع داخل الاقتصاد والأمن؟


وبينما كان السودانيون يهتفون في الشوارع من أجل الحرية والسلام والعدالة، كانت معركة أخرى تُدار بعيداً عن ساحات الاعتصام والمتاريس؛ معركة لا تقل خطورة عن الصراع السياسي نفسه، لكنها تدور داخل غرف الاجتماعات المغلقة، وحول طبيعة البرنامج الاقتصادي الذي سيحكم المرحلة الانتقالية ويحدد مصير الثورة نفسها، الشهادات والوقائع المتداولة داخل أوساط القوى المدنية والاقتصادية تكشف أن الصراع حول الاقتصاد لم يبدأ بعد تشكيل الحكومة الانتقالية، بل سبق ذلك بأشهر، عبر سلسلة اجتماعات بدأت منذ يناير 2019 واستمرت حتى أكتوبر من ذات العام، وشارك فيها عدد من الشخصيات التي لعبت لاحقاً أدواراً محورية في إدارة الملف الاقتصادي السوداني.


بين ضرورات الإصلاح الاقتصادي وضغوط الواقع السياسي، وجدت الثورة نفسها أمام معادلة قاسية: هل يمكن بناء اقتصاد جديد بينما أدوات النظام القديم ما تزال قائمة؟ سؤال لم تجد له الفترة الانتقالية إجابة حاسمة، لكنه فتح الباب أمام تصدعات داخلية دفعت الثورة لاحقاً ثمناً باهظاً؟.


بعد سنوات من الحرب والانقلاب والانهيارات الاقتصادية المتلاحقة، يعود ذلك الجدل بقوة: هل أخفقت الثورة اقتصادياً لأنها اختارت الطريق الخطأ؟ أم لأن الدولة القديمة كانت أقوى من مشروع التغيير نفسه؟ أم لأنها لم تجد برنامجاً اقتصادياً؟ أم لأنها امتلكت برنامجاً لكنها لم تطبقه؟الإجابة ربما لا تكمن فقط في الأرقام، بل في فهم العلاقة المعقدة بين السياسة والاقتصاد والسلطة في السودان؟


وبحسب المتحدثون في الندوة الاقتصادية ، فإن تلك الاجتماعات لم تكن مجرد مشاورات فنية، بل شكلت ـ بحسب توصيفهم ـ الأساس الفعلي لبرنامج اقتصادي اتُهم لاحقاً بأنه انحرف عن أهداف ثورة ديسمبر، ومال نحو وصفات المؤسسات المالية الدولية، بدلاً من الانطلاق من مطالب الشارع السوداني.


ويرى أن البرنامج الذي تبنته الحكومة الانتقالية بقيادة وزير المالية الأسبق إبراهيم البدوي لم يكن انعكاساً للرؤية الاقتصادية التي أعدتها القوى الثورية، وإنما كان أقرب إلى إعادة إنتاج لسياسات اقتصادية سبق أن تبناها نظام الإنقاذ، خصوصاً فيما يتعلق بتحرير الاقتصاد، رفع الدعم، وإعطاء الأولوية للسياسات المالية على حساب القطاعات الإنتاجية.
ويشير أعضاء سابقون في اللجنة الاقتصادية للحرية والتغيير: إلى أنهم دخلوا في مواجهات مباشرة مع الفريق الاقتصادي للحكومة بشأن ملفات حساسة، أبرزها شركات المنظومة العسكرية، حيث طالبوا بإخضاعها لولاية وزارة المالية باعتبارها موارد عامة، لكنهم ـ بحسب روايتهم ـ اصطدموا برفض سياسي وعسكري حال دون تنفيذ ذلك. ويرى المشاركون أن ذلك سمح بتكوين “دولة داخل الدولة”، تمتلك مواردها، وشركاتها، وقدرتها على اتخاذ القرار خارج المؤسسات المدنية


شركات الجيش خارج الرقابة:
بحسب تقديرات عرضت في الندوة، كانت هناك مئات الشركات المرتبطة بالمؤسسة العسكرية والأجهزة النظامية تعمل خارج ولاية وزارة المالية، هذه الشركات – بحسب الخبراء – لم تكن مجرد كيانات إنتاجية، بل كانت جزءًا من شبكة نفوذ اقتصادي وسياسي واسعة، ورغم محاولات إخضاعها للرقابة المالية، فإن تلك الجهود واجهت مقاومة قوية، ويرى محللون أن فشل هذه المعركة خلق اختلالًا خطيرًا في ميزان السلطة داخل الدولة، زمن بين أكثر الاتهامات إثارة في الندوة كان الحديث عن استخدام الاقتصاد نفسه كوسيلة لإضعاف الحكومة الانتقالية، وأشار المتحدثون إلى أن أزمات الوقود، وتراجع قيمة الجنيه السوداني، وارتفاع الأسعار، لم تكن كلها مجرد نتائج موضوعية للأزمة الاقتصادية، بل كانت – في بعض الحالات – مرتبطة بصراع سياسي داخلي، كما تم التطرق إلى إغلاق ميناء بورتسودان، وتأثير ذلك على الإمدادات وسلاسل التوريد، باعتباره جزءًا من الضغط السياسي على الحكومة، هذه الوضعية طرحت سؤال عريض مفاده: لماذا انهار الحاضن الشعبي؟ مع تزايد الأسعار، وتدهور الخدمات، وفشل الحكومة في تحقيق اختراق اقتصادي ملموس، بدأت القاعدة الشعبية التي صنعت الثورة تتآكل؟


وبحسب المشاركين، فإن تطبيق سياسات اقتصادية قاسية على شعب خرج أصلًا بسبب الأزمة المعيشية كان خطأً استراتيجيًا، فالثورات – كما قال أحد المتحدثين – لا تستطيع أن تطلب من الشعوب مزيدًا من الصبر بينما تزداد معاناتها اليومية.


شروط المؤسسات الدولية:
وتؤكد هذه الشهادات أن الخلاف لم يكن فنياً فقط، بل كان صراعاً حول طبيعة الدولة نفسها: هل تكون دولة منحازة للفقراء والمنتجين والقطاعات الشعبية، أم دولة تستجيب لشروط المؤسسات الدولية وتعيد إنتاج الاقتصاد الريعي المرتبط بالنخب العسكرية والطفيلية؟ في المقابل، يطرح اقتصاديون وقوى مقاومة رؤية بديلة لما بعد الحرب، تقوم على تعبئة الموارد الذاتية، واستعادة الشركات الحكومية، والسيطرة على صادرات الذهب والموارد الاستراتيجية، إلى جانب بناء اقتصاد إنتاجي يعتمد على الزراعة والصناعة والثروة الحيوانية، بدلاً من الارتهان للقروض والمنح الخارجية..


ويرى خبراء أن نهاية الحرب ستحدد بشكل كبير شكل البرنامج الاقتصادي القادم؛ فإذا جاءت عبر تسوية سياسية تقليدية، فقد يعود النموذج النيوليبرالي نفسه، أما إذا جاءت عبر ضغط شعبي وقوى الثورة، فقد تبرز فرصة حقيقية لبناء مشروع اقتصادي وطني جديد.


ومع تضخم فاتورة الحرب، ودمار البنى التحتية، واتساع رقعة الفقر والنزوح، يبدو السؤال الاقتصادي في السودان اليوم أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى: هل تنجح القوى المدنية في فرض برنامج اقتصادي يعبر عن تطلعات الناس، أم يعاد إنتاج ذات السياسات التي مهّدت لانهيار التجربة الانتقالية؟


في خضم الحرب التي مزقت السودان، لم تتوقف المعركة عند خطوط النار والجبهات العسكرية، بل امتدت إلى واحدة من أكثر الجبهات حساسية وتعقيداً: جبهة الاقتصاد والسياسات العامة. وبينما تتصاعد النقاشات حول مستقبل البلاد بعد الحرب، يعود إلى السطح جدل قديم حول طبيعة البرنامج الاقتصادي الذي أُديرت به الفترة الانتقالية، والدور الذي لعبته مجموعات سياسية واقتصادية وشخصيات نافذة في رسم مساره، وسط اتهامات بأنه لم يكن برنامجاً وطنياً خالصاً، وإنما امتداداً لوصفات خارجية أعادت إنتاج الأزمة بدلاً من معالجتها.


داخل هذا السياق، كشف عدد من المشاركين في الندوات الاقتصادية والسياسية الأخيرة تفاصيل جديدة حول ما وصفوه بـ”الترتيبات المبكرة” التي سبقت تشكيل الحكومة الانتقالية، مؤكدين أن الاجتماعات الخاصة بالسياسات الاقتصادية بدأت منذ يناير 2019، واستمرت عبر سبعة اجتماعات، كان آخرها في أكتوبر من العام نفسه بالخرطوم، فيما عرف بـ”اجتماع أصحاب المصلحة”، غير أن التساؤل الذي ظل مطروحاً، بحسب المتحدثين، هو: من هم أصحاب المصلحة الحقيقيون؟ وهل كان الشعب السوداني ضمن هؤلاء، أم أن المصالح كانت تخص نخباً سياسية واقتصادية مرتبطة بأجندات أخرى؟


وأشار المتحدثون إلى أن البرنامج الاقتصادي الذي قادته شخصيات مثل وزير المالية إبراهيم البدوي لم يكن وليد المؤسسات الوطنية أو النقاش الشعبي، وإنما حمل ملامح سياسات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وهو ما انعكس – بحسبهم – في أولويات الموازنة العامة التي أعطت أولوية لقطاعات الأمن والدفاع، في وقت خرجت فيه الثورة أساساً احتجاجاً على اختلال توزيع الموارد لصالح الأجهزة الأمنية.

ووفقاً للمداخلات، فإن اللجنة الاقتصادية لقوى الحرية والتغيير دخلت في مواجهات مبكرة مع هذا التوجه، خاصة فيما يتعلق بملف شركات المنظومة العسكرية والاقتصاد الموازي. وطرحت اللجنة – بحسب الرواية – ضرورة إخضاع هذه الشركات لولاية وزارة المالية، باعتبارها موارد عامة يجب أن تدخل ضمن الموازنة الرسمية للدولة، لكن ذلك واجه رفضاً من المؤسسة العسكرية تحت مبررات تتعلق بالمعاشات والخدمات الاجتماعية للقوات النظامية.


وأكد المتحدثون أن هذا الصراع لم يكن مجرد خلاف فني حول إدارة الاقتصاد، بل كان تعبيراً عن صراع سياسي أعمق بين مشروعين: مشروع يعتمد على تعبئة الموارد الذاتية وتحفيز القطاعات الإنتاجية كالزراعة والصناعة والثروة الحيوانية، ومشروع آخر يركز على السياسات المالية التقليدية، مثل تحرير الأسعار، ورفع الدعم، والانخراط في برامج إعادة الهيكلة المرتبطة بالمؤسسات المالية الدولية.
كما أشاروا إلى أن ما جرى لاحقاً من تشكيل محافظ مالية وتحالفات اقتصادية تضم شبكات مرتبطة بالنظام السابق، أدى إلى تعزيز نفوذ ما وصفوه بـ”الاقتصاد الطفيلي”، وهو ما مهد – بحسب تقييمهم – لتهيئة البيئة الاقتصادية والسياسية التي سبقت الانقلاب العسكري.


السيطرة علي الموارد الاقتصادية:
وقال كبلو إن اللجنة الاقتصادية كانت ترى أن نقطة البداية الصحيحة تتمثل في استعادة الدولة سيطرتها على الموارد الاستراتيجية مثل الذهب، وإعادة تنظيم القطاع المصرفي، وإصلاح المشاريع الإنتاجية الكبرى مثل مشروع الجزيرة، إلى جانب مراجعة السياسة الضريبية والتجارية بما يخدم الاقتصاد الوطني.


وأوضح أن اللجنة كانت تطرح برنامجاً قائماً على تعبئة الموارد الذاتية وزيادة الإنتاج وتحسين الميزان التجاري قبل الدخول في تفاوض مع المؤسسات الدولية، بينما اختارت الحكومة الانتقالية السير في اتجاه مختلف، وأضاف أن ما سُمي آنذاك بـ”إصلاحات الاقتصاد الكلي”، خاصة ما يتعلق بتحرير سعر الصرف ورفع الدعم، لم يكن يستند إلى واقع الاقتصاد السوداني، مشيراً إلى أن الدراسات التي أجرتها اللجنة أثبتت أن كثيراً من السلع التي قيل إنها مدعومة، وعلى رأسها الوقود، لم تكن في الحقيقة مدعومة بالصورة التي روجت لها وزارة المالية.
من جانبه، قال د. وائل فهمي بدوي إن السياسات التي تبنتها حكومة رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك ووزير المالية السابق إبراهيم البدوي قامت على وصفة نيوليبرالية كلاسيكية مستمدة من مؤسسات التمويل الدولية، لكنها جاءت في توقيت بالغ الحساسية، وأوضح أن السودان كان خارجاً من ثورة شعبية اندلعت أساساً بسبب تدهور الأوضاع المعيشية، وبالتالي فإن تطبيق سياسات تقوم على رفع الأسعار وتحرير السوق وتعويم العملة أدى عملياً إلى زيادة معدلات التضخم، وتآكل الدخول، وانخفاض التأييد الشعبي للحكومة الانتقالية، وأشار إلى أن ما حدث لم يكن مجرد خطأ اقتصادي، بل خطأ سياسي أيضاً، لأن الحكومة تجاهلت وجود قوى اقتصادية وعسكرية تسيطر على مفاصل الدولة، ما جعل أي إصلاح اقتصادي حقيقي محكوماً بالفشل ما لم يسبقه تفكيك بنية الاقتصاد الموازي، وأضاف أن المجتمع الدولي، رغم إعلانه دعم الانتقال المدني، لم يراعِ هذه التعقيدات الداخلية، ما ساهم بصورة غير مباشرة في إضعاف الحكومة المدنية وتعزيز نفوذ القوى المناهضة للتغيير.
العجز والتضخم:
أما الإقتصادي والكاتب كمال كرار، فقد قدم تقييماً رقمياً صارماً لأداء الحكومة الانتقالية، معتبراً أن موازنة عام 2020 كانت “الأسوأ في تاريخ السودان الحديث، وأشار إلى أن العجز المالي ارتفع بصورة غير مسبوقة، بينما قفز التضخم إلى مستويات قياسية، وتراجعت الإيرادات الفعلية، وانخفض الإنفاق التنموي إلى مستويات متدنية للغاية، في حين لم تتحقق الوعود المتعلقة بالدعم الدولي والمنح الخارجية، وأكد أن هذه الأرقام تعكس فشل النهج الاقتصادي المتبع، والذي وصفه بأنه استمرار لسياسات النظام السابق، لكن بغطاء سياسي جديد؟.
وردا علي سؤال :هل كانت هناك خطة بديلة؟ في مواجهة الاتهامات التي وجهها إبراهيم البدوي للجنة الاقتصادية بأنها كانت تعطل الإصلاحات، أكد المتحدثون أن اللجنة لم تكن مجرد جسم احتجاجي، بل قدمت برنامجاً اقتصادياً متكاملاً منذ وقت مبكر، تم إعداده ضمن قوى المعارضة قبل سقوط النظام، وجرى تسليمه لاحقاً لمؤسسات الحكم الانتقالي، وبحسب المتحدثين، فإن البرنامج شمل إصلاح القطاع الزراعي، وتطوير الصناعة، وإعادة هيكلة النظام الضريبي، وتحسين إدارة الموارد، وتفكيك الاقتصاد الموازي، لكن تم تجاوزه لصالح برنامج آخر تم تطويره في ورش دولية مرتبطة برؤية مؤسسات التمويل العالمية.


مستقبل الاقتصاد مابعد الحرب:
في المحور الأخير من الندوة، ناقش المشاركون مستقبل الاقتصاد السوداني بعد الحرب، حيث أكد د. حسام إسماعيل أن شكل نهاية الحرب سيحدد طبيعة البرنامج الاقتصادي القادم، وأوضح أن أي تسوية سياسية تقليدية قد تعيد إنتاج نفس السياسات النيوليبرالية التي فشلت سابقاً، بينما يمكن أن تفتح عملية تغيير جذري الباب أمام تبني نموذج اقتصادي جديد يعتمد على تعبئة الموارد الوطنية، والسيطرة على الذهب والشركات الحكومية، وإعادة بناء الدولة على أساس العدالة الاجتماعية، وأشار إلى أن تحديات ما بعد الحرب تتطلب رؤية اقتصادية تقوم على إعادة الإعمار، واستعادة الإنتاج، ومعالجة التشوهات البنيوية، بعيداً عن القروض المشروطة أو وصفات التقشف التي لا يتحملها المجتمع السوداني.


وقدم الدكتور حسام إسماعيل قراءة أكثر شمولاً حول السيناريوهات المقبلة، مؤكداً أن شكل نهاية الحرب سيحدد بصورة مباشرة طبيعة البرنامج الاقتصادي القادم. وأوضح أن تاريخ السودان مع التسويات السياسية – من اتفاقية السلام الشامل إلى اتفاق جوبا للسلام – كان غالباً ما يقود إلى تبني برامج اقتصادية نيوليبرالية برعاية المؤسسات الدولية.


وحذر إسماعيل من أن إعادة إنتاج ذات السياسات التي اتبعتها الحكومة الانتقالية ستكون غير قادرة على معالجة آثار الحرب الحالية، في ظل الدمار الواسع الذي أصاب البنية التحتية، والانهيار الإنتاجي، واتساع رقعة الفقر والنزوح، واقترح المتحدثون أن يرتكز برنامج ما بعد الحرب على حشد الموارد الذاتية، عبر إصلاح الشركات الحكومية، وتنظيم قطاع الذهب، وإنشاء بورصة وطنية للمعادن، وإعادة تأهيل قطاعي النفط والزراعة، إلى جانب جذب استثمارات نوعية في التكنولوجيا والصناعات التحويلية، كما دعوا إلى تنويع الشراكات الدولية وعدم الارتهان للمؤسسات الغربية التقليدية، مع دراسة فرص التعاون مع تكتلات مثل بريكس، بما يمنح السودان هامشاً أوسع للاستقلال الاقتصادي.


خاتمة الحلقة الثانية: ما كشفته هذه الندوة لم يكن مجرد مراجعة لتجربة اقتصادية سابقة، بل كان إعادة تعريف لمعركة السودان القادمة. فالصراع، بحسب المشاركين، لم يكن بين أشخاص أو مؤسسات، بل بين مشروعين متناقضين: مشروع يضع المواطن والإنتاج والسيادة الاقتصادية في المركز، ومشروع آخر يعطي الأولوية لرضا المؤسسات المالية الدولية ولو على حساب الاستقرار الاجتماعي..


ومع اقتراب السودان من لحظة سياسية جديدة بعد الحرب، يبدو أن السؤال الاقتصادي سيعود مجدداً إلى صدارة المشهد: هل تتعلم القوى السياسية من أخطاء الفترة الانتقالية، أم يُعاد إنتاج ذات السياسات التي قادت إلى الانهيار؟ تكشف تجربة الفترة الانتقالية في السودان أن الاقتصاد لم يكن مجرد ملف خدمي، بل كان قلب المعركة السياسية، ومن يسيطر على الذهب، والضرائب، والعملات، والشركات الكبرى…

يملك في النهاية القدرة على التأثير في مصير الدولة نفسها، وفي السودان، لم ينتهِ الصراع عند الانقلاب… بل انفجر لاحقًا في حرب لا تزال تدفع البلاد ثمنها حتى اليوم، وحال اقتراب السودان من لحظة ما بعد الحرب، فإن الرهان الحقيقي لن يكون فقط على وقف إطلاق النار، وإنما على من يملك حق كتابة البرنامج الاقتصادي للدولة القادمة…

الشارع الذي صنع الثورة، أم القوى التي صادرت أحلامها؟ لان معركة مابعد الحرب لن تُحسم فقط في موائد التفاوض أو داخل غرف السياسة، بل أيضاً في طبيعة النموذج الاقتصادي الذي سيقود الدولة في المرحلة المقبلة. وبين دعاة الاعتماد على الخارج وأنصار بناء اقتصاد وطني مستقل، يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً: هل ستنجح القوى المدنية والثورية في فرض برنامج اقتصادي يعبر عن تطلعات الشعب، أم أن البلاد ستجد نفسها مرة أخرى أمام تسوية سياسية تعيد إنتاج ذات الأزمات، لكن بوجوه جديدة؟ الإجابة على هذا السؤال قد لا تحدد فقط شكل الاقتصاد القادم، بل ربما تحدد شكل الدولة السودانية نفسه؟ (يتبع)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى