بنك المجتمعات الصغيرة: كيف ينقذ نظام VSLA الأسر في دارفور وكردفان؟

بقلم: آدم حسن
عندما تتوقف البنوك وتغلق الصرافات أبوابها بسبب الحروب والأزمات، يبدو للوهلة الأولى أن الحركة الاقتصادية قد توقفت تماماً. لكن الحقيقة أن المجتمعات المحلية تمتلك قوة هائلة إذا ما نظمت مدخراتها البسيطة.
هنا يأتي دور جمعيات الادخار والإقراض القروية (VSLA)—وهو نظام بسيط أثبت نجاحه عالمياً وتدعم تطبيقه وتطويره المنظمات العاملة في قطاع التنمية. هذا النظام ليس مجرد “صندوق” لجمع المال، بل هو “بنك مصغر” يملكه ويقوده الجيران وأبناء الحي الواحد بطريقة مضمونة وآمنة.
كيف يعمل النظام ببساطة؟ (فكرة “الصندوق الحديدي والمفاتيح الثلاثة”)
تخيل أن 20 شخصاً من الجيران في قرية أو مركز نزوح في دارفور أو كردفان قرروا الاندماج في مجموعة واحدة. لا يحتاجون للبنوك ولا للأوراق المعقدة، بل يتفقون على الآتي:
- الاجتماع الأسبوعي: يلتقي أعضاء المجموعة مرة كل أسبوع تحت شجرة أو في مركز مجتمعي.
- شراء الأسهم (الادخار): يضع كل عضو مبلغاً بسيطاً جداً يسمى “سهم” (مثلاً: 1,000 أو 2,000 جنيه سوداني). يمكن للعضو شراء من سهم إلى 5 أسهم كل أسبوع حسب قدرته.
- دفتر الحسابات: يمتلك كل عضو دفتراً صغيراً يُختم فيه عدد الأسهم التي اشتراها كل أسبوع لضمان حقه.
- الأمان المطلق: تُوضع كل الأموال في صندوق حديدي له 3 أقفال مختلفة. ويُسلم كل قفل لثلاثة أشخاص مختلفين يتم اختيارهم بالأمانة. لا يمكن فتح الصندوق إلا في الاجتماع الأسبوعي وأمام جميع الأعضاء!
كيف يستفيد الأعضاء من الأموال؟ (أمثلة واقعية)
الأموال المجمعة في الصندوق لا تظل مجمدة، بل تُقسم إلى نوعين من الدعم للمجتمع:
- القروض الصغيرة لتشغيل المشاريع (الاستثمار)
بعد شهرين أو ثلاثة من الادخار، يصبح في الصندوق مبلغ محترم. يتقدم الأعضاء الذين يحتاجون إلى المال لشراء مستلزمات عمل بطلب قروض صغيرة تُسدد خلال 1 إلى 3 أشهر بفائدة بسيطة جداً يحددها الأعضاء أنفسهم.
مثال واقعي من دارفور:
آمنة (نازحة في معسكر مع جيرانها): تقدمت بطلب قرض بقيمة مدخرات الصندوق لشراء غوالين زيت وكراتين صابون لفتح دكان صغير في المعسكر. بعد شهرين، باعت البضاعة، وأعادت مبلغ القرض مع الفائدة للصندوق، وحققت ربحاً صافياً أعالت به أسرتها واشترت به أسهماً جديدة في الجمعية.مثال واقعي من كردفان:
إبراهيم (مزارع بصل): اقترض من الصندوق في بداية موسم الزراعة لشراء بذور ومحروقات لطلمبة المياه. عند حصاد المحصول وبيعه في السوق المحلي، سدد القرض ورأس المال، وتجنب اللجوء إلى التجار الذين يفرضون شروطاً قاسية.
- صندوق الطوارئ الاجتماعي (التكافل)
بجانب ادخار الأسهم، يدفع كل عضو مبلغاً رمزياً ثابتاً (مثلاً: 200 جنيه أسبوعياً) يوضع في كيس منفصل داخل الصندوق يُسمى “صندوق المساعدة”.
- طريقة عمله: لا تُرد هذه الأموال، بل تُعطى كمنحة أو مساعدة مجانية لأي عضو يواجه ظرفاً طارئاً (حالة ولادة، علاج مفاجئ، أو وفاة).
نهاية الدورة: توزيع الأرباح (يوم الفرح المجتمعي)
تستمر الجمعية لمدة 9 إلى 12 شهراً (تسمى دورة كاملة). وفي نهاية الدورة: - يُفتح الصندوق وتُحسب جميع الأموال فيه (المدخرات + أرباح الفوائد من القروض).
- يُوزع المال على الأعضاء، بحيث يأخذ كل شخص مدخراته كاملة بالإضافة إلى نصيبه من الأرباح بحسب عدد الأسهم التي اشتراها طوال السنة.
- تبدأ دورة جديدة لمن يرغب في الاستمرار.
لماذا يعتبر نظام VSLA الحل الأمثل لإقليما دارفور وكردفان حالياً؟ - لا يحتاج إلى الكهرباء أو الإنترنت: يعمل كلياً بالأوراق والدفاتر والصندوق الحديدي.
- يحل أزمة السيولة: يجمع الأموال المشتتة بين الأيدي ويضعها في حركة تجارية داخل الحي أو القرية.
- يبني الثقة بين المجتمع: يقرّب بين النازحين والسكان المحليين، فتقوم العلاقات على التعاون التجاري والإنساني.
- يحفظ كرامة الناس: بدلاً من انتظار المساعدات الخارجية، يصبح المجتمع قادراً على تمويل احتياجاته بنفسه.
إن دعم المنظمات العاملة في قطاع التنمية وشركائها لهذا النموذج وتدريب المجتمعات في كردفان ودارفور على إدارته، هو الخطة الأكثر عمليّة لتحويل مجتمعاتنا من مرحلة المعاناة وانتظار الدعم، إلى مرحلة الإنتاج والاعتماد على الذات.




