مقالات

السودان وخريطة النفوذ الإيراني

السودان وخريطة النفوذ الإيراني

عبدالله موسى احمد
مركز الاستدامه للتنمية والاستينارة

هل تصبح ايديولوجيا التمدد معركة للسيطرة على البحر الأحمر
منذ اندلاع الصراع في السودان في 15 أبريل 2023 بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع لم يكن المشهد مجرد صراع داخلي على السلطة سرعان ما تحول إلى ساحة مفتوحة لتقاطعات إقليمية حادة تتقدم فيها إيران كلاعب يسعى لإعادة تثبيت نفوذه في منطقة بالغة الساسية جيوسياسية البحر الأحمر.


ان التحرك الإيراني في السودان لا يمكن قراءته بمعزل عن عقيدته السياسية القائمة على تصدير النفوذ عبر أدوات غير تقليدية تجمع بين الأيديولوجيا والدعم العسكري والشبكات العابرة للدول. فطهران التي خسرت خلال السنوات الماضية جزءاً من حضورها في الخرطوم بعد تقارب السودان مع المعسكر العربي ام الان ترى في هذه الفوضى الحالية فرصة ذهبية لإعادة التموضع وليس فقط عبر دعم أطراف بعينها وذلك عبر إعادة تشكيل البيئة السياسية والأمنية بما يخدم مشروعها التوسعى.

ومن الناحية الأيديولوجية تستند إيران على خطاب نصرة المستضعفين كغطاء لتوسيع نفوذها وهو خطاب أثبت مرونته في التكيف مع بيئات سنية مثل السودان رغم التباينات المذهبية نجد ان الدعم للحركات الإسلامية أو حتى بناء قنوات مع مؤسسات الدولة لا ينبع من انسجام فكري بقدر ما هو استثمار براغماتي في قوى يمكن توظيفها لاحقاً ضمن شبكة نفوذ إقليمية تقودها طهران.


لكن ان البعد الأخطر في هذا التحرك يكمنها جغرافيا. فالسودان ليس مجرد دولة تعاني من حرب أهلية بل هى بوابة استراتيجية على البحر الأحمر وأحد أهم شرايين التجارة العالمية. ومن هنا يصبح الوصول إلى هذا الساحل أو التأثير في معادلاته الأمنية هدفاً حيوياً لإيران خاصة في ظل سعيها لمحاصرة خصومها الإقليميين وامتلاك أوراق ضغط جديدة.


يتجلى هذا الطموح الارانى بشكل أوضح عند النظر إلى مضيق باب المندب الذي يمثل نقطة اختناق استراتيجية تمر عبرها نسبة كبيرة من تجارة النفط العالمية. السيطرة المباشرة على المضيق ليست شرطاً لتحقيق النفوذ يكفي القدرة على التهديد أو التعطيل عبر حلفاء محليين أو أو بحركات غير نظامية. وهذا بالضبط النموذج الذي عملت عليه إيران في مناطق أخرى من الخليج إلى البحر المتوسط.


في هذا السياق يصبح السودان حلقة مفقودة في سلسلة النفوذ الإيراني الممتدة من طهران إلى البحر الأحمر مروراً بالعراق وسوريا ولبنان واليمن وإذا ما نجحت إيران في ترسيخ موطئ قدم لها في السودان فإنها لن تضيف فقط عمقاً جغرافياً لنفوذها لكنها ستقترب أكثر من تطويق أحد أهم الممرات البحرية في العالم.


غير أن هذا المشروع لا يخلو من المخاطر. فالتورط في صراع معقد مثل الصراع السوداني قد يستنزف الموارد ويضع إيران في مواجهة مباشرة مع قوى إقليمية ودولية ترى في البحر الأحمر خطاً أحمر. كما أن تعدد الفاعلين داخل السودان يجعل من الصعب ضمان ولاء طويل الأمد لأي طرف.


في المحصلة لا يمكن فهم التحركات الإيرانية في السودان كتحرك تكتيكي عابر الا انه الواضح كجزء من استراتيجية أوسع لإعادة رسم خرائط النفوذ في المنطقة. وبينما ينشغل العالم بمآسي الحرب الإنسانية تدور في الخلفية معركة أكثر هدوءاً لكنها لا تقل خطورة عن معركة السيطرة على الجغرافيا وعلى مفاتيح التجارة العالمية ومستقبل التوازنات في البحر الأحمر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى