مقالات

عندما تضيع المعاملات بين الكراسي

حيث تضيع المعاملات بين الكراسي

كتب : الأديب شقيفة


في ممرات المؤسسات، حيث يُفترض أن تمشي المعاملات بخطى واثقة نحو الإنجاز،
تتعثر الأوراق… لا لأن الطريق صعب، بل لأن الأيدي التي تحملها مُتعبة من الكسل، أو غافلة عن معنى الأمانة.

هناك، خلف النوافذ الزجاجية،
يجلس الموظف لا بوصفه خادمًا للناس، بل حارسًا على الوقت الضائع.

يُقلّب الملفات كما يُقلّب مزاجه،
ويُرحّل معاملات المواطنين كما يُرحّل يومه من فراغٍ إلى فراغ.

الوظيفة في أصلها رسالة،
لكنها حين تفقد روحها، تتحول إلى مجرد كرسي…
كرسيٌ يُشغل، ولا يُنجز.

أي مفارقةٍ هذه؟
شبابٌ مؤهلون يقفون على أبواب الفرص،
وأبواب المؤسسات من الداخل موصدة…
لا بقفل، بل بعقليةٍ تؤجل اليوم إلى غد،
وتُعيد الغد إلى تعال بكرة.

المشكلة ليست في قلة الأيادي،
بل في قلة الضمائر.

ليست في نقص الموظفين،
بل في نقص الإنتاجية.

مكاتبٌ مزدحمة،
لكن العمل فيها خفيفٌ كظلٍ لا يُمسك،
وأصوات الجبنة والونسة تعلو على صوت المسؤولية،
كأن الزمن هناك لا يُقاس بالدقائق، بل بالأعذار.

والمواطن؟
يقف بين شباكٍ وشباك،
يُستنزف من صبره كما تُستنزف أيامه،
يدفع من عمره ثمن معاملةٍ كان يمكن أن تُنجز في لحظة صدق.

الدولة تدفع راتبًا،
لكنها في الحقيقة تدفع ثمن التقصير،
والمواطن يدفع مرتين…
مرة من جيبه، ومرة من أعصابه.

إن الموظف غير المنتج ليس مجرد فردٍ عابر،
بل عبءٌ صامت،
ينخر في جسد الخدمة العامة دون ضجيج،
ويُبطئ عجلة وطنٍ يحتاج لكل دقيقةٍ فيه أن تُثمر.

الإصلاح لا يبدأ من التوظيف العشوائي،
ولا من ملء الكراسي الفارغة،
بل من إحياء الضمير في الكراسي المشغولة.

أن تُحاسب…
يعني أن تُنصف المجتهد، وتوقظ الغافل،
وتُعيد للوظيفة معناها الحقيقي:
خدمة الناس.

فالخدمة ليست راتبًا آخر الشهر،
بل أثرٌ يُكتب في حياة الآخرين.

وفي وطنٍ يُرهق من البطء،
لا نحتاج إلى مزيدٍ من الموظفين…
بل إلى موظفٍ واحد،
يعرف أن توقيعه على ورقة
قد يختصر على إنسانٍ طريقًا من المعاناة.

لأن الوعي وطن…
والإنتاجية كرامة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى