هل تتجه البراء بن مالك إلى الإسلام المدني أم تعيد تموضع الإسلام السياسي في السودان؟

من البندقية إلى المجتمع
هل تتجه البراء بن مالك إلى الإسلام المدني أم تعيد تموضع الإسلام السياسي في السودان؟
مركز الاستدامة للنتمية والاستنارة
م.عبد الله موسى أحمد – باحث
في السياسة، لا تكفي الكلمات لإثبات التحول، كما لا تكفي مغادرة الخندق لإثبات مغادرة الحرب.
فقد تعلن جماعة مسلحة انتقالها إلى العمل المدني، لكن السؤال الأكثر أهمية يبقى هو هل غادرت منطق السلاح فعلاً أم أنها تبحث عن موقع جديد داخل المجال العام؟
ومن هنا تكتسب خطوة كتائب البراء بن مالك وقائدها المصباح أبو زيد طلحة أهمية تتجاوز حدودها التنظيمية والعسكرية. فالإعلان عن الانتقال إلى العمل المدني وتأسيس ما عُرف بهيئة الإسناد المدني – سند، فتح باباً واسعاً للتساؤل حول مستقبل التيار الإسلامي السوداني وحول ما إذا كان هذا التيار بدأ يراجع علاقته بالحرب والسياسة والمجتمع أم أنه يحاول فقط الانتقال من الميدان العسكري إلى الميدان المدني مع الاحتفاظ بالعقل السياسي القديم.
وهنا تصبح التجربة التركية وما دار فيها من صراع بين الإسلام السياسي والإسلام المدني مدخلاً مهماً لفهم السؤال السوداني.
لكن المقارنة ليست تطابقاً بين التجربتين، فتركيا لها تاريخها السياسي والدستوري والاجتماعي المختلف والسودان يعيش حرباً مفتوحة منذ أبريل 2023. إنما تكمن أهمية المقارنة في سؤال واحد هو ماذا يحدث للحركات الإسلامية عندما تدرك أن القوة وحدها لا تستطيع أن تمنحها شرعية دائمة داخل المجتمع؟
عندما تتعب البندقية، في يوليو 2025 أعلنت قيادة البراء بن مالك التوجه نحو حصر دورها في العمل المدني وربطت ذلك بمتطلبات المرحلة الوطنية. وظهرت لاحقاً أنشطة خدمية منسوبة إلى الإسناد المدني التابع لها مثل تنظيف وتأهيل بعض المرافق.
لكن الإعلان لم ينهِ الجدل. فبعض المصادر تحدثت عن استمرار عناصر من الكتيبة في النشاط العسكري بينما اعتبر آخرون أن الإعلان يتعلق بمرحلة ما بعد الحرب وليس بانسحاب فوري من الجبهات.
وهنا يجب أن نكون أكثر دقة في قراءة المشهد. فالتحول من العمل العسكري إلى المدني ليس مجرد تغيير في الاسم أو إنشاء مؤسسة خدمية أو إعلامية. التحول الحقيقي له شروط واضحة وهو وقف النشاط المسلح، فك الارتباط بين التنظيم المدني والبنية العسكرية وتسليم السلاح أو إخضاعه للدولة وقبول قواعد التنافس السياسي السلمي والاعتراف بأن المجتمع ليس ملكاً لتيار أيديولوجي بعينه.
وبغير ذلك، يصبح الانتقال من الكتائب إلى الهيئة مجرد انتقال في الواجهة لا في جوهر الفكرة.
التحول من الإسلام السياسي إلى الإسلام الاجتماعي، وهنا نعود إلى الفكرة التي تناولها عالم الاجتماع التركي أوغور كوميتش أوغلو في دراسته حول الإسلاموية وما بعد الإسلاموية والإسلام المدني.
المشكلة، في جوهرها ليست في أن يكون الإنسان مسلماً أو متديناً وإنما في تحويل الدين إلى مشروع للسيطرة على الدولة والمجتمع.
الإسلام السياسي، في صيغته الأيديولوجية، ينظر إلى السلطة باعتبارها طريقاً لإعادة تشكيل المجتمع وفق تصور سياسي ديني محدد. أما الإسلام الاجتماعي أو المدني فينطلق من سؤال مختلف وهو كيف يستطيع المتدين أن يعيش إيمانه داخل مجتمع متنوع، دون أن يحول الدولة إلى أداة لفرض رؤيته على الآخرين؟
وهذا الفرق جوهري. فالإسلام المدني لا يسأل أولاً عن من يحكم؟
بل يسأل عن كيف يعيش الناس معاً؟
لا يبدأ من السيطرة على مؤسسات الدولة وإنما من بناء الإنسان والتعليم والخدمة الاجتماعية والعمل الأهلي والإغاثة والتنمية واحترام القانون والحريات والتعايش.
وهنا تحديداً يمكن أن يبدأ النقاش السوداني الجديد.
البراء بين السلاح والمجتمع، لقد ارتبط اسم البراء بن مالك بالحرب وبالمشاركة إلى جانب الجيش السوداني وأصبحت الكتيبة واحدة من أبرز التشكيلات الإسلامية المسلحة التي ظهرت خلال الحرب. كما أن قيادة المصباح أبو زيد طلحة أعلنت في مرحلة لاحقة أن القوتهم ذات طابع وطني وليست جزءاً من صراع أيديولوجي أو حزبي.
لكن المجتمع السوداني لا يحتاج إلى البيانات وحدها. إنه يحتاج إلى رؤية واضحة لما بعد الحرب.
فإذا كانت البراء تريد بالفعل الانتقال إلى المجتمع المدني، فإن أمامها فرصة تاريخية لإعادة تعريف نفسها من جماعة مقاتلة إلى قوة اجتماعية ومن خطاب التعبئة إلى خطاب الخدمة ومن منطق الخصومة إلى منطق المواطنة.
أما إذا كان الانتقال المدني مجرد وسيلة لتجاوز الضغوط الدولية والسياسية أو لإعادة توزيع عناصر التنظيم داخل مؤسسات الدولة فإن المشكلة ستعود بصورة أكثر تعقيداً.
وهذا تحديداً ما جعل إعلان التحول مثاراً للشكوك والجدل في الأوساط السياسية السودانية.
تركيا ليست السودان لكنها تقدم درساً
التجربة التركية تقدم درساً مهماً هنا.
فالصراع بين رجب طيب أردوغان وحركة فتح الله كولن لم يكن مجرد خلاف بين شخصين وإنما كشف في مرحلة من مراحله عن صراع أعمق حول النفوذ داخل الدولة والمجتمع وحول العلاقة بين الدين والسياسة والمؤسسات.
لكن حركة الخدمة نفسها قدمت نموذجاً مختلفاً في الخطاب والممارسة التعليم، الأعمال، الإعلام، المؤسسات الاجتماعية، والعمل المدني، بدلاً من تأسيس حزب سياسي يسعى مباشرة إلى احتكار السلطة.
ومهما اختلفت الآراء حول حركة كولن وتاريخها وأدوارها السياسية فإن الفكرة التي تستحق التأمل سودانياً هي أن التدين يستطيع أن يتحول إلى قوة اجتماعية من دون أن يتحول بالضرورة إلى مشروع للسيطرة على الدولة.
وهنا يظهر مفهوم ما بعد الإسلاموية. إنه لا يعني التخلي عن الإسلام وإنما التخلي عن الاعتقاد بأن الإسلام لا يكتمل إلا عندما يصبح حزباً أو سلطة أو جهازاً أمنياً أو مشروعاً للحكم. وهذا هو الاختبار الحقيقي أمام الإسلاميين السودانيين اليوم.
السؤال التركي في إسطنبول السودانية
تزداد أهمية هذا النقاش إذا أخذنا في الاعتبار وجود نشاط سوداني إسلامي وسياسي في تركيا ووجود قيادات وناشطين محسوبين على التيار الإسلامي السوداني في إسطنبول وغيرها.
وقد ظهرت في يوليو 2026 تقارير صحفية عن ترتيبات لاجتماع لقيادات وأجنحة من الحركة الإسلامية السودانية في إسطنبول لمناقشة مستقبل الحركة والصراع في السودان وهي معلومات ينبغي التعامل معها بوصفها تقارير إعلامية تحتاج إلى التحقق المستقل لا باعتبارها حقيقة نهائية.
وفي المقابل، فإن تركيا نفسها تستضيف أنشطة سودانية مدنية وإنسانية، ففي يوليو 2026 عقدت إسطنبول اجتماعاً بين مسؤولين سودانيين ومنظمات مجتمع مدني تركية لبحث الأوضاع الإنسانية وتنسيق جهود الإغاثة. وهذا التداخل يجعل تركيا فضاءً مهماً لفهم التحولات السودانية.
فالسؤال ليس فقط ماذا يفعل الإسلاميون السودانيون في تركيا؟ بل أي نموذج سيختارون؟ هل سيبقون أسرى نموذج الإسلام السياسي الذي يرى الدولة غنيمة تاريخية يجب استعادتها؟ أم ينتقلون إلى نموذج إسلام اجتماعي يقبل بالتعددية ويضع المجتمع قبل السلطة؟
من لمؤتمر الوطني إلى المجتمع الوطني
هذه هي النقطة الأكثر حساسية. فالسودان لا يحتاج بعد هذه الحرب إلى إعادة إنتاج الصراع القديم بأسماء جديدة. إذا خرج حزب المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية من الحرب إلى المجال السياسي فإن المطلوب ليس منع الأفراد من ممارسة حقوقهم السياسية لمجرد انتمائهم الفكري وإنما إخضاع الجميع لقاعدة واحدة لا عودة إلى السياسة عبر السلاح ولا عبر أجهزة الدولة ولا عبر التنظيمات السرية ولا عبر استغلال الدين لاحتكار الوطنية.
الدولة المدنية لا تعني دولة معادية للدين.
كما أن الدولة المتدينة في وجدان مجتمعها لا تعني بالضرورة دولة دينية. الفاصل الحقيقي هو المواطنة. المواطن المسلم والمسيحي واللاديني، العربي والأفريقي، الإسلامي والعلماني، يجب أن يكونوا متساوين أمام القانون.
ومن هنا فإن الإسلام الاجتماعي إذا أراد التيار الإسلامي السوداني أن يتبناه بصدق يستطيع أن يجد لنفسه مساحة واسعة في السودان في التعليم، والصحة، والإغاثة، والتنمية، ومكافحة الفقر، ورعاية الأيتام، وإعادة إعمار المدن، والمصالحة المجتمعية. وهنا يمكن للدين أن يصبح قوة أخلاقية واجتماعية، لا أداة للاستقطاب السياسي.
لماذا قد تتراجع الكتائب عن الواجهة العسكرية؟
يمكن قراءة التحول المعلن من عدة زوايا ولا يصح اختزاله في تفسير واحد.
أولاً تغير طبيعة الحرب، فالمجتمع الذي أنهكته المعارك يحتاج إلى الخدمات أكثر مما يحتاج إلى الشعارات.
ثانياً الحاجة إلى إعادة التموضع السياسي، إذ إن استمرار وجود تشكيلات مسلحة خارج البنية الرسمية للدولة يطرح أسئلة صعبة حول مستقبل الدولة واحتكارها للسلاح.
ثالثاً الضغوط الدولية فقد أشارت تنسيقية مهنية سودانية في يونيو 2026 إلى قرار أمريكي بتصنيف الحركة الإسلامية والبراء بن مالك ضمن التنظيمات الإرهابية وهو موقف سياسي وقانوني شديد الأهمية في حسابات أي تنظيم يريد العمل خارجياً.
رابعاً الحاجة إلى اكتساب شرعية اجتماعية.
فالمقاتل يستطيع أن يفرض وجوده في ساحة المعركة لكنه لا يستطيع أن يفرض احترام المجتمع إلى الأبد بالسلاح.
الشرعية المستدامة تُبنى في المدرسة والمستشفى والجامعة والشارع ومؤسسات العدالة، لا في الخنادق وحدها.
من القوة الخشنة إلى القوة الناعمة وهنا تلتقي التجربة السودانية مع مفهوم الإسلام المدني. فالعمل المدني ليس أقل أهمية من العمل العسكري لكنه يعمل بمنطق مختلف تماماً. البندقية تستطيع أن تسيطر على مساحة. أما التعليم فيستطيع أن يغير جيلاً. السلاح يستطيع أن يفرض الصمت.
أما المعرفة فتستطيع أن تصنع الاقتناع.
القوة العسكرية قد تحقق انتصاراً مؤقتاً، بينما العمل الاجتماعي يستطيع بناء نفوذ طويل المدى.
ولهذا فإن انتقال البراء بن مالك إلى العمل المدني إذا كان حقيقياً، يمكن أن يكون أكثر أهمية من مشاركتها في المعارك نفسها.
لكن بشرط واحد وهو أن يكون انتقالاً من ثقافة السلاح إلى ثقافة المجتمع وليس من البندقية إلى السياسة عبر بوابة الخدمات.
الاختبار الأصعب هو هل يقبل الإسلاميون بالديمقراطية عندما لا يفوزون؟ هذه هي المسألة التي ظلت تؤرق تجارب الإسلام السياسي في المنطقة. ليس الاختبار أن تقول إنك تؤمن بالديمقراطية عندما تمنحك السلطة.
فالاختبار الحقيقي هو هل تقبل الديمقراطية عندما يخسر حزبك الانتخابات؟ وهل تقبل المعارضة؟ وهل تقبل تداول السلطة؟ وهل تقبل استقلال القضاء؟ وهل تقبل الصحافة التي تنتقدك؟
وهل تقبل أن يحكمك قانون لا تستطيع تغييره لمجرد أنك تملك الأغلبية؟ وهل تقبل أن يكون خصمك السياسي وطنياً مثلك، حتى لو اختلف معك في الدين والفكر؟ إذا كانت الإجابة نعم، فإننا نكون أمام بداية حقيقية لما يمكن تسميته الإسلام الاجتماعي أو ما بعد الإسلاموية.
أما إذا بقي الهدف النهائي هو السيطرة على الدولة، فإن تغيير الملابس السياسية لن يغير جوهر المشروع.
السودان أمام فرصة تاريخية، الحرب الحالية، رغم كارثيتها وضعت جميع القوى السودانية أمام مرآة قاسية.
الجيش اكتشف حدود القوة العسكرية.
والقوى السياسية اكتشفت كلفة الانقسام.
والإسلاميون اكتشفوا أن العودة إلى السلطة عبر البندقية ستجعلهم جزءاً من الأزمة لا جزءاً من الحل.
والقوى المدنية اكتشفت أن الديمقراطية لا تستطيع أن تعيش بلا تنظيم اجتماعي واسع قادر على حماية مؤسساتها.
لذلك فإن السودان يحتاج إلى عقد اجتماعي جديد لا إلى تسوية مؤقتة بين النخب. وفي هذا العقد يجب أن تكون القاعدة بسيطة فية ان الدين للمجتمع والسياسة للمواطنين والدولة للجميع.
ليس المقصود إبعاد المتدينين عن السياسة، فهذا غير ديمقراطي وإنما منع أي جماعة من احتكار الحديث باسم الدين أو الوطن.
هل يطفئ المصباح البندقية؟ ربما يكون السؤال الحقيقي اليوم ليس هو لماذا تراجعت البراء بن مالك عن السلاح؟
بل ماذا ستفعل بعد السلاح؟ إذا تحولت تجربة المصباح أبو زيد طلحة ورفاقه من القوة العسكرية إلى خدمة المجتمع ومن التعبئة إلى البناء ومن التنظيم المغلق إلى المؤسسة المدنية المفتوحة، فقد نكون أمام بداية مراجعة فكرية مهمة داخل التيار الإسلامي السوداني.
أما إذا كان التحول مجرد إعادة تموضع وانتقالاً من الواجهة العسكرية إلى واجهة مدنية مع بقاء البنية والأهداف وآليات السيطرة كما هي، فلن يكون السودان قد تجاوز الإسلام السياسي، بل سيكون الإسلام السياسي قد غيّر ثيابه فقط.
وهنا تكمن قيمة الدرس التركي.
الإسلام المدني ليس إسلاماً أقل تديناً وإنما تديناً أقل رغبة في احتكار الدولة.
وما بعد الإسلاموية ليست خروجاً من الدين، بل خروجاً من فكرة أن الدين لا يكتمل إلا بالسلطة.
أما السودان، بعد كل هذا الدم، فلا يحتاج إلى إسلام يحكمه ولا إلى علمانية تحارب دينه بل يحتاج إلى دولة تحترم دين مواطنيها وتحمي حريتهم وتساوي بينهم وتمنع السلاح من أن يتحول إلى طريق للسلطة.
فإذا أرادت البراء بن مالك أن تدخل المستقبل، فإن الطريق الحقيقي ليس من البندقية إلى الهيئة وإنما من ثقافة الحرب إلى ثقافة المواطنة.
وهناك فقط يمكن أن يتحول المصباح من رمز لمقاتل في الحرب إلى رمز لخدمة مجتمع أنهكته الحرب.




