غير مصنف

الأشياء لا تبقى كما هي


بقلم: أ. محمد المصطفى أوسكار*
Mohamedmustafa3243@yahoo.com
27 سبتمبر 2026


في السودان، تغيّرت أشياء كثيرة منذ اندلاع حرب الخامس عشر من أبريل، بيوت هُجرت، وأسر تفرقت، ومدن فقدت كثيراً من ملامحها، وملايين وجدوا أنفسهم أمام واقع جديد لم يختاروه، بل فُرض عليهم. وبينما تستمر الحرب، شكّلت حياتنا واقعاً جديداً، فكيف يمكن تحويل هذه التجربة المريرة إلى طريق يقود إلى السلام والاستقرار؟

فالحرب لا تغيّر الأرض وحدها، بل تغيّر الناس. فالبيت الذي كان مصدراً للأمان أصبح ذكرى، والشارع الذي اعتاد الناس المشي فيه صار طريقاً للنزوح، والأسر التي كانت تجتمع كل يوم أصبحت موزعة بين مدن ودول مختلفة.

ورغم قسوة هذه الحقيقة، يمكن أن تكون مدخلاً للتغيير. فإذا كانت الحرب قد استطاعت أن تغيّر حياة الناس بهذه السرعة، فإن السلام الحقيقي قادر أيضاً على إعادة تشكيل واقع أفضل.

فالسلام الحقيقي لا ينبغي أن يُختزل في وقف إطلاق النار، بل يعني عودة النازحين إلى قراهم، واللاجئين من دول اللجوء، وإعادة الحياة إلى البيوت والمدارس والمستشفيات.

ولبناء سلام حقيقي علينا جميعاً العمل على الآتي:

على الدولة أن تتحمل مسؤولية حماية المواطنين، وترسيخ سيادة القانون، وإعادة بناء مؤسسات الدولة والخدمات، وتهيئة الظروف لعودة النازحين واللاجئين بصورة آمنة وكريمة.

أما القوى السياسية، فعليها أن تتحاور وأن تنزل إلى الحد الأدنى باعتباره وسيلة للوصول إلى حلول، وأن تضع المصلحة الوطنية فوق الحسابات الحزبية والاستقطاب، وأن تسهم في بناء توافق سياسي يفتح الطريق أمام الاستقرار.

وعلى الإعلاميين والصحفيين مسؤولية لا تقل أهمية، فالكلمة في زمن الحرب يُحسب لها ألف حساب، قد تطيل أمد الحرب أو تقصّره، ولذلك فإن التحقق من المعلومات، ومقاومة الشائعات، والابتعاد عن خطاب الكراهية والتحريض، وإعطاء مساحة لأصوات الضحايا والمجتمعات المتضررة، كلها مسؤوليات مهنية ووطنية.

أما المجتمع المدني، فيمكنه أن يلعب دوراً مهماً في بناء جسور التواصل بين المجتمعات، ودعم مبادرات المصالحة المحلية، ومساعدة المتضررين، وفتح مساحات للحوار بين الشباب والنساء ومختلف المكونات الاجتماعية.

ويظل دور المثقفين والمفكرين مهماً في إعادة صياغة الخطاب العام؛ خطاب لا ينكر الاختلاف، لكنه يمنع تحويل الاختلاف إلى خصومة دائمة، ويعيد النقاش إلى أسئلة الدولة والمواطنة والعدالة والسلام.

كما أن رجال الدين والأئمة والدعاة أمام مسؤولية كبيرة في نشر خطاب يحرّم الدماء ويعزز التسامح، ويواجه الكراهية والتحريض، ويسهم في ترميم النسيج الاجتماعي الذي أضعفته الحرب.

ولا يمكن إغفال الأسر، فهي المؤسسة الأولى التي يتشكل داخلها وعي الجيل القادم. فإذا كانت الحرب قد تركت جروحاً عميقة، فإن مسؤولية الأسرة أن تمنع انتقال أحقادها إلى الأبناء، وأن تعلمهم احترام الآخر وقبول الاختلاف.

أما الشباب، وهم من أكثر الفئات تأثراً بالحرب، فيمكن أن يكونوا جزءاً أساسياً من عملية بناء السلام من خلال المبادرات المجتمعية، والحوار، والعمل التطوعي، والمشاركة في إعادة بناء المجتمعات المتضررة.

ويبقى المواطن هو نقطة البداية. فرفض الشائعة، وعدم نشر خطاب الكراهية، واحترام المختلف، والامتناع عن التحريض، كلها ممارسات تبدو بسيطة، لكنها تصنع فرقاً حقيقياً عندما تتحول إلى سلوك اجتماعي واسع.

إن السودان لا يحتاج إلى سلام يعيد عقارب الساعة إلى ما قبل الحرب فحسب، بل يحتاج إلى سلام يعالج جذور الأزمة ويمنع تكرارها. سلام يعيد الإنسان إلى بيته، والطفل إلى مدرسته، والأسرة إلى لمّتها، والنازح إلى أرضه، ويمنح المجتمع فرصة لاستعادة الثقة وبناء مستقبل مختلف.

لقد غيّرت الحرب حياتنا، لكن لا ينبغي أن نسمح لها بأن تحدد مستقبلنا.

فالأشياء لا تبقى كما هي.

وإذا كانت الحرب قد غيّرت السودان بهذا العمق، فإن مسؤوليتنا اليوم أن نجعل السلام قوة التغيير القادمة، تغييراً يبدأ من الفرد، ويمر عبر الأسرة والمجتمع والمؤسسات، وينتهي ببناء دولة أكثر استقراراً وقدرة على استيعاب اختلاف أبنائها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى