الترقب النفعي في حال حرب السودان

بقلم: آدم حسن
في التراث الشعبي والأدبي، ليست الطُرَف والمواقف الضاحكة مجرد أدوات للتسلية وإزاحة العناء، بل هي في جوهرها مِرآة صقيلة تعكس أعماق النفس البشرية في أسوأ تجلياتها؛ عندما يُعميها الطمع، وتُعطّل فيها الإنسانية لصالح الحسابات الضيقة.
تستحضرني قصة البخيل الشهيرة في التراث العربي، ذلك الرجل الذي فُجع بموت ابنه الصغير، فلما أقبل عليه الناس يعزونه ويواسرنه في مصابه، وجدوه يبكي بحرقة لا على الفقد والغياب، بل على “النفقة” التي ذهبت سدىً! كان يتحسر لأن الولد مات قبل أن يستثمر فيه وقبل أن يرد له ما أنفقه عليه من طعام وكساء. ولما حاول أحد الحاضرين أن يمازحه ليرفّه عنه، زجره البخيل قائلاً: “دع الضحك الذي لا خير فيه.. ولا تضحكني في هذا الميتم!”؛ خوفاً من أن تفوته هيبة الحزن، أو تضيع عليه مكاسب الوقار في مجلس عزاء هو في أصله محاكمة مالية!
وفي موروثنا الشعبي السوداني، تكتمل اللوحة بطرفة الأخوين اللذين وقفا يراقبان أباهما وهو يخوض معركة دموية شرسة مع ثور هائج. وبدلاً من أن تفزع قلوبهما أو يهرعا لنجدة أبيهما، وقف أحدهما يحلل المشهد ببرود نفعي مطلق قائلاً لأخيه: “اليوم أبوي كان كتل التور.. بناكل لحم! وكان التور كتل أبوي.. برضه بناكل لحم!”.
إن هاتين القصتين، رغم فارق الزمان والمكان، تختزلان مأساة واحدة: سقوط القيمة الإنسانية أمام طمع المنفعة الخاصة.
واليوم، ونحن نراقب المشهد المعقد والمدمر للحرب في سوداننا الحبيب، نجد أن هاتين الشخصيتين لم تعد مجرد حكايات تُحكى في كتب الأدب أو مجالس الأنس، بل تحولتا إلى واقع حقيقي تجسّده شريحة الارتزاقيين وتجار الحروب.
المواطن السوداني البسيط اليوم هو ذلك “الأب” المجهد الذي يصارع الثور الهائج ليل نهار؛ يصارع من أجل جلب قوت يومه، وحماية أطفاله، والبقاء على قيد الحياة وسط القصف والنزوح وغياب الأمن. إنه يخوض معركة بقاء فرضت عليه ولا خيار له فيها.
وفي المقابل، يقف الارتزاقيون والمتاجرون بدماء الشعوب موقف “الأخوين” عند حلبة المصارعة؛ لا يعنيهم من يعيش ومن يموت، ولا يقلقهم خراب الديار ولا انقطاع أرزاق الناس، بل إن كل حساباتهم تلخصها المقولة النفعية ذاتها: إن انتصر هذا الطرف غنمنا، وإن سقط الوطن بأكمله أكلنا من جثثه ومقدراته وتجارة أزماته!
بل إن هؤلاء يمارسون نفاق البخيل ذاته؛ يتاجرون بالشعارات المرفوعة والمآتم المفتوحة، ويرتدون مسوح الحزن على الوطن أمام الكاميرات، بينما هم في الغرف المغلقة يحسبون أرباحهم من طول أمد الحرب، ويرددون في سرهم لمن يطالبهم بوقف نزيف الدم: “لا تضحكني في هذا الميتم!”.. لأن الميتم بالنسبة لهم أصبح سوقاً مربحة ومصدر رزق.
إن الفاجعة الكبرى في الحروب لا تكمن فقط في دمار البنية التحتية أو السلاح الذي يقتل، بل في ظهور هذه الطبقة من الارتزاقيين الذين جردوا الصراع من أي بعد أخلاقي، وتحولوا إلى مشاهدين نفعيين يترقبون “اللحم” على مائدة المصائب، بينما يتكفل المواطن البسيط بدفع الفاتورة كاملة من دمه وقوته ومستقبل أبنائه.




