مقالات

السودان أكبر من طرفي الحرب: إدانة الانتهاكات ليست خيانة

جعفر محمدين عابدين
بتاريخ 27اكتوبر 2026م
gafertamok@gmail.com

في خضم الحرب المدمرة التي تعصف بالسودان منذ 15 أبريل 2023، لم يعد التعبير عن المواقف الأخلاقية والإنسانية بعيدًا عن الاستقطاب السياسي والعسكري. فقد أصبح إدانة الانتهاكات التي ترتكبها أطراف الحرب سببًا كافيًا لتوجيه الاتهامات والتخوين، وكأن الدفاع عن حقوق المدنيين لا يجوز إلا وفقًا لهوية الجهة التي ارتكبت الانتهاك.


فعندما تنتقد انتهاكات الجيش السوداني، يسارع البعض إلى اتهامك بالانتماء إلى الدعم السريع، ويصفونك بـ«الجنجويد». وعندما تدين انتهاكات قوات الدعم السريع، يتهمك آخرون بأنك من أنصار النظام السابق، ويصفونك بـ«الفلولي». وبين هذين الاتهامين، تضيق مساحة الموقف المستقل، ويصبح قول الحقيقة اختبارًا للولاء بدلًا من أن يكون واجبًا أخلاقيًا ووطنيًا.


@مفارقة الانقلاب على إرادة الشعب
المفارقة الأكثر إيلامًا أن طرفي الحرب اللذين يتصارعان اليوم على السلطة والنفوذ، سبق أن تقاطعت مصالحهما في مواجهة مسار التحول المدني الديمقراطي، وانقلبا على إرادة الشعب السوداني في 25 أكتوبر 2021، عندما أُجهضت خطوة أساسية في مسار الانتقال المدني الذي أعقب ثورة ديسمبر المجيدة.


لقد خرج ملايين السودانيين والسودانيات إلى الشوارع مطالبين بالحرية والسلام والعدالة، وبناء دولة مدنية ديمقراطية تنهي عقودًا من الاستبداد والحروب والتهميش. لكن تطلعاتهم اصطدمت بصراع القوى العسكرية على السلطة، ثم تحول الخلاف بين قيادتي الجيش والدعم السريع إلى حرب مفتوحة يدفع ثمنها المواطنون الأبرياء.


ومنذ اندلاع الحرب، شهد السودان موجات واسعة من القتل والنزوح واللجوء والدمار، وتعرضت مناطق عديدة لانتهاكات جسيمة طالت المدنيين وممتلكاتهم ومصادر رزقهم. وبينما يتبادل طرفا الحرب الاتهامات، يجد ملايين السودانيين أنفسهم أمام واقع قاسٍ تتراجع فيه فرص الحياة الآمنة، وتتسع فيه دائرة المعاناة الإنسانية.


@ لا حصانة سياسية أو عسكرية لمرتكبي الانتهاكات
إن المشكلة الأساسية لا تكمن فقط في الانتهاكات ذاتها، بل أيضًا في محاولات تبريرها أو التقليل من خطورتها عندما يكون مرتكبوها من الطرف الذي يؤيده البعض. فهناك من يرفض الاعتراف بجرائم طرف معين، لا لأن الوقائع غير صحيحة بالضرورة، بل لأن الاعتراف بها يتعارض مع موقفه السياسي أو العسكري.


وهذا المنطق لا يخدم العدالة، بل يكرّس الإفلات من العقاب، ويمنح مرتكبي الانتهاكات شعورًا بالحماية من المساءلة. كما أنه يحوّل معاناة الضحايا إلى مادة للمزايدة السياسية، ويجعل حقوق الإنسان خاضعة لموازين الولاء والانتماء.


إن إدانة انتهاكات الجيش لا تعني تأييد الدعم السريع، كما أن إدانة انتهاكات الدعم السريع لا تعني تأييد الجيش. فالمواقف الحقوقية لا تُقاس بالجهة التي تُوجَّه إليها الانتقادات، وإنما بمدى التزامها بالحق والعدالة وحماية المدنيين.
ولا يجوز أن تتحول الجرائم إلى أفعال مقبولة لمجرد أن مرتكبيها ينتمون إلى الطرف الذي نؤيده، كما لا يجوز أن يُحرم الضحايا من التضامن والإنصاف بسبب هوياتهم الاجتماعية أو الجغرافية أو مواقفهم السياسية.


@الشعب السوداني ليس طرفًا في صراع السلطة
لقد أثبتت هذه الحرب أن أكبر الخاسرين ليسوا قادة الأطراف المتحاربة، بل المواطنون الذين فقدوا أرواحهم ومنازلهم وأعمالهم، والأسر التي تفرقت بين النزوح واللجوء،في داخل السودان ودول الجوار الإقليمي . والأطفال الذين حُرموا من التعليم والرعاية الصحية،غيرها من الخدمات الضرورية . والمجتمعات التي تواجه خطر الانهيار الاجتماعي والاقتصادي.
إن السودان أكبر من الجيش والدعم السريع، وأكبر من الحسابات السياسية والصراع حول السلطة في السودان.

والعسكرية التي قادت البلاد إلى هذا الدمار. فالشعب السوداني الذي صنع ثورة ديسمبر لا ينبغي أن يُختزل في خيارات طرفي الحرب، ولا أن يُجبر على الاختيار بين قوتين مسلحتين على حساب حقه في الحياة والحرية والكرامة.
ومن هنا، تبرز أهمية حماية المساحة المدنية المستقلة، ورفض خطاب الكراهية والتخوين، والدفاع عن حق المواطنين في التعبير عن مواقفهم دون تهديد أو اتهام. فالمجتمعات لا تُبنى بالصمت عن الانتهاكات، ولا تتحقق فيها العدالة بتبرير الجرائم، وإنما بالاعتراف بالحقائق، وحماية الضحايا، ومحاسبة المسؤولين.


@ العدالة لا تعرف الانتقائية
إن الطريق نحو سلام مستدام في السودان لا يبدأ بتبرئة طرف وإدانة آخر بصورة انتقائية، بل بالاعتراف بمعاناة جميع الضحايا، والتحقيق المستقل في الانتهاكات، ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته عن الجرائم وفقًا للقانون، بصرف النظر عن رتبته العسكرية أو موقعه السياسي أو انتمائه التنظيمي.
كما أن تحقيق السلام الحقيقي يتطلب معالجة جذور الأزمة السودانية، وإنهاء هيمنة السلاح على الحياة السياسية، وإعادة الاعتبار لإرادة الشعب في إقامة دولة مدنية ديمقراطية تقوم على سيادة القانون والمواطنة المتساوية، وتحمي الحقوق والحريات دون تمييز.

فالسلام الذي يقوم على الإفلات من العقاب ليس سلامًا مستدامًا، والمصالحة التي تتجاهل حقوق الضحايا لا تؤسس لاستقرار حقيقي، والدولة التي لا تستطيع حماية مواطنيها من الانتهاكات تظل بعيدة عن تحقيق تطلعاتهم.
@موقفنا مع الشعب والعدالة
لسنا مطالبين بالانحياز إلى الجيش أو الدعم السريع حتى نثبت وطنيتنا، ولسنا مضطرين إلى الصمت عن الجرائم حتى نتجنب اتهامات التخوين. إن الموقف الأخلاقي والوطني الحقيقي هو الانحياز إلى الشعب السوداني، وإلى حقه في الحياة والأمن والحرية والسلام والعدالة.


سنظل ندين الانتهاكات أيًا كان مرتكبوها، ونرفض استهداف المدنيين، ونتمسك بحق الضحايا في الإنصاف والمساءلة. ولن نسمح بتحويل معاناة السودانيين إلى وسيلة لتصفية الحسابات السياسية أو تبرير استمرار الحرب.
إن الحقيقة ليست «جنجويدًا» ولا «فلوليًا»، والعدالة ليست حكرًا على طرف دون آخر، ودماء السودانيين ليست ملكًا للقوى المتصارعة.


السودان أكبر من طرفي الحرب، والشعب السوداني يستحق دولة لا يحكمها السلاح، ولا تُصان فيها مصالح الأقوياء على حساب حياة الأبرياء، بل دولة مدنية ديمقراطية تكون فيها الحرية والسلام والعدالة واقعًا ملموسًا، لا مجرد شعارات مؤجلة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى