عندما تصبح المريسة موية،،،حكاية قحط السماء وحربٌ تختبر الدولة

عندما تصبح المريسة موية،،،
حكاية قحط السماء وحربٌ تختبر الدولة
المناخ وحده لا يصنع الأزمة والحرب وحدها لا تفسرها وإنما تكشف المحنتان قدرة الدولة على إدارة المخاطر وحماية المجتمع.
مركز الاستدامة للتنمية والاستنار
م. عبدالله موسى أحمد – باحث
csda22026@gmail.com
هناك نكات لا تموت أنها لم تكن نكات بالمعنى المعتاد، لكن كانت طريقة مجتمع كامل في النظر إلى نفسه والسخرية من أوجاعه والاحتفاظ بخفة الروح وسط ثقل الحياة.
ومن أبلغ هذه النكات ما أورده الراحل الطيب محمد الطيب في كتابه الإنداية. تحكي إحدى الروايات عن صانعة مريسة اي فدادية كما تعرف عندما فة السودان، شكت إلى فقير الخلوة فى الحلة قسوة المعيشة وعدم نزول المطر فى خريق هذه السنة (قحط السماء) ورداءة المحاصيل وتوالي السنين العجاف الصعبة. ثم فسّرت ذلك تفسيراً دينياً وأخلاقياً، عزت ذلك بقلها إن الفساد قد انتشر وإن هذا البلاؤ ربما كانت نتيجة كثرة الفاسدين فى الحلة. لم يقتنع الفقير بكلامها، فرد ساخراً قالا انتوا نهائي ما تنضمن في الفساد لأنو مريستكن كلها بقت رقيقة موية.
فضحك الناس من المفارقة، لكن الحكاية قالت ما هو أبعد من ذلك إن القحط لا يصيب الأرض وحدها، لكن يمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية والأسواق والأرزاق والعلاقات الاجتماعية وحتى ما يشربه الناس في الإنداية.
وبعد عقود، تبدو الحكاية كأنها خرجت من كتاب قديم لتجلس أمام السودان المعاصر. فالسماء هذا العام لا تمنح مناطق عديدة ما يكفي من المطر والحرب التي اندلعت في 15 أبريل 2023 لم تترك قطاعاً إلا وأصابته. وبين قسوة المناخ وقسوة الحرب وجد السوداني نفسه أمام أزمة لا يفسرها عامل واحد.
وعندما تتحول الحكاية إلى واقع، حين يقل المطر في بلد يعتمد ملايين الناس فيه على الزراعة والرعي لا يعود الأمر مجرد ظاهرة مناخية، فالمطر جزء من الاقتصاد والأمن الغذائي واستقرار الريف وحركة الأسواق ودخل الأسر. وحينها يتراجع تنكمش فرص الإنتاج وترتفع كلفة المعيشة ويتزايد الضغط على الموارد.
لكن السودان لا يدخل كل موسم جاف بالهشاشة نفسها. فالدولة ذات البنية المائية الجيدة والنظام الزراعي المرن والمخزون الغذائي ونظم الإنذار المبكر وشبكات النقل والأسواق المستقرة، تستطيع امتصاص جانب كبير من صدمة الجفاف. أما الدولة المثقلة بالحرب والنزوح وتراجع الإنتاج وضعف المؤسسات فيتحول فيها نقص المطر إلى أزمة مركبة. وهنا تكمن القضية، المشكلة ليست في أن السماء قد تشح، لكن في أن الدولة قد تكون غير مستعدة حين تشح الامطار.
هنا تضاعف الحرب أثر القحط، منذ 15 أبريل 2023، لم يعد الشعب السوداني يواجه الطبيعة وحدها. فقد عطلت الحرب الإنتاج وأربكت الأسواق وقطعت الطرق ودفعت أعداداً كبيرة إلى النزوح وأضعفت قدرة المجتمعات على الوصول إلى مواردها. وفي المناطق المعتمدة على الزراعة والرعي، يصبح فقدان الأمن وفقدان الموسم الزراعي وجهين لأزمة واحدة.
فالمزارع لا يحتاج إلى المطر وحده المياة، لكن إلى أرض آمنة ومدخلات إنتاج وتمويل ووقود وطريق إلى السوق. والراعي يحتاج إلى المياه ومسارات آمنة وأسواق وخدمات بيطرية واستقرار اجتماعي. وعندما تنهار هذه الحلقة لا يعود الجفاف ظاهرة طبيعية فحسب، لكن يصبح جزءاً من أزمة اقتصادية واجتماعية أوسع. لقد أضافت الحرب إلى القحط الطبيعي قحطاً آخر وهو قحط القدرة المؤسسية على الاستجابة.
وهنا من السخرية إلى السؤال السياسي، لهذا تبدو عبارة فقير الخلوة اليوم أكثر دلالة مما كانت عليه عندما رواها الطيب محمد الطيب. كانت عبارة المريسة بقت رقيقة موية سخرية من أثر القحط في الحياة اليومية، أما اليوم فيمكن قراءتها رمزياً فى ماذا يحدث حين تتراجع موارد المجتمع وتتزايد احتياجاته وتضعف قدرة الدولة على توفير الإنتاج والخدمات، بينما تتسع دوائر الفقر والنزوح والاحتياجات الإنسانية؟ لا تكفي الإجابة بأن المطر تأخر، فالمطر ليس مسؤولاً عن ضعف التخطيط أو تدمير البنية التحتية أو انقسام المؤسسات أو استمرار الحرب. قد تكون الطبيعة قاسية، لكن سوء الإدارة يضاعف قسوتها.
فالقحط يكشف الدولة، وهنا عرفت المجتمعات قديماً أن قسوة الطبيعة جزء من الحياة فهنالك سنوات مطيرة وأخرى جافة ومواسم وفيرة وأخرى شحيحة. لكن الدولة الحديثة نشأت لتخفيف أثر هذه التقلبات على الإنسان.
فالسدود والحفائر ونظم الري والتخزين والطرق والأسواق والخدمات البيطرية والتأمين الزراعي والإنذار المبكر والإحصاءات المناخية وسياسات الأمن الغذائي، كلها أدوات تحول دون انزلاق تغير الطبيعة إلى انهيار اجتماعي. لذلك يصبح الجفاف في لحظة ما هو اختباراً للمؤسسات أكثر من كونه اختباراً للسماء. والحرب اختبار أكبر. فإذا عجزت الدولة عن حماية الأرض والمزارع والسوق والطريق، تضاعفت آثار أي صدمة طبيعية.
ومن انتظار المطر إلى إدارة المخاطر، ظل السودان يتعامل مع أزماته بمنطق الاستجابة بعد وقوعها، يأتي الجفاف فنبحث عن الإغاثة وتقع الفيضانات فنطلب المساعدات وتندلع الحرب فنبحث عن الممرات الإنسانية ويتسع النزوح فنبحث عن التمويل. لكن بناء الدولة لا يقوم على انتظار الكارثة ثم علاجها، بل على إدارة المخاطر قبل تحولها إلى كوارث.
وهذا يجعل المياه قضية أمن قومي وتنمية واستقرار اجتماعي، لا ملفاً زراعياً فحسب. كما أن الزراعة ليست موسم حصاد، لكن منظومة تبدأ بالماء والأرض والبذور والتمويل، وتنتهي بالتخزين والنقل والتسويق. وإذا كان السودان يمتلك موارد طبيعية هائلة، فإن السؤال الأهم ليس هو ماذا نملك؟ بل كيف ندير ما نملك؟
بين قحط السماء وقحط السياسة، يقف السودان أمام مفارقة تاريخية بلد غني بالمياه والأراضي الزراعية والمراعي والثروة الحيوانية، لكنه يعاني أزمات الغذاء والنزوح والفقر وتراجع الإنتاج. لا يفسر المناخ هذه المفارقة وحده، فالموارد لا تصنع التنمية تلقائياً والثروات لا تتحول وحدها إلى رفاه. ما يحقق ذلك هو وجود مؤسسات مستقرة وسياسات رشيدة وسلام يتيح الإنتاج ودولة تتعامل مع الموارد باعتبارها ملكاً عاماً لا غنيمة سياسية.
ومن هنا يصبح السلام أكثر من اتفاق لوقف إطلاق النار فالسلام شرط اقتصادي ومناخي وتنموي. فالمزارع يحتاج إليه ليزرع والراعي ليتحرك والتاجر لينقل والمستثمر ليخطط والدولة لتعيد بناء ما دمرته الحرب.
ما الذي تبقى من الحكاية؟، تظل حكاية ست الإنداية جميلة لأنها تضحكنا، لكنها تصبح أكثر إيلاماً حين نضعها في سياق السودان الراهن. امرأة تشكو القحط وللفكى يرد ساخراً عليها بان المريسة بقت رقيقة موية. وبين الحكاية والواقع عقود طويلة، لكن السؤال ما زال قائماً: ماذا يفعل المجتمع حين تتراجع موارده؟
واجه الناس قديماً المحنة بالحكاوي والسخرية والتكافل. أما الدولة الحديثة، فعليها مواجهتها بالتخطيط والمؤسسات والاستثمار في المياه والزراعة والسلام.
فلا يمكن أن نطلب من السماء وحدها إنقاذ بلد أنهكته الحرب ولا أن نحمّل المناخ مسؤولية كل ما صنعته السياسة.
فحين تقل الأمطار، تختبر السماء قدرتنا على الاحتمال وحين تستمر الحرب تختبر السياسة قدرتنا على حماية الإنسان. أما حين تجتمع المحنتان، فإن الاختبار الحقيقي يقع على الدولة نفسها.
وربما تكون الخلاصة الأهم في حكاية الطيب محمد الطيب أن المجتمع السوداني عرف منذ زمن كيف يضحك من أزماته، لكن السودان المعاصر يحتاج إلى ما هو أبعد من الضحك
يحتاج إلى دولة تجعل من المطر مورداً يُدار ومن الأرض منتجاً يُحمى ومن السلام مشروعاً للتنمية ومن الموارد أساساً للمستقبل، حتى لا يأتي يوم تصبح فيه عبارة المريسة بقت رقيقة موية وصفاً ساخراً لبلد جفّت موارده، لا لعبار مريسة جفّ شرابها.




