سياسة

الجوع يطارد السودانيين .. والغلاء يشعل المعيشة

الجوع يطارد السودانيين.. والغلاء يشعل المعيشة

تقرير : حسين سعد

لم تعد معاناة السودانيين تقتصر على أصوات المدافع والقذائف والمسيرات أو الخوف من النزوح وفقدان المأوى، بل امتدت إلى موائد الطعام التي أصبحت تفرغ يومًا بعد آخر. ففي العاصمة الخرطوم و أم درمان، التي تستضيف مئات الآلاف من النازحين الفارين من جحيم الحرب، بات شراء كيس السكر أو جوال الدقيق يمثل تحديًا يوميًا للأسر التي أنهكتها البطالة، وانقطاع مصادر الدخل، والانهيار الاقتصادي.


داخل الأسواق، يقف المواطنون أمام قوائم أسعار تتغير باستمرار، بينما تتراجع قدرتهم الشرائية بصورة غير مسبوقة. كثيرون يكتفون بالسؤال عن الأسعار ثم يغادرون دون شراء، فيما يضطر آخرون إلى تقليص احتياجات أسرهم أو الاستغناء عن سلع كانت تُعد من أساسيات الحياة اليومية. وبينما تتصاعد الأسعار، تتراجع الآمال في انفراج قريب، لتصبح رحلة البحث عن الغذاء معركة يومية لا تقل قسوة عن الحرب نفسها.

شهدت أسواق أم درمان، ارتفاعًا جديدًا في أسعار المواد الغذائية والسلع الاستهلاكية، في استمرار لموجة التضخم التي تضرب الأسواق السودانية منذ اندلاع الحرب، وسط تحذيرات من تدهور الأوضاع المعيشية واتساع دائرة انعدام الأمن الغذائي.


وأظهرت الأسعار المتداولة أن جوال السكر زنة (50) كيلوغرامًا بلغ 205 آلاف جنيه، بينما ارتفع سعر جوال الدقيق الأصلي (25 كيلوغرامًا) إلى 74 ألف جنيه، والدقيق العادي إلى 71 ألف جنيه.
كما ارتفع سعر جوال الأرز البسمتي إلى 110 آلاف جنيه، بينما بلغ سعر جوال النشاء الأبيض 120 ألف جنيه، وهي أسعار يرى مواطنون أنها أصبحت خارج قدرة غالبية الأسر السودانية.
ولم تتوقف الزيادات عند الحبوب والدقيق، إذ بلغ سعر زيت الفول (الأنصاري) 296 ألف جنيه، ليصبح من أكثر السلع ارتفاعًا خلال الفترة الأخيرة.


كما تراوحت أسعار معجون الطماطم بين 63 ألف جنيه لصلصة الفراشة، و65 ألف جنيه لصلصة البستان، بينما بلغ سعر كرتونة صلصة مجان 78 ألف جنيه.
وفي منتجات الألبان، وصل سعر جردل الجبنة إلى 195 ألف جنيه، فيما بلغ سعر الكيلو من الجبنة المضفرة 40 ألف جنيه، وسجل جردل “ماكس تيلا” 58 ألف جنيه.

شملت الزيادات أيضًا العديد من السلع الأخرى، حيث بلغ سعر طحنية المشرقة (15 كيلوغرامًا) 190 ألف جنيه، وشاي العز (ربع) 95 ألف جنيه، بينما وصل سعر عشرة أرطال من البن إلى 135 ألف جنيه.


وسجلت كرتونة مشروب كينزا (30 عبوة) 55 ألف جنيه، فيما بلغ سعر “هايبر باكت” 38 ألف جنيه.
أما المنظفات، فقد شهدت ارتفاعات مماثلة، إذ بلغ سعر كرتونة صابون الشريحتين 81 ألف جنيه، وصابون دوش 80 ألف جنيه، بينما وصل سعر كرتونة صابون عباد الشمس والطاووس إلى 55 ألف جنيه لكل منهما، وسجل صابون استارز 58 ألف جنيه.

وفي الاثناء قالت تقارير إعلامية ان الدولار الأمريكي حافظ في السوق الموازي بالسودان على متوسط 5400 جنيهاً في تداولات اليوم الأحد، وسط تباين واسع في الأسعار بين المناطق، حيث يجري التداول الفعلي بين 5200 و5600 جنيهاً، في وقت تشير فيه مؤشرات السوق إلى ضغوط جديدة قد تدفع الأسعار إلى مستويات أعلى خلال يوليو.

كما أظهرت بيانات البيع أن الريال السعودي سجل 1436.17 جنيهاً، بينما بلغ الجنيه المصري 109.622 جنيهاً، والدرهم الإماراتي 1471.38 جنيهاً، واليورو 6136.363 جنيهاً، والجنيه الإسترليني 7105.26 جنيهاً، في حين سجل الريال القطري 1479.452 جنيهاً
وتشير متوسطات الشراء إلى أن الدولار استقر عند 5200 جنيهاً، ضمن نطاق تداول يتراوح بين 5000 و5300 جنيهاً، بينما سجل الريال السعودي 1382.97 جنيهاً، والدرهم الإماراتي 1416.89 جنيهاً، واليورو 5909.090 جنيهاً، والجنيه الإسترليني 6842.10 جنيهاً، والجنيه المصري 105.562 جنيهاً، إلى جانب ارتفاعات مماثلة في الدينار البحريني والريال العماني والدينار الكويتي.


وتشير تقديرات خبراء إلى احتمال ارتفاع الدولار خلال يوليو نتيجة عوامل موسمية مرتبطة بالإقفال المالي السنوي، من بينها زيادة الطلب على العملات الأجنبية، وتسوية الفواتير الخارجية، وتوسع التحويلات التجارية، ونشاط المضاربات، وهي عوامل تتكرر سنوياً وتدفع السوق إلى موجات صعود إضافية.


وتؤكد تقارير اقتصادية غربية صدرت في يونيو ويوليو أن السودان يمر بحالة انكماش نقدي حاد، وأن التضخم من بين الأعلى في أفريقيا خلال 2026، بينما لم يعد السعر الرسمي يعكس واقع السوق بسبب ضعف التدفقات الأجنبية، مع توقعات دولية باتساع الفجوة بين السعرين الرسمي والموازي خلال يوليو وأغسطس.


وكانت السوق الموازية قد سجلت في نهاية يونيو مستويات تجاوزت 6000 جنيهاً في بعض المناطق، بنسبة زيادة بلغت 39.53% مقارنة بسعر 02 يونيو، قبل أن يعود الدولار إلى متوسط 5400 جنيهاً في 02 يوليو، وهو تذبذب يعكس ضغوطاً موسمية ونقصاً في السيولة وتوسعاً في المضاربات.


ومن جهتهم يربط تجار ومراقبون هذه الزيادات باستمرار الحرب التي عطلت حركة الإنتاج الزراعي والصناعي، وأثرت على سلاسل الإمداد والنقل بين الولايات، إلى جانب الارتفاع المستمر في أسعار الوقود ورسوم الترحيل، وتراجع قيمة العملة المحلية، الأمر الذي انعكس بصورة مباشرة على أسعار السلع في الأسواق.


كما أدت الحرب إلى خروج العديد من المصانع والمشروعات الزراعية عن الخدمة، وتوقف آلاف الأنشطة التجارية، ما تسبب في نقص المعروض مقابل زيادة الطلب، خاصة في المدن التي تستقبل أعدادًا كبيرة من النازحين.


وفي المقابل يقول عدد من المواطنين إن دخولهم لم تعد تكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية، وإن الأولويات أصبحت تقتصر على شراء أقل كمية ممكنة من الغذاء، بعد أن أصبحت أسعار معظم السلع بعيدة عن متناول الأسر متوسطة ومحدودة الدخل.
وتؤكد أسر أنها باتت تستغني عن بعض الوجبات، أو تقلل من استهلاك اللحوم ومنتجات الألبان والزيوت، بينما تعتمد بصورة أكبر على الأغذية الأقل تكلفة، في محاولة للتكيف مع موجة الغلاء المتواصلة.


ويرى اقتصاديون أن استمرار التضخم دون إجراءات فعالة للحد من ارتفاع الأسعار سيؤدي إلى اتساع رقعة الفقر، وزيادة معدلات سوء التغذية، خاصة بين الأطفال والنساء وكبار السن.
تأتي هذه التطورات في وقت تواجه فيه البلاد واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، حيث أدى استمرار الحرب إلى نزوح الملايين، وانهيار الخدمات الأساسية، وتراجع الإنتاج الزراعي، وتعطل الأسواق في عدد من الولايات، مما يزيد من احتمالات تفاقم أزمة الأمن الغذائي خلال الأشهر المقبلة.
ويحذر خبراء من أن استمرار ارتفاع الأسعار بالتزامن مع ضعف القدرة الشرائية قد يدفع أعدادًا متزايدة من الأسر إلى الاعتماد على المساعدات الإنسانية، في ظل تراجع الاستجابة الدولية واتساع رقعة الاحتياجات.

في الخرطوم أم درمان، لم تعد الأسواق مجرد أماكن للبيع والشراء، بل تحولت إلى مرآة تعكس حجم الانهيار الذي أصاب حياة السودانيين. فكل رقم جديد يضاف إلى قائمة الأسعار يعني وجبة أقل على مائدة أسرة، أو دواءً لن يُشترى، أو طفلًا سيذهب إلى النوم جائعًا. وبين حرب لم تضع أوزارها، واقتصاد يواصل الانهيار، يجد ملايين السودانيين أنفسهم في مواجهة معركة يومية من أجل البقاء، حيث أصبح الحصول على الغذاء تحديًا لا يقل قسوة عن النجاة من ويلات الحرب نفسها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى