سياسة

السودان ما بين التسوية السياسية والاتفاق السياسي والتحول الديمقراطي

( السودان ما بين التسوية السياسية والاتفاق السياسي والتحول الديمقراطي )
بقلم إ/ محمد أوسكار
Mohamedmustafa3243@yahoo.com
٢٧ مايو ٢٠٢٦

مرّ السودان في تاريخه الحديث بعددٍ كبير من الانقلابات والانتفاضات نجح بعضها وفشل بعضها الآخر مما يؤكد أن السودان ليس جديدًا على التجارب السياسية والتحولات الكبرى غير أن السؤال الذي ظل يفرض نفسه بقوة في ظل الأزمة الراهنة
هل السودان بحاجة إلى تسوية سياسية مؤقتة؟ أم إلى اتفاق سياسي شامل يقود إلى تحول مدني ديمقراطي؟ أم أن المطلوب هو تحول ديمقراطي حقيقي بعيدًا عن الحلول المرحلية وتقاسم السلطة؟

ولفهم هذه الإشكالية بصورة أوضح لا بد من تعريف هذه المفاهيم والتمييز بينها مع النظر إلى تجارب بعض الدول التي خاضت مسارات مشابهة

التسوية السياسية

التسوية السياسية هي عملية الوصول إلى حل وسط بين الأطراف المتنازعة عبر الحوار والتفاوض بهدف إنهاء الصراع أو الحدّ من آثاره وتحقيق قدرٍ من الاستقرار السياسي والأمني

وغالبًا ما تقوم التسويه السياسية على أرضية هشّة بسبب انعدام الثقة بين الأطراف وتضارب المصالح وضعف الالتزام بتنفيذ الاتفاقات إضافة إلى التدخلات الخارجية التي تؤثر بصورة مباشرة

ومن أبرز النماذج على التسويات السياسية تجربة لبنان بعد الحرب الأهلية حيث جاء اتفاق الطائف ليُنهي الحرب عبر تسوية سياسية بين الأطراف المتصارعة غير أن جذور الأزمة بقيت حاضرة بسبب نظام المحاصصة السياسية والطائفية

كما تُعد تجربة جنوب السودان مثالًا آخر إذ تم توقيع عدد مقدر من التسويات واتفاقات سياسية بين الأطراف المتحاربة لكنها واجهت صعوبات كبيرة في التنفيذ نتيجة انعدام الثقة واستمرار الصراع على السلطة

ورغم هذه التحديات فإن التسوية السياسية تظل وسيلة مهمة لوقف الحرب والنزاعات وتهيئة المناخ لإعادة بناء مؤسسات الدولة وتحسين الأوضاع الإنسانية والاقتصادية

الاتفاق السياسي

أما الاتفاق السياسي فهو وثيقة أو تفاهم رسمي يتم بين أطراف سياسية مختلفة لتنظيم العلاقة بينها أو لمعالجة أزمة معينة وغالبًا ما يأتي الاتفاق السياسي نتيجة حوار أو مفاوضات تشارك فيها الأحزاب السياسية والحركات المسلحة والقوى المدنية والعسكرية

ويهدف الاتفاق السياسي إلى إنهاء النزاعات المسلحة والسياسية وتحديد شكل الحكم وتقاسم السلطة ووضع ترتيبات انتقالية تُسهم في إدارة الدولة خلال فترة محددة فترة انتقالية لا تزيد عن ثمانية عشر شهراً

ومن أبرز الأمثلة على الاتفاقات السياسية تجربة السودان نفسه في اتفاق السلام الشامل بين الحكومة والحركة الشعبية والتي أوقفت الحرب في الجنوب لسنوات ومهّدت لاستفتاء تقرير المصير لكنها لم تنجح في بناء استقرار سياسي دائم

كما تُعتبر تجربة اليمن حديثا مثالًا على الاتفاق السياسي حيث تم التوصل إلى المبادرة الخليجية كحل سياسي لنقل السلطة غير أن الاتفاق لم ينجح في إنهاء الأزمة بصورة كاملة بسبب الانقسامات السياسية والتدخلات الإقليمية

وتُظهر هذه التجارب أن الاتفاق السياسي قد ينجح في إيقاف الأزمات مؤقتًا لكنه بنسبة كبيرة قد يفشل إذا لم يكن قائمًا على مشروع وطني حقيقي وإرادة سياسية جادة

التحول الديمقراطي

أما التحول الديمقراطي فهو عملية انتقال الدولة من نظام غير ديمقراطي كالحكم العسكري أو الشمولي إلى نظام مدني دستوري يقوم على سيادة القانون واحترام الدستور وتداول السلطة بصورة سلمية

ويُعد التحول الديمقراطي مسارًا طويلًا يحتاج إلى إصلاحات سياسية ودستورية ومؤسسية عميقة تضمن بناء دولة مستقرة تقوم على العدالة والمواطنة المتساوية كما يهدف إلى حماية الحريات والحقوق واستقلال القضاء وحرية الصحافة وبناء جيش قومي مهني موحد بعيدًا عن الاستقطاب السياسي

ومن أنجح نماذج التحول الديمقراطي تجربة جنوب أفريقيا بعد نهاية نظام الفصل العنصري حيث قاد الحوار الوطني والانتخابات الحرة إلى بناء نظام ديمقراطي جديد قائم على المصالحة الوطنية العليا و إعلاء روح القانون

كذلك تُعد تجربة تونس حديثا من أبرز التجارب الافريقية العربية في التحول الديمقراطي رغم ما واجهته من تحديات سياسية واقتصادية، إذ استطاعت الانتقال نسبيًا نحو نظام تعددي ودستور جديد وانتخابات حرة

أما أسبانيا تعتبر واحدة من أهم النماذج العالمية حيث انتقلت بعد نهاية حكم الجنرال فرانكو من نظام سلطوي إلى نظام ديمقراطي مستقر عبر إصلاحات سياسية ودستورية تدريجية لم تشهدها دولة من قبل

غير أن التحول الديمقراطي يواجه تحديات عديدة من أبرزها الصراعات السياسية والانقسامات الحزبية والأزمات الاقتصادية وخطاب العنصرية والكراهية إضافة إلى التدخلات الخارجية التي تؤثر على القرار الوطني

لقد ظل السودان لسنوات طويلة حبيسًا بين التسويات السياسية والاتفاقات المرحلية وأحلام التحول الديمقراطي ويبقى السؤال المطروح
هل نحن بحاجة إلى حلول مؤقتة تُوقف النزاع الدائر؟
أم إلى اتفاق سياسي جديد يُعيد إنتاج الأزمة عبر تقاسم السلطة بين القوى السياسية؟

أم أن السودان في حاجة حقيقية إلى مشروع وطني شامل يقوم على التحول الديمقراطي الكامل باعتباره الطريق الوحيد نحو الاستقرار والتنمية وبناء دولة القانون والمؤسسات

إن مستقبل السودان لا يمكن أن يبنى فقط بإيقاف الحرب بل ببناء دولة تقوم على العدالة واحترام إرادة الشعب والمشاركة السياسية الحقيقية حتى لا تظل البلاد تدور في الحلقة نفسها مع كل أزمة جديدة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى