دمج القوات المساندة ..السودان أمام اختبار الجيش الواحد

تقرير : شادية جادين
في تطور يُعد من أبرز التحولات السياسية والعسكرية منذ اندلاع الحرب في السودان ، أعلن عضو مجلس السيادة ومساعد القائد العام للقوات المسلحة ياسر العطا اتجاه الدولة نحو دمج جميع القوات المساندة والتشكيلات المسلحة داخل المؤسسة العسكرية الرسمية، في خطوة وصفها مراقبون بأنها تمثل بداية فعلية لترتيبات مرحلة ما بعد الحرب، وعودة ملف “الجيش الواحد” إلى واجهة المشهد السوداني.
التصريحات التي جاءت في توقيت بالغ الحساسية، أعادت فتح واحد من أعقد ملفات الدولة السودانية، والمتمثل في تعدد الجيوش والتشكيلات المسلحة خارج المنظومة العسكرية التقليدية، وهي الظاهرة التي تعمقت خلال العقود الماضية مع تنامي الحركات المسلحة وتوسع ظاهرة الاستنفار الشعبي خلال الحرب الحالية.
🔸️ إعادة هيكلة المشهد العسكري
وأكد ياسر العطا في تصريحات إعلامية، أن المرحلة المقبلة ستشهد تنفيذ برامج للدمج والتسريح وإعادة التأهيل، مشددًا على أن جميع القوات التي قاتلت إلى جانب الجيش ستخضع لترتيبات تنظيمية داخل المؤسسات النظامية. وأوضح أن جزءًا من المقاتلين سيتم استيعابهم داخل القوات المسلحة أو الشرطة والأجهزة الأمنية وفق معايير مهنية وعسكرية محددة، فيما سيتم توجيه آخرين إلى برامج إعادة تأهيل ودمج مدني.
وحملت تصريحات العطا رسائل واضحة بشأن توجه الدولة لإنهاء أي وجود لقوات موازية بعد الحرب، والسعي نحو تأسيس جيش قومي موحد يخضع لقيادة مركزية واحدة.
🔸️تأييد رسمي
وعقب تصريحات العطا مباشرة، أعلن رئيس حركة جيش تحرير السودان مصطفى تمبور تأييده الكامل لخطة الدمج، واصفًا القرار بأنه “صائب بنسبة 100%”. وقال تمبور، في تدوينة نشرها عبر فيسبوك، إن حركته ستكون “من أوائل المنفذين للقرار مضيفًا: “لن نسمح بأي سلاح خارج سيطرة القوات المسلحة، وسنردع أي محاولة مستقبلية للتمرد على الدولة”.
وتُعد تصريحات تمبور أول موقف رسمي معلن من أحد مكونات القوة المشتركة الموقعة على اتفاق جوبا للسلام، ما اعتبره مراقبون مؤشرًا قد يدفع بقية الحركات المسلحة إلى إعلان مواقفها بصورة أكثر وضوحًا.
🔸️نموذج الدمج المبكر
ويرى مراقبون سياسيون أن تجربة رئيس الحركة الشعبية لتحرير السودان شمال مالك عقار تمثل نموذجًا مبكرًا لعملية الدمج، بعد أن تم استيعاب قواته سابقًا داخل القوات المسلحة بصورة سلسة ومنظمة، وهو ما حظي وقتها بترحيب واسع باعتبارها خطوة داعمة لاستقرار المؤسسة العسكرية.
🔸️“درع السودان” يعلن التأييد
بدورها، أعلنت قوات درع السودان بقيادة أبو عاقلة كيكل تأييدها الكامل لخطة الدمج. وقال المستشار الإعلامي للقوات يوسف أبو سن،د إنهم يدعمون بصورة مطلقة خطة القوات المسلحة لدمج جميع التشكيلات التي قاتلت إلى جانب الجيش داخل مؤسسة عسكرية وطنية موحدة. وأضاف أن “المرحلة الاستثنائية التي فرضت تعدد التشكيلات خلال الحرب قد انتهت، وحان الوقت لبناء جيش نظامي واحد تحت قيادة موحدة يحمي السودان ويحفظ سيادته”.
🔸️صمت وترقب
وفي المقابل، لم تصدر حتى الآن مواقف رسمية من رئيس حركة العدل والمساواة السودانية جبريل إبراهيم أو رئيس حركة تحرير السودان مني أركو مناوي بشأن تصريحات العطا الأخيرة. إلا أن ناشطين مقربين من حركة مناوي أشاروا، عبر منصات التواصل الاجتماعي، إلى أن الحركة لا ترفض مبدأ الدمج، لكنها تتمسك بتنفيذه وفق الجداول الزمنية والترتيبات المنصوص عليها في اتفاق جوبا للسلام، وهي تصريحات ظلت حتى الآن غير رسمية
🔸️الوعي الشعبي
ويرى مراقبون أن تجربة قوات الدعم السريع وما ترتب عليها من حرب واسعة داخل السودان، عززت قناعة قطاعات كبيرة من السودانيين بضرورة وجود جيش واحد وموحد، وخلقت مخاوف متزايدة من ظاهرة “التمليش” وتعدد مراكز القوة المسلحة. ولذلك، قوبلت تصريحات العطا بترحيب واسع على منصات التواصل الاجتماعي، باعتبارها خطوة ضرورية لمنع تكرار التجربة مستقبلاً.
🔸️أبعاد إقليمية ودولية
الباحث في العلوم السياسية احمد المصطفى يرى أن تداعيات تجربة الحرب الحالية لم تتوقف عند الداخل السوداني، بل امتدت إلى دول الجوار التي أصبحت تنظر بقلق إلى تنامي ظاهرة المليشيات المسلحة. وأوضح أن المؤسسة العسكرية السودانية باتت تدرك أن البيئة الإقليمية والدولية لم تعد تتقبل وجود جيوش متعددة داخل الدولة الواحدة، وهو ما يفسر استعجال الجيش لملف الدمج. وأضاف أن استمرار تعدد التشكيلات المسلحة قد يعرقل فرص عودة الاستثمارات والدعم الخارجي للسودان خلال مرحلة إعادة الإعمار.
🔸️تحديات اقتصادية معقدة
ورغم الترحيب الواسع بخطوة الدمج، إلا أن خبراء اقتصاديون يرون أن تنفيذها يواجه تحديات كبيرة، أبرزها الأزمة الاقتصادية الحادة التي تمر بها البلاد.
ويقول أستاذ ا الاقتصاد والعلوم السياسية الدكتور يوسف محمد عمر إن دمج آلاف المقاتلين داخل القوات النظامية يحتاج إلى موارد مالية ضخمة تشمل الرواتب والتدريب والتأهيل والتجهيزات العسكرية. وأشار إلى أن المقاتلين الذين لن يتم استيعابهم داخل الجيش سيكونون بحاجة إلى برامج تسريح وإعادة دمج مدني، تتضمن التدريب المهني وتوفير مصادر دخل مستقرة، وهي عملية مكلفة تتجاوز قدرات الدولة الحالية.
🔸️معضلة المعايير والرتب العسكرية
من جانبه، يرى الباحث الدكتور عيسى عثمان أن عملية الدمج ستواجه عقبات فنية معقدة، خاصة فيما يتعلق بمعايير الاستيعاب والترقيات العسكرية. وأوضح أن تطبيق الشروط الرسمية المعمول بها داخل القوات النظامية مثل العمر واللياقة البدنية والمؤهلات الأكاديمية قد يؤدي إلى استبعاد أعداد كبيرة من عناصر القوات المساندة وحذر عثمان من أن هؤلاء المستبعدين قد يتحولون إلى مصدر تهديد أمني إذا لم تتم معالجة أوضاعهم بصورة حكيمة ومتوازنة كما أشار إلى أن مسألة الرتب العسكرية تمثل تحديًا بالغ الحساسية، إذ تختلف معايير منح الرتب داخل بعض القوات المساندة عن المعايير الصارمة المتبعة داخل الجيش السوداني وأضاف أن بعض القادة الميدانيين قد يجدون أنفسهم بعد الدمج برتب أقل كثيرًا من مواقعهم الحالية، وهو ما قد يخلق توترات داخلية إذا لم تتم إدارة الملف بحذر.
🔸️أصوات رافضة للدمج
ورغم موجة التأييد، بدأت أصوات معارضة تظهر داخل بعض التشكيلات المساندة. وكشفت صحيفة “السودانية نيوز” الالكترونية عن تصاعد خلافات داخل المعسكر الداعم للجيش، بعد رفض القيادي المعروف بالنور القبة مقترحات تقضي بدمج قواته ضمن القوات البرية التابعة للجيش. وبحسب الصحيفة، يتمسك النور القبة باستمرار قواته كوحدة مستقلة تعمل إلى جانب الجيش دون تفكيكها أو استيعابها الكامل داخل المؤسسة العسكرية.
🔸️خاتمة
ويرى مراقبون أن نجاح مشروع الدمج سيتوقف على قدرة الدولة في تحقيق توازن دقيق بين الحزم العسكري والحكمة السياسية، بما يحافظ على هيبة المؤسسة العسكرية ويمنع في الوقت نفسه ظهور بؤر توتر جديدة. كما يشدد مراقبون على أن العبء الأكبر سيقع على قادة القوات المساندة أنفسهم، من خلال تهيئة عناصرهم نفسيًا وتنظيميًا لتقبل التحولات المقبلة والانخراط داخل مشروع الجيش الموحد. وفي ظل التعقيدات الأمنية والسياسية التي يعيشها السودان، تبدو عملية الدمج واحدة من أكثر الملفات حساسية في مستقبل البلاد، باعتبارها لا تتعلق فقط بإعادة تنظيم السلاح، بل بإعادة تعريف شكل القوات المسلحة السودانية نفسها بعد الحرب.




