أخبار

المهدي: لابد من إيقاف الحرب وتشكيل حكومة مدنية..

الجاسر : وكالات

دعا الأمير عبدالرحمن الصادق المهدي القوى الممانعة للحوار إلى الاستجابة لما وصفه بنداء الوطن، والمشاركة في الحوار السوداني–السوداني، مؤكداً أن استمرار الحرب لم يعد خياراً، وأن السلام، رغم كلفته وتضحياته، يظل أقل كلفة من استمرار النزاع.وفي جلسة حوارية مع عدد من الصحفيين بمنزله في أم درمان، تحدث المهدي عن ضرورة تقديم تنازلات من أجل الوطن، والابتعاد عن الارتهان للمحاور والقوى الخارجية، كما دعا إلى حوار شامل لا يستثني أحداً، ورأى أن الصيغ والتحالفات السياسية القديمة انتهت عملياً بعد اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023، وأن المرحلة المقبلة تتطلب رؤية سودانية جديدة تقوم على وقف الحرب وبناء حكم مدني ديمقراطي وسلام مستدام.

كيف تنظرون إلى الحوار السوداني–السوداني؟

أنا من وجهة نظري أرى أن البلاد وصلت إلى مرحلة لا بد فيها من الوصول إلى السلام وإنهاء الحرب، هذه الحرب أفقدت السودان الكثير، بل أفقدته أشياءً لا يمكن تعويضها بسهولة، ولذلك لا بد من الجلوس إلى طاولة الحوار والتفاوض للوصول إلى سلام دائم، وأدعو القوى الممانعة للحوار إلى الاستجابة لنداء الوطن والمشاركة في الحوار السوداني–السوداني بالداخل، لأن استمرار الحرب لن يقود إلا إلى مزيد من الخسائر، وعلينا أيضاً ألا نرتهن للقوى الخارجية، فهي مهما أبدت من اهتمام بالسودان، فإنها تنظر في المقام الأول إلى مصالحها، ولا يمكن أن تكون على دراية كاملة بكل ما يدور داخل السودان وتعقيدات مجتمعه وأزمته.

هل تعتقدون أن الوصول إلى السلام يتطلب تقديم تنازلات؟

بالتأكيد، فكما أن للحرب ثمناً، فإن للسلام أيضاً ثمناً والوصول إلى السلام يتطلب تنازلات من الجميع من أجل مصلحة الوطن، فالسودان دفع ثمناً باهظاً، وهناك شهداء وجرحى وأمهات فقدن أبناءهن وأرامل وأيتام ومرارات كثيرة، ولذلك لا بد من التعامل مع هذه القضايا بالعدل، مع الحفاظ على حقوق الناس، والحقوق الخاصة هي حقوق لا يمكن تجاوزها، ويجب مناقشتها ومعالجتها في إطار عادل، لكن في المقابل علينا ألا نسمح للغضب والرغبة في الانتقام بأن يقودانا إلى تدمير البلد أكثر، والامام المهدي لديه مقولة راسخة ( من فش غبينته خربت مدينته)..

لماذا فشلت التجارب السابقة للحوار في تقديركم؟

من أسباب فشل التجارب السابقة أنها استثنت بعض القوى الفاعلة في المجتمع السوداني، ولذلك لم تحقق أغراضها، وبعد اندلاع الحرب جرت محاولات عديدة، بدءاً من مفاوضات جدة التي كانت بجهود إيجابية من المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة، ووصلت إلى بعض التفاهمات، لكن الطرف الآخر لم يستجب بصورة تقود إلى إنهاء الأزمة، بعد ذلك تعددت المنصات والمبادرات، وجاءت الآليات الثلاثية والخماسية وغيرها من الجهود الدولية، وكلها كانت تهدف إلى استقرار السودان وتحقيق السلام، لكنها لم تصل إلى ما يتطلع إليه الشعب السوداني،وأعتقد أن السودانيين بدأوا يدركون الآن أن الحل لا بد أن يكون من الداخل، وأن تكون هناك ملكية سودانية للفكرة والحل، لأن أهل السودان هم الأقدر على فهم مشكلاتهم وتقريب وجهات النظر بينهم.

كيف تقيمون عمل اللجنة التيسيرية للحوار السوداني–السوداني؟

أعتقد أن اللجنة برئاسة البروفيسور قاسم بدري مشهود لها، وقد ظلت تجتهد وتعمل بأساليب محايدة، ويمكن أن تحقق اختراقات مهمة، وهذه المجموعة تداعت بوسائل ذاتية وطرحت أفكارها، واستطاعت أن تعرض رؤيتها على ولاة الأمر، فوجدت الاستجابة. ومن هذا المنطلق نحن مستعدون لدعمها والمساهمة في إنجاح مهمتها، وما يميز هذه المبادرة أنها جهة محايدة، وليست هناك جهة تملي عليها ما تفعل أو تدفعها في اتجاه معين هناك نشاط ذاتي وأفكار سودانية، وهذا أمر مهم.

ما المطلوب لإنجاح الحوار ؟

يقع على عاتقنا نحن والإعلاميين، دوراً كبيراً في قيادة ثورة تنوير للرأي العام، واستقطاب الدعم لفكرة السلام والحوار، والشعب السوداني ظل يعيش في حزن وألم ومرارات كثيرة، وهو يحتاج إلى مفاهيم مختلفة تساعد على تهيئة المناخ من أجل الوطن.لا يمكن أن نواصل الحديث بلغة الانتقام أو «فش الغبائن»، لأن الاستماع إلى هذه الدعوات يمكن أن يدمر البلد أكثر. نحن في حاجة إلى خطاب يساعد الناس على تجاوز الألم دون تجاهل حقوقهم.

تحدثتم عن آثار غير مرئية للحرب، ماذا تقصدون بذلك؟

الحرب لم تخلف فقط قتلى وجرحى ودماراً مادياً، بل خلفت أشياء غير مرئية ربما تكون آثارها أخطر في المستقبل، فهناك التشريد، وتغير السلوكيات، وانتشار بعض الظواهر التي لم يألفها المجتمع السوداني، ومنها لجوء بعض الشباب إلى المخدرات وسلوكيات سالبة أخرى ،وهناك أيضاً خسائر اجتماعية ونفسية ومادية لا تظهر بصورة مباشرة، لكنها يمكن أن تؤثر على حاضر السودان ومستقبله، وإذا استمر الغضب والرغبة في الانتقام، فقد نصل إلى مرحلة من السيولة الأمنية يصعب احتواؤها، ولذلك أكرر أن الحرب ثمنها غالٍ، والسلام أيضاً يحتاج إلى ثمن وتنازلات وتفاهم.

كيف تقيمون موقف القوى السياسية خلال فترة الحرب؟

أعتقد أن بعض القوى السياسية تقاعست عن أداء واجبها، وبعضها غادر البلاد، بينما كان المطلوب مواجهة الموقف بكل ما يمكن من جهد من أجل تحقيق أهداف الشعب وخدمته.

هناك من اختار الحياد، وهناك من انضم إلى الطرف الآخر، وهناك من ظل متفرجاً،لكن في المقابل ظهرت قوى جديدة في الميدان سيكون لها أثر في مقبل الأيام، مثل لجان المقاومة والطرق الصوفية وغيرها من القوى المجتمعية التي أصبح لها دور خدمي ومجتمعي وسياسي هذه القوى أسهمت بدرجات مختلفة في تثبيت أركان المجتمع والدولة، ولذلك يجب أن تكون جزءاً من التفكير في مستقبل السودان.

هل تعتقدون أن الصيغ السياسية القديمة ما زالت صالحة لمرحلة ما بعد الحرب؟

لا، من المهم جداً أن نتخلى عن الصيغ القديمة،بعد 15 أبريل تغير الواقع السوداني بصورة كبيرة، وبالنسبة لي، لا يهم كثيراً موقف أي جهة قبل 15 أبريل بقدر ما يهم موقفها بعد اندلاع الحرب، ىيجب أن يكون هناك تحالف جديد بين الذين وقفوا دفاعاً عن البلد وعن الشعب، ونحن الآن أمام مرحلة جديدة، ويجب أن ننظر إلى المستقبل لا أن نظل أسرى للماضي.

ماذا تقصدون بتحالف جديد بعد 15 أبريل؟

كل من وقف مع الشعب السوداني في محنته، وكان له موقف وطني داخلياً، يمكن أن يكون جزءاً من تحالف جديد، وأنا أدعو الداعمين لهذا الخط إلى أن يعملوا معاً حتى في حالة الانتخابات، دون النظر إلى الاختلافات الأيديولوجية، لأن الهدف الأكبر يجب أن يكون استقرار السودان واستدامة السلام، ولا ينبغي أن تكون الأيديولوجيا سبباً في استمرار الانقسام إذا كان الجميع متفقين على حماية الدولة واستقرارها.هناك من يرى أن الحوار لا فائدة منه قبل وقف إطلاق النار؟صحيح أن هناك جهات كثيرة ترى أنه لا فائدة من الحوار إذا لم يسبقه وقف لإطلاق النار، لكنني أعتقد أن الحوار نفسه يمكن أن يكون طريقاً للوصول إلى السلام،الموقف الأخير للاتحاد الأفريقي يمثل دعماً مهماً للحوار، باعتبار أن الاتحاد الأفريقي من أهم المنصات التي تعمل على تقريب وجهات النظر بين السودانيين، لكن يجب أن يكون الحوار شاملاً، وألا يستثني أحداً. كل شخص من حقه أن يشارك.

هل يمكن أن ينجح الحوار مع وجود دعوات لإقصاء بعض القوى السياسية ؟

لا أعتقد أن استخدام ما يسمى بـ«الكيزان» لإقصاء مجموعات أو أفراد يمكن أن يستقيم إذا كنا جادين في الوصول إلى سلام فلابد من اشراك الكيزان في الحوار ، وانا استغرب في الحقيقة فهناك من يعلق كل شى على شماعة الكيزان وفي نفس الوقت لايريد اشراكهم في الحوار فهذا امر لا يستقيم فهم اذا كانوا سبب كل مشاكل البلد فمن الافضل مشاركتهم في الحوار وحل قضايا البلد.وهنا دعوني أشير الى أن الإمام الصادق المهدي، رحمه الله، كان قد اجتمع في مايو 2019 بقيادات المؤتمر الوطني، وطالبهم بعدم المشاركة في الفترة الانتقاليةلكن ما نتحدث عنه اليوم هو مستقبل السودان وكيفية الوصول إلى السلام، ولا ينبغي أن يكون الحوار انتقائياً، إذا أردنا الوصول إلى سلام حقيقي، فلا بد من تمثيل مختلف الجهات وأصحاب المصلحة، لأن السلام له ثمن، ولا يمكن الوصول إليه بإقصاء الآخرين.

ما المطلوب من القوى المشاركة في الحوار لإنجاحه؟

المطلوب أولاً تهدئة النفوس وحسن النوايا والعمل من أجل لم شمل السودانيينمن يريد أن يلعب دوراً في استقرار البلد والعمل السياسي عليه أن يقدم تنازلات لا يمكن أن نريد كل شيء وفق رؤيتنا وحدناالمصلحة الوطنية يجب أن تكون مقدمة على المصالح الشخصية والتنظيمية، فلا يمكن أن نهدر ثروات البلاد في سبيل تقتيل بعضنا البعض، وفي غمرة الانشغال بالحرب ظهرت مظاهر فساد وتخريب للمجتمع، والوصول إلى السلام هو الطريق لتجنيب السودان المزيد من هذه المفسدات.

كيف تنظرون إلى الانقسامات التي حدثت داخل حزب الأمة بين من انضموا إلى «تأسيس» و«صمود»؟

برمة ناصر اتخذ قراره بالذهاب إلى «تأسيس» دون رأي أجهزة حزب الأمة، كما أن آخرين انضموا إلى «صمود» دون الرجوع إلى المؤسسات أيضاً، لكننا لا نريد أن نكون أسرى للماضي، المطلوب من الجميع وضع المصالح الشخصية والذاتية جانباً، ويجب ألا يرتهن السوداني قراره للآخرين، ولا لأي دولة أو جهة خارجية، نحن في حاجة إلى استقلال كامل في اتخاذ قراراتنا، وأن نفتح بصيرتنا من أجل العمل وفق رؤية سودانية خالصة.

ما هي الأولويات التي يجب أن تتفق عليها القوى السياسية السودانية؟

هناك هدفان أساسيان الٱول هو إيقاف الحرب، والثاني الاتفاق على حكم مدني ديمقراطي،وأي تنازل يقود إلى تحقيق هذين الهدفين هو تنازل يستحق أن يقدم، فإيقاف الحرب هو الأولوية، لأن استتباب السلام يفتح الطريق أمام إقامة حكومة مدنية ديمقراطية، وأعتقد أن أي عمل يقود إلى السلام يقود في النهاية إلى الحكم المدني، ولذلك من مصلحة القوى السياسية والمدنية أن تعمل من أجل الوصول إلى اتفاق شامل.

هل يمكن أن يتحقق السلام دون مشاركة جميع الأطراف؟

السلام المستدام يحتاج إلى الاتفاق على كلمة سواء لإيقاف الحرب، ويجب أن يشمل جميع الأطراف، خاصة أصحاب المصلحة، كما أن التجارب السابقة أثبتت أن الحوارات التي لا تمثل الشعب السوداني ولا تشمل القوى المؤثرة لا يمكن أن تحقق سلاماً دائماً، وإذا أردنا الوصول إلى سلام حقيقي، فلا بد من تمثيل كل الجهات والاستماع إلى مختلف الآراء.

هل لدى حزب الأمة قنوات تواصل مع القوى الرافضة للحوار؟

قيادة حزب الأمة لديهم قنوات تواصل وبيانات واتصالات مع الجهات الممانعة للحوار، ونحن نأمل أن تسهم هذه الاتصالات في تشجيعها على المشاركة، خاصة بعد القرارات الأخيرة المتعلقة بتهيئة المناخ، وفي تقديري، على الجميع الابتعاد عن الإملاءات الخارجية والنظر إلى مصلحة الوطن، لأن السودان أصبح بؤرة للتدخلات الدولية، وهذه من أكبر المخاطر التي تواجه البلاد.

ما أهمية قرارات تهيئة المناخ ومنها القرارات المتعلقة بالبلاغات السياسية؟

القرارات الأخيرة المتعلقة بشطب بلاغات الحق العام والإبقاء على الحق الخاص تمثل خطوة يمكن أن تساعد في تهيئة المناخ، ولكن الأهم هو أن يكون الهدف هو مصلحة السودان، وأن ندرك أن غير السودانيين لن يكونوا على دراية كاملة بكل المخاطر التي تحيط بالوطن.علينا أن نعلّي المصلحة الوطنية فوق المصالح الشخصية والخارجية.

المعارضة تقول إن الحوار الحالي يفتقد إلى الشرعية.. ما تعليقك على ذلك؟

أعتقد أن الموقف الذي أعلنه الاتحاد الأفريقي يمثل تأكيداً مهماً على شرعية الحوار، وبالتالي لم تعد هناك حجة حقيقية لرفض المشاركة، ومن يريد المشاركة فليشارك، ومن لديه تحفظات فليأتِ ويطرحها داخل الحوار، والحوار منصة محايدة، وهذه الفكرة تداعت لها مجموعة من السودانيين بصورة ذاتية، ثم وجدت تأييداً داخلياً وخارجياً، دون هيمنة أو إملاءات من جهة بعينها.هل تعتقدون أن الدعم الخارجي هو أحد أسباب استمرار موقف المعارضة؟بعض القوى تستمد جانباً من رؤيتها ومواقفها من الدعم الخارجي، وهذا أمر يجب أن ننتبه له، نحن نريد أن يكون القرار سودانياً، وأن يكون الحوار ملكاً للسودانيين، لأن استقرار السودان لا يمكن أن يبنى على أجندات الآخرين، ومن حق الجميع أن يشارك، ولا ينبغي عزل أحد، فالمطلوب هو إنجاح الأسلوب الحواري والمنطق المدني.

ما رسالتكم الأخيرة للقوى السياسية والممانعة للحوار؟

رسالتي للجميع هي أن السودان لا يحتمل مزيداً من الحرب، وعلينا أن نصل إلى السلام، وأن ننهي هذه الحرب، وأن نقدم التنازلات اللازمة من أجل الوطنلا بد من حوار شامل لا يستثني أحداً، ولا بد من استقلال القرار السوداني، والابتعاد عن الارتهان للخارج.هدفنا الأول يجب أن يكون إيقاف الحرب، ثم بناء سلام مستدام يقود إلى استقرار البلاد وحكم مدني ديمقراطي، والسودان يحتاج اليوم إلى أن يتقدم أبناؤه خطوة نحو بعضهم البعض، لأن استمرار التباعد لن يورثنا إلا مزيداً من الخسائر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى