من علّم الذين يحكمون؟

كتب أديب شقيفة
تُروى عبارة جميلة منسوبة إلى أنجيلا ميركل، وإن كانت نسبتها التاريخية غير موثقة، حين طالب قضاة بمساواة رواتبهم برواتب المعلمين، فقيل لهم:
$كيف أساويكم بمن علّموكم؟$
قد لا تكون الحكاية قد وقعت بهذه الصورة، لكن معناها يستحق أن نقف عنده طويلًا.
فمن علّم القاضي قراءة القانون؟
ومن علّم الطبيب أول حرفٍ في وصفة العلاج؟
ومن وضع القلم في يد المهندس قبل أن يمسك أدوات البناء؟
ومن علّم المسؤول أن يكتب اسمه قبل أن يكتب القرارات؟
إنه المعلم.
في السودان، يمضي المعلم إلى فصله في ظروفٍ يعرفها الجميع، يحمل طبشورته وكتبه، ويقف أمام جيلٍ كامل، بينما تقف خلفه أسرةٌ تنتظر راتبًا قد يتأخر، واحتياجاتٌ لا تنتظر.
ومع ذلك… يواصل.
لأن المعلم الحقيقي لا يدخل الفصل بحثًا عن وظيفة فقط؛ بل يدخل وفي يده مستقبل وطن.
المشكلة ليست أن راتب المعلم أقل من غيره فحسب؛ المشكلة حين يصبح المجتمع قادرًا على دفع ثمن كل شيء، إلا ثمن الإنسان الذي يصنع كل شيء.
نحن لا نطالب بوضع المعلم فوق القاضي، ولا تحت الطبيب، ولا مقابل المهندس؛ فالمهن لا تُقاس بهذه الطريقة.
لكننا نطالب بشيء أبسط وأعمق:
أن يكون تقدير المعلم متناسبًا مع قيمة رسالته.
فالدولة التي تهمل معلمها، قد تبني مبانيَ جميلة، لكنها تترك داخلها جيلًا بلا أدوات.
أما الدولة التي تكرّم معلمها، فهي لا تنفق على راتب موظف؛ بل تستثمر في عقل أمة.
ولهذا أقول:
إذا أردت أن تعرف مستقبل السودان، فلا تنظر فقط إلى مَن يجلسون في مكاتب القرار… انظر إلى مَن يقفون الآن أمام السبورة.
فربما كان بينهم، اليوم،
القاضي الذي سيحكم غدًا، والطبيب الذي سينقذ غدًا، والمسؤول الذي سيقود غدًا، والوطن الذي نحلم به جميعًا.
دعم المعلم ليس مِنّة…
إنه وفاءٌ لمن علّمنا كيف نصنع المستقبل…




