مقالات

فشل مبادرات السلامالسودان ايها ما اجدى التفاوض أم استمرار الحرب؟

مركز الاستدامة للتنمية والاستينارة
عبدالله موسى احمد

في السودان لم تعد المشكلة تكمن في غياب طاولات التفاوض ولكنه في كثرة طاولات التفاوض وقلة الإرادة السياسية. فمنذ اندلاع حرب 15 أبريل 2023 لم يتوقف الوسطاء عن إطلاق المبادرات ولم تتوقف الأطراف المتحاربة عن إعلان الاستعداد للحوار ومع ذلك استمرت الحرب في التهام المدن والقرى والاقتصاد والإنسان السوداني.


السؤال الذي يفرض نفسه بقوة اليوم ليس لماذا تأخر السلام؟ لكنه هل كانت بعض مسارات التفاوض تسعى فعلاً إلى إنهاء الحرب أم أنها تحولت إلى أدوات لإدارتها وإطالة أمدها؟
فالتاريخ يعلمنا أن التفاوض يمكن أن يكون جسراً نحو السلام لكنه قد يتحول أيضاً إلى ستار سياسي يمنح المتحاربين الوقت لإعادة ترتيب صفوفهم ويمنح الوسطاء فرصة لحماية مصالحهم أكثر من حماية الشعوب المنكوبة.
التفاوض بين النظرية والواقع ففي الأدبيات السياسية يُنظر إلى التفاوض باعتباره أعلى درجات العقلانية السياسية حيث تجلس الأطراف المتنازعة للبحث عن حلول وسط تنهي الصراع وتؤسس لاستقرار دائم. لكن هذه الصورة المثالية تصطدم غالباً بواقع أكثر قسوة.


فالأطراف المتحاربة لا تذهب إلى طاولة التفاوض حباً في السلام وإنما عندما تقتنع بأن كلفة الحرب أصبحت أعلى من كلفة التسوية. وما دام أي طرف يعتقد أن بإمكانه تحقيق مكاسب إضافية في الميدان فإن التفاوض بالنسبة له يصبح مجرد محطة تكتيكية لا أكثر. وهنا تكمن إحدى المعضلات الأساسية في الحرب السودانية. إذ لم تصل الأطراف المختلفة خلال مراحل عديدة من الصراع إلى قناعة كاملة بأن الحسم العسكري مستحيل. ولذلك ظلت جولات التفاوض تدور في حلقة مغلقة وبينما تستمر المعارك على الأرض بوتيرة متفاوتة.


ان الوسطاء ليسوا ملائكة ومن أكثر الأوهام شيوعاً في عالم السياسة الاعتقاد بأن الوسطاء يقفون على مسافة واحدة من جميع الأطراف. فالوسيط مهما أعلن حياده فانه يتحرك داخل شبكة معقدة من المصالح الأمنية والاقتصادية والاستراتيجية.
في السودان تعددت المنابر وتعدد الوسطاء لكن تعدد الوسطاء لم يؤدِ بالضرورة إلى تعدد الحلول. بل إن تضارب الأجندات الإقليمية والدولية أضعف أحياناً فرص الوصول إلى رؤية موحدة لإنهاء الحرب.


فبعض القوى تنظر إلى السودان من زاوية أمن البحر الأحمر وأخرى من زاوية التنافس الجيوسياسي وثالثة من زاوية النفوذ الاقتصادي أو إدارة ملفات الهجرة واللجوء. وفي ظل هذه الحسابات يصبح السلام هدفاً مشتركاً في الخطاب لكنه يختلف في التفاصيل والتوقيت والأولويات.


ولهذا فإن السؤال الذي يجب أن يطرحه السودانيون ليس فقط ماذا يريد المتحاربون؟ لكنه أيضاً ماذا يريد الوسطاء؟
عندما يصبح التفاوض جزءاً من المشكلة فان أخطر ما يمكن أن يحدث في أي نزاع هو أن يتحول التفاوض من وسيلة للحل إلى جزء من الأزمة نفسها.


فعندما تتكاثر المبادرات دون نتائج ملموسة وعندما تتحول الاجتماعات إلى مناسبات دبلوماسية متكررة لا تغير شيئاً على الأرض يفقد الناس الثقة في العملية السياسية برمتها. في هذه اللحظة يصبح التفاوض أشبه بمسرح كبير تتكرر فيه الخطب والبيانات وبينما تستمر معاناة المدنيين وتزداد فاتورة الحرب البشرية والاقتصادية والاجتماعية.


وهذا ما يفسر حالة الإحباط المتزايدة لدى قطاعات واسعة من السودانيين الذين باتوا ينظرون إلى بعض جولات التفاوض باعتبارها جزءاً من مشهد الأزمة لا جزءاً من الحل.
ان الاقتصاد المنهار يفاوض أيضاً له اثر كبير.
فالحروب لا تُدار بالسلاح وحده لكن بالمال كذلك.
ومنذ اندلاع الحرب تعرض الاقتصاد السوداني لضربات غير مسبوقة فقد تعطلت سلاسل الإنتاج وتراجعت التجارة وتآكلت القوة الشرائية للمواطنين واتسعت دوائر الفقر والنزوح.


ومع ذلك فإن اقتصاد الحرب نفسه خلق مصالح جديدة لبعض المستفيدين من استمرار الصراع سواء عبر السيطرة على الموارد أو شبكات التجارة غير الرسمية أو النفوذ المحلي. وهنا تظهر مفارقة خطيرة إذ إن بعض الأطراف قد تجد في استمرار الحرب مكاسب آنية تفوق ما تتوقعه من السلام وهو ما يجعل التفاوض أكثر تعقيداً من مجرد اتفاق سياسي أو عسكري.
ان المجتمعات تدفع الثمن الأكبر من الحرب وبينما يتجادل الساسة ويتنقل الوسطاء بين العواصم ويدفع المجتمع السوداني الثمن الأكبر.


فالحرب لا تدمر البنية التحتية فقط لكنها تدمر الثقة بين الناس وتعيد إنتاج الانقسامات وتغذي خطاب الكراهية وتزرع جراحاً قد تستغرق سنوات طويلة للشفاء. ولهذا فإن أي اتفاق لا يتجاوز حدود تقاسم السلطة ووقف إطلاق النار سيبقى هشاً وقابلاً للانهيار.
والسلام الحقيقي يبدأ عندما يشعر المواطن العادي بأن الدولة تحميه وأن العدالة تطبق على الجميع، وأن المستقبل لم يعد رهينة للبندقية.


فالسودان أمام لحظة الحقيقة وبعد أكثر من ثلاث سنوات من الحرب تبدو الحقيقة أكثر وضوحاً من أي وقت مضى حيث لا يوجد منتصر حقيقي في هذا الصراع. فالخسائر التي تكبدها السودان أكبر من أن يعوضها أي انتصار عسكري والدمار الذي أصاب الاقتصاد والمجتمع والدولة يجعل من استمرار الحرب مشروعاً لخسارة جماعية.


ومن هنا فإن التحدي لم يعد في عقد جولة تفاوض جديدة أو إصدار بيان جديد بل في امتلاك الشجاعة السياسية اللازمة للاعتراف بأن السودان لن يخرج من أزمته إلا عبر تسوية وطنية شاملة تعالج جذور المشكلة لا أعراضها.

كشفة الحرب السودانية بوضوح أن السلام لا يُصنع بكثرة المؤتمرات ولا بعدد الوسطاء وإنما بوجود إرادة سياسية حقيقية تضع مصلحة الوطن فوق حسابات السلطة والنفوذ. فالتفاوض ليس غاية في حد ذاته لكنه وسيلة لإنهاء الحرب وبناء دولة قابلة للحياة.


وإذا كانت الحرب قد أثبتت حدود القوة العسكرية فإن المرحلة المقبلة ستختبر حدود الحكمة السياسية. فإما أن يتحول التفاوض إلى مشروع وطني لإنقاذ السودان وإما أن يبقى مجرد عنوان دبلوماسي لحرب مستمرة بأشكال مختلفة. وعندها لن يكون السؤال من ربح الحرب لكنه سيكون ماذا بقي من الوطن بعد كل هذه الخسائر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى