أخبارمقالات

لماذا خلد الشعر ثورةً 21 اكتوبر أكثر من الثورات الأخرى؟

من أكتوبر إلى ديسمبر..
بين عبقرية الكلمة وتحولات المجتمع وأثر التعليم في تشكيل الوجدان الثوري
لماذا خلد الشعر ثورةً 21 اكتوبر أكثر من الثورات الأخرى؟

مركز الاستدامة للتنمية والاستنار
م. عبدالله موسى أحمد – باحث
csda22026@gmail.com

لم تكن ثورة الحادي والعشرين من أكتوبر 1964 مجرد انتفاضة أسقطت نظاماً عسكرياً، بل كانت لحظة التقاء نادرة بين السياسة والشعر والموسيقى والوجدان الشعبي. فقد استطاع شعراؤها وفنانوها أن يحوّلوا الغضب إلى كلمات، والتضحيات إلى أغانٍ، والأحلام إلى ذاكرة وطنية تناقلتها الأجيال. وبعد أكثر من نصف قرن، جاءت ثورة ديسمبر 2018 بزخم جماهيري واسع وشعارات جسّدت تطلعات السودانيين إلى الحرية والسلام والعدالة، لكنها لم تحظَ، في تقدير كثيرين، بالقدر نفسه من الأعمال الشعرية والغنائية التي استقرت في الذاكرة الجمعية بوصفها علامات خالدة.


فهل كان جيل أكتوبر أكثر استعداداً للتعبير عن الثورة شعرياً وفنياً؟ أم أن الاختلاف يعود إلى طبيعة القضيتين، وتحولات المجتمع السوداني، وتراجع دور المؤسسات الثقافية والتعليمية، فضلاً عن الضغوط الاقتصادية والاجتماعية التي أحاطت بثورة ديسمبر؟ إن الإجابة تقتضي النظر إلى الشعر لا باعتباره زينة للثورات، بل بوصفه أحد أشكال الوعي الاجتماعي، ووسيلة لتحويل التجربة السياسية إلى معنى إنساني مشترك.

أكتوبر حين أصبحت القصيدة صوتاً للشعب، وجدت ثورة أكتوبر بيئة ثقافية ملائمة لولادة أعمال فنية تجاوزت لحظتها التاريخية. فقد تزامنت مع حضور شعراء وموسيقيين امتلكوا أدوات التعبير، واستطاعوا الربط بين اللغة الشعرية والقضايا العامة، مستفيدين من تطور الأغنية السودانية ودور الإذاعة في نشر الأعمال الفنية وتثبيتها في الذاكرة الشعبية.


كانت قصائد محمد المكي إبراهيم، ومحمد عبد الحي، وهاشم صديق، إلى جانب أعمال شعراء وفنانين آخرين، جزءاً من ذلك المناخ الذي التقت فيه الكلمة بالموسيقى والفعل السياسي. وأسهمت ألحان محمد وردي وأداء عدد من الفنانين في نقل الشعر من صفحات الدواوين إلى الشارع، حيث صار النشيد وسيلة للتعبئة والتعبير عن التطلع إلى الحرية.


ولم تكن المسألة مجرد توافر مواهب استثنائية، بل وجود علاقة وثيقة بين الشاعر والمجتمع، وبين المثقف والقضية العامة. فقد امتلك الشعراء آنذاك قدرة على التقاط اللحظة وصياغتها بلغة تتجاوز حدود الانتماء الحزبي، لتخاطب الإنسان السوداني في أشواقه إلى الكرامة والحرية والحكم المدني.


كما ساعدت محدودية الوسائط الإعلامية، مقارنة بعصرنا، على تركيز الانتباه حول عدد من الأعمال التي انتشرت عبر الإذاعة والحفلات والتجمعات العامة. وهكذا اكتسبت الأغنية فرصة أكبر لتصبح جزءاً من الذاكرة الوطنية المشتركة، بدلاً من أن تضيع وسط التدفق المتواصل للمحتوى.

ديسمبر ثورة لم تكن بلا شعر، لكن القول إن ثورة ديسمبر افتقرت إلى الشعر الثوري يحتاج إلى مراجعة. فقد شهدت الثورة إنتاجاً شعرياً وغنائياً واسعاً، واستعادت قصائد وأغانٍ سبقت اندلاعها بسنوات، لتجد فيها الأجيال الجديدة تعبيراً عن مطالبها وأحلامها.


برزت أعمال محجوب شريف ومحمد الحسن سالم حميد وأزهري محمد علي ومحمد طه القدال وغيرهم، وترددت كلماتها في المواكب وساحات الاعتصام. كما ظهرت تعبيرات شبابية جديدة، واستُخدمت مفردات من الثقافة الشعبية ولغة الشارع، إلى جانب أنماط موسيقية متنوعة عكست تعدد الأجيال والثقافات السودانية.


ومن هنا، فإن الفارق بين أكتوبر وديسمبر لا يتمثل بالضرورة في غياب الإبداع عن الأخيرة، بل في اختلاف طريقة إنتاجه وانتشاره واستقراره في الذاكرة. فقد كانت ثورة ديسمبر غنية بالهتافات والمقاطع الشعرية والأغنيات، غير أن جانباً كبيراً من هذا الإنتاج ارتبط بلحظات احتجاجية محددة، بينما احتاجت الأعمال الأخرى إلى زمن أطول كي تتبلور في صورة علامات فنية مستقرة.


كذلك لم تكن ديسمبر ثورة معزولة عن تاريخها؛ فقد حملت في داخلها إرثاً تراكم عبر عقود من المقاومة، واستعادت أشعاراً كُتبت في سياقات سابقة. وهذا يعني أن المقارنة المنصفة لا ينبغي أن تضع أكتوبر وديسمبر في مواجهة صفرية، بل أن ترى في الثانية امتداداً إبداعياً للأولى، مع اختلاف اللغة والأدوات والظروف الاجتماعية.

هل غيّرت طبيعة المطالب لغة الثورة؟ كان المطلب المركزي في أكتوبر إسقاط الحكم العسكري واستعادة الديمقراطية والحريات، في سياق سياسي كانت فيه القضايا الوطنية الكبرى أكثر حضوراً في الخطاب العام. ومع أن الحرب في جنوب السودان كانت من أبرز أزمات الدولة آنذاك، فإنها لم تكن القضية الوحيدة التي فجّرت الانتفاضة أو اختزلت مطالبها.


أما ثورة ديسمبر، فقد انطلقت في سياق أزمة اقتصادية ومعيشية خانقة، لكنها سرعان ما تجاوزت الاحتجاج على الغلاء ونقص الخبز والوقود إلى المطالبة بإسقاط النظام وإنهاء الاستبداد وبناء دولة الحرية والسلام والعدالة. وقد اتسعت مطالبها لتشمل قضايا السلام والتهميش والعدالة الاجتماعية وإعادة بناء مؤسسات الدولة.


انعكس هذا الاتساع على لغتها الشعرية. فلم تعد القصيدة الثورية محصورة في صورة واحدة للبطل أو الوطن، بل أصبحت أكثر تنوعاً في موضوعاتها وأصواتها ومرجعياتها الثقافية. وقد منحها ذلك ثراءً تعبيرياً، لكنه جعل من الصعب اختزال تجربتها في عدد محدود من الأناشيد الجامعة.


ومع ذلك، لا يمكن تفسير تفاوت الحضور الشعري بطبيعة المطالب وحدها؛ فالثورات الكبرى لا تحتاج إلى قضية بسيطة كي تنتج أدباً عظيماً، وإنما تحتاج إلى قدرة المبدعين على تحويل تعقيد الواقع إلى لغة مشتركة، دون أن تفقد هذه اللغة عمقها أو صدقها.

التعليم من صناعة الوعي إلى أزمة التكوين، يبرز هنا سؤال التعليم، ودور السياسات التي انتهجها نظام الإنقاذ منذ عام 1989 في تشكيل الوعي الثقافي للأجيال الجديدة. فقد شهد السودان تحولات واسعة في المناهج والمؤسسات التعليمية، وأثارت سياسات التوسع في التعليم وتغيير السلم التعليمي ومناهجه نقاشات ممتدة حول جودة التحصيل، والتكوين المعرفي، ومكانة الفنون والآداب والعلوم الإنسانية.


ومن المعقول أن تكون لهذه التحولات آثار في البيئة التي ينشأ فيها الشاعر والموسيقي والمثقف؛ فالتعليم ليس مجرد اكتساب مهارات القراءة والكتابة، بل هو أيضاً تنمية للخيال، والقدرة على التفكير النقدي، والتذوق الجمالي، والتعبير عن التجربة الإنسانية.


لكن من الضروري تجنب الاستنتاج بأن تراجع الأعمال الخالدة، إن ثبت، يعود مباشرة إلى تدهور التعليم وحده. فالإبداع لا تنتجه المدرسة بمفردها، كما أن المواهب الشعرية والفنية لا تتوقف على مستوى المناهج الرسمية. وإنما يتشكل الإنتاج الثقافي من تفاعل التعليم والأسرة والمجتمع والمؤسسات الفنية والإعلامية وحرية التعبير والظروف الاقتصادية.


لقد واجه المبدعون السودانيون، خلال عقود من الحكم السلطوي، أشكالاً متعددة من التضييق والرقابة والإقصاء. وأضعفت هذه الممارسات فرص تطور المؤسسات الثقافية المستقلة، كما أثرت في العلاقة بين الفن والمجال العام. ولذلك فإن السؤال الأعمق ليس فقط: ماذا فعل التعليم بالأجيال الجديدة؟ بل أيضاً: ما المساحات التي أتاحها المجتمع والدولة لهذه الأجيال كي تتعلم وتبدع وتنشر أعمالها؟

الاقتصاد والوسائط الجديدة لماذا يصعب أن تصبح الأغنية أيقونة؟، تؤثر الأوضاع الاقتصادية في الإنتاج الثقافي بطرق مباشرة وغير مباشرة. فالشاعر والفنان يحتاجان إلى وقت واستقرار نسبي ومساحات للتجريب والتعاون مع الملحنين والفرق الموسيقية والمنتجين. وعندما تتحول الحياة اليومية إلى معركة من أجل توفير الضروريات، تتراجع قدرة قطاعات واسعة من المجتمع على دعم الثقافة، ويصبح الاستمرار في الإبداع أكثر صعوبة.


وقد عاشت الأجيال التي صنعت ثورة ديسمبر سنوات طويلة من الضغوط الاقتصادية، وانتهت المرحلة الانتقالية إلى اضطراب سياسي وعسكري، ثم اندلعت حرب الخامس عشر من أبريل 2023، التي ألحقت أضراراً جسيمة بالمؤسسات الثقافية والفنية، وشتّتت المبدعين والجمهور، وقطعت كثيراً من الروابط التي تجعل العمل الفني جزءاً من الحياة العامة.
وفي المقابل، غيّرت وسائل التواصل الاجتماعي طريقة انتشار الشعر والأغنية. فقد أصبح من الممكن أن يصل مقطع قصير إلى آلاف الأشخاص خلال ساعات، من دون المرور بالمؤسسات التقليدية التي كانت تتحكم في إنتاج الأعمال وتوزيعها. وهذه ميزة مهمة، لكنها لا تضمن وحدها بقاء العمل في الذاكرة لعقود.


فالانتشار السريع ليس مرادفاً للخلود الفني؛ إذ يحتاج العمل إلى قيمة شعرية وموسيقية، وإلى قدرة على التعبير عن تجربة إنسانية تتجاوز لحظتها المباشرة، فضلاً عن فرص إعادة أدائه وتداوله بين الأجيال. ومع ذلك، سيكون من المبكر الحكم النهائي على حصيلة ديسمبر الفنية؛ فما زالت التجربة قريبة زمنياً، كما أن الذاكرة الثقافية لا تتشكل في لحظة واحدة.

المثقف والثورة من الهتاف إلى مشروع وطني، تثير المقارنة بين أكتوبر وديسمبر قضية أوسع تتعلق بموقع المثقف في الحياة السودانية. ففي لحظات التحول الكبرى، لا تقتصر مسؤوليته على كتابة القصيدة أو إنتاج الأغنية أو صياغة الشعار؛ بل تمتد إلى تفسير التجربة، وحماية قيمها من الاختزال، وربط التضحيات بمشروع وطني قابل للحياة.


لقد كشفت الثورتان عن قدرة المجتمع السوداني على إنتاج تعبيرات إبداعية تستلهم تطلعاته إلى الحرية والكرامة. لكنهما كشفتا أيضاً عن صعوبة الانتقال من إسقاط النظام إلى بناء مؤسسات ديمقراطية مستقرة. وربما أسهم تعثر التحولات السياسية في تعميق الإحباط، وأضعف قدرة الأجيال اللاحقة على الاحتفاء بتجاربها الثورية بالثقة واليقين اللذين رافقا لحظاتها الأولى.


ومع ذلك، لا ينبغي تحميل الشعراء والفنانين مسؤولية إخفاق السياسة، ولا مطالبتهم بإنتاج أناشيد خالدة لمجرد أن الشارع يحتاج إليها. فالإبداع الحقيقي لا يصدر بالأوامر، وإنما ينمو حين تتوافر الحرية، وتتسع مساحات التعبير، ويجد المبدع مجتمعاً يتفاعل مع عمله ويمنحه فرصة الاستمرار.
إن ما تحتاج إليه الذاكرة السودانية اليوم ليس البحث عن ثورة أكثر شعراً من أخرى، بل استعادة العلاقة بين الإبداع والحرية، وبين الثقافة ومشروع بناء الدولة. فالأغنية التي تخلد الثورة لا تصنعها البلاغة وحدها، وإنما يصنعها أيضاً صدق التجربة، وعمق الرؤية، وقدرة المجتمع على تحويل أحلامه إلى واقع.


خاتمة
لم تكن أكتوبر أكثر خلوداً في الوجدان الشعري لأن شعراء ديسمبر أقل موهبة بالضرورة، ولم تكن ثورة ديسمبر فقيرة في التعبير الفني؛ فقد امتلكت لغتها وأغانيها وهتافاتها الخاصة، واستدعت تراثاً إبداعياً سودانياً ممتداً. لكن أكتوبر استفادت من تلاقي جيل فني متميز، ووسائط إعلامية أكثر تركيزاً، ولحظة تاريخية اكتسبت مكانة تأسيسية في الوعي الوطني، بينما واجهت ديسمبر واقعاً أكثر تعقيداً، وضغوطاً اقتصادية وسياسية، وتحولات كبيرة في وسائل الإنتاج والتلقي.


أما أزمة التعليم، فلا يمكن تجاهلها، لكنها جزء من صورة أوسع تشمل الحريات والمؤسسات الثقافية والاقتصاد ومستقبل المشروع الوطني. وسيظل الحكم على الأثر الإبداعي لديسمبر مفتوحاً أمام الزمن؛ لأن الثورات لا تُقاس فقط بما أنتجته في لحظة اندلاعها، بل أيضاً بما تتركه من قيم ومعانٍ وقدرة على إلهام الأجيال.


فحين يجد السودانيون طريقهم إلى السلام والحرية والعدالة، وتستعيد الثقافة فضاءها العام، قد تولد من تجارب الحرب والمنفى والمقاومة أعمال جديدة، لا تقل عمقاً عن أكتوبريات الأمس، وتمنح ديسمبر مكانتها المستحقة في الوجدان الوطني.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى