استراحة الجمعة .. الاقاعات السودانيةاقاع تم تم والكول كمثال هما كلام الطبول بلسان السودان.

استراحة الجمعة
الاقاعات السودانية
اقاع تم تم والكول كمثال
هما كلام الطبول بلسان السودان.
كتب : عبدالله موسي
الإيقاع بوصفه ذاكرة شعب والحرب بوصفها امتحاناً للصوت والهوية
في السودان ومن موكد لا تُولد الموسيقى من المعاهد وحدها بل تولد من الأرض ومن وقع الأقدام على التراب بعد المطر ومن هدير النيل ومن الطبول التي تعلّمت منذ قرون أن تحفظ ما تعجز الكلمات عن قوله. ولهذا ظل الإيقاع في الوجدان السوداني أكثر من مجرد خلفية لحنية إنه سجل اجتماعي ومرآة للهوية ولسان تتحدث به الشعوب والقبائل فى الجهات والأقاليم المختلفة دون حاجة إلى ترجمة.
ومن بين الإيقاعات التي استطاعت أن تعبر حدود الجغرافيا والزمان يبرز إيقاع التم تم بوصفه أحد أكثر الإيقاعات الأفريقية حضوراً وتجددًا في الموسيقى السودانية إلى جانب إيقاع الكول في شرق السودان الذي يحمل نكهة البحر الأحمر وروح المجتمعات البجاوية الممتدة بين الجبل والساحل. كلاهما لا يمثل مجرد قالب موسيقي لكنة تاريخاً اجتماعياً وثقافياً يعكس تنوع السودان وتعقيداته وقبل أن تأتي حرب 15 أبريل 2023 لتضع هذا التراث كله أمام اختبار قاسٍ.
فالتم تم الإيقاع الذي خرج من الهامش إلى قلب الأغنية السودانية
ويُعد التم تم من الإيقاعات ذات الجذور الأفريقية العميقة ويرجح باحثون في الموسيقى الشعبية السودانيةأن بداياته ارتبطت بمناطق غرب السودان وامتداداته الأفريقية نحو تشاد وأفريقيا الوسطى والنيجر قبل أن يجد طريقه إلى المدن الكبرى خصوصاً الخرطوم وأم درمان. وقد اكتسب اسمه من الصوت الإيقاعي المتكرر للطبول تم… تم وهو صوت بسيط ظاهرياً لكنه يحمل طاقة حركية هائلة.
في بداياته، كان التم تم مرتبطاً بالرقصات الشعبية والاحتفالات الجماعية لكنه سرعان ما دخل إلى الأغنية الحديثة خاصة في أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي حين بدأت الموسيقى السودانية تتحرر من القوالب التقليدية الصارمة وتتجه نحو مزيد من الأفريقانية والإيقاع الحيوي.
وقد أسهم التم تم في كسر مركزية النمط اللحني الهادئ الذي طغى على أغنيات الحقيبة ففتح الباب أمام إيقاعات أكثر حركة وجرأة. ومن هنا أصبح الإيقاع جزءاً من تحديث الموسيقى السودانية لا بوصفه وافداً غريباً بل باعتباره عودة إلى الجذور الأفريقية التي حاولت المدينة أحياناً تجاهلها.
ولعل سر استمراره حتى اليوم يكمن في مرونته فهو قادر على التكيّف مع الأغنية الشعبية والحديثة ومع الموسيقى الشبابية وحتى التجارب الإلكترونية المعاصرة. ولذلك لا يزال التم تم حاضراً في حفلات الأعراس وفي أغنيات البنات وفي الأعمال التي تسعى إلى إعادة اكتشاف الهوية السودانية بعيداً عن التنميط العربي الخالص.
ام اقاع الكول صوت الشرق الذي يشبه زرقة البحر في شرق السودان فإن الإيقاع لا يسير على إيقاع النيل وحده بل على إيقاع البحر والرياح القادمة من المرافئ القديمة. وهناك يظهر إيقاع الكول بوصفه واحداً من أكثر الإيقاعات التصاقاً بثقافة البجا ومجتمعات الشرق.
يمتاز الكول بإيقاعه المتدرج الذي يجمع بين الحزن والاحتفال وكأنه يعكس حياة الإنسان الشرق نفسه ذلك الإنسان الذي عاش تاريخياً بين القسوة الطبيعية والانفتاح التجاري والثقافي. وتستخدم فيه الطبول وآلات النفخ الشعبية بصورة تمنح الموسيقى طابعاً احتفالياً مهيباً بينما ترتبط رقصاته بحركات جماعية تؤكد روح التضامن والانتماء.
ولأن شرق السودان ظل عبر التاريخ منطقة عبور وتلاقح حضاري فقد تأثر الكول بإيقاعات أفريقية وعربية و لكنه احتفظ بخصوصيته المحلية. ولهذا فإن الاستماع إليه يشبه قراءة خريطة ثقافية كاملة حيث تمتزج الروح الأفريقية بالنبرة الصحراوية والذاكرة البحرية.
وقد لعب فنانو الشرق دوراً مهماً في نقل هذا الإيقاع إلى بقية السودان حتى أصبح جزءاً من المشهد الموسيقي الوطني لا مجرد فن إقليمي معزول. وفي السنوات الأخيرة ساعدت وسائل التواصل الاجتماعي على انتشاره بصورة أوسع خصوصاً بين الشباب الذين وجدوا فيه تعبيراً أصيلاً عن التنوع السوداني.
ان الإيقاعات بوصفها هوية ثقافية
فتكشف تجربة التم تم والكول حقيقة مهمة أن السودان ليس ثقافة واحدة، بل فسيفساء من الأصوات والإيقاعات واللغات والرقصات. فالإيقاع في السودان يؤدي وظيفة اجتماعية تتجاوز الفن إذ يُستخدم في المناسبات والطقوس والأعراس وأحياناً في التعبير عن الحزن الجماعي والمقاومة.
ولذلك فإن الحفاظ على الإيقاعات الشعبية ليس مجرد دفاع عن التراث ولكنة دفاع عن الذاكرة الوطنية نفسها. فكل إيقاع يحمل داخله سردية مجتمع كامل وطريقته في الفرح وفي الحب وفي مواجهة الحياة.
وقد ظلت الموسيقى السودانية رغم أزماتها قادرة على إنتاج هذا التوازن بين المحلي والوطني فالإيقاع القادم من دارفور أو الشرق أو الجنوب أو الشمال لا يبقى محصوراً في منطقته بل يتحول مع الوقت إلى جزء من الهوية السودانية.
ولكن الحرب التي اندلعت في السودان في 15 أبريل 2023 لم تستهدف المدن والبنية التحتية وحدها بل أصابت الحياة الثقافية في عمقها. فقد تحولت الخرطوم التي كانت القلب النابض للموسيقى السودانية إلى مدينة مثقلة بالخوف والنزوح والانقطاع عن الموسيقى والابداع والمهرجانات وأغلقت المسارح وقاعات الفنية وتوقفت الحفلات وتشتت الفنانون داخل السودان وخارجه. كثير من الموسيقيين فقدوا أدواتهم واستوديوهاتهم وأرشيفهم الفني بينما وجد آخرون أنفسهم في معسكرات النزوح أو المنافي المؤقتة.
وكانت الإيقاعات الشعبية من أكثر المتضررين لأنها تعتمد أساساً على الحياة الجماعية والاحتفالات المفتوحة. فـالتم تم الذي يزدهر في الأعراس والساحات والكول الذي يعيش في التفاعل الجماعي وجدا نفسيهما في بيئة يسودها الحداد والخوف والانقسام.
ومع ذلك فإن المفارقة المؤلمة تكمن في أن الحرب نفسها أعادت التذكير بأهمية الموسيقى بوصفها وسيلة للبقاء النفسي والروحي. ففي مراكز النزوح وفي المنافي بدأت تظهر محاولات لاستعادة الغناء الشعبي كفعل مقاومة ضد الانهيار الكامل. صار الناس يتمسكون بالإيقاع لا للترفيه فقط بل كي يثبتوا أنهم ما زالوا أحياء.
وقد انتشرت عبر المنصات الرقمية تسجيلات لفنانين سودانيين يؤدون أغنيات مستوحاة من اقاع التم تم والكول بروح جديدة تختلط فيها المرارة بالأمل. وكأن الموسيقى تقول إن الحرب يمكن أن تهدم البيوت لكنها لا تستطيع بسهولة أن تهزم الذاكرة.
السؤال الذي يواجه السودانين اليوم ليس سياسياً فقط وكذلك ثقافي أيضاً كيف يمكن حماية هذا الإرث الموسيقي من الضياع فالحروب الطويلة لا تقتل البشر وحدهم الا انها تهدد أيضاً الأرشيف الشفهي، والعادات والفنون الشعبية التي تنتقل من جيل إلى آخر.
إن إعادة بناء السودان مستقبلاً لن تكتمل بالإعمار المادي وحده لكنة يحتاج إلى ترميم الوجدان الجماعي. وهنا يصبح للفن دور مركزي خصوصاً الإيقاعات الشعبية التي تشكل الجسر الأعمق للترابط بين الناس وهويتهم.
فالـتم تم ليس مجرد إيقاع راقص، والكول ليس مجرد لون فلكلوري؛ إنهما جزء من قصة السودان نفسه بلد متعدد أفريقي وعربي صحراوي ونهري مثقل بالجراح لكنه قادر دائماً على إنتاج الحياة من قلب الألم.
وربما لهذا السبب تحديداً تظل الطبول قادرة على نجاة السودانين. لأنها لم تكن يوماً مجرد أدوات موسيقية بل انها كانت وما تزال تمثل نبض الشعب السودانى والسودانين .




