نبل واضح

الأديب شقيفة عقيق
في الأزمنة العادية، قد يبدو النبل فضيلةً شخصية؛ أما في زمن الحرب والانقسام، فإنه يصبح موقفًا وطنيًا.
فحين تضطرب البلاد، وتتداخل المصالح، وتكثر الروايات المتناقضة، يصبح الإنسان أمام امتحان لا يشبه بقية الامتحانات: هل يستطيع أن يحافظ على إنسانيته وهو يرى وطنه يتشقق أمام عينيه؟
هنا يظهر النبل واضحًا.
ليس النبيل من يملك خطابًا جميلًا عن الوطن، وإنما من يتصرف بطريقة تجعل الوطن أجمل.
السودان اليوم لا يحتاج إلى من يضيف وقودًا إلى النار، بل إلى من يعرف كيف يطفئها. لا يحتاج إلى من يوسّع دائرة الخصومة، بل إلى من يوسّع مساحة العقل. ولا يحتاج إلى من يختصر البلاد في جماعة أو قبيلة أو حزب أو بندقية، بل إلى من يرى السودان وطنًا يتسع للجميع.
لقد كشفت الحرب كثيرًا من الوجوه.
هناك من جعل المأساة سلّمًا للصعود، وهناك من جعل آلام الناس مادةً للخطاب، وهناك من اكتشف في الفوضى فرصةً للمكاسب.
وفي المقابل، ظهر أناس لم يملكوا سوى القليل، لكنهم أعطوا الكثير؛ فتحوا أبواب بيوتهم للنازحين، حملوا المرضى، أطعموا الجائعين، ووقفوا مع الضعفاء دون أن يسألوا عن قبيلتهم أو موقفه السياسي.
أولئك هم النبلاء الحقيقيون.
فالسياسة التي لا ترى دمعة الأم، ولا خوف الطفل، ولا تعب النازح، ولا جوع الفقير، تتحول إلى لعبة باردة فوق طاولةٍ من الألم.
والمشكلة ليست في اختلاف السودانيين؛ فالاختلاف سنة الحياة، والسياسة بطبيعتها تقوم على تعدد الرؤى. المشكلة تبدأ حين يتحول الاختلاف إلى كراهية، وحين يصبح الخصم عدوًا للوطن لمجرد أنه يفكر بطريقة مختلفة.
إننا بحاجة إلى ثقافة سياسية جديدة تقول بوضوح:
يمكن أن نختلف دون أن نتقاتل،
ويمكن أن نتحاور دون أن نتخوين،
ويمكن أن نختلف حول السلطة دون أن نختلف حول الوطن.
النبل السياسي ليس حيادًا عن الظلم، وليس مساواةً مصطنعة بين الضحية والجاني؛ بل هو أن يكون موقفك من الظلم ثابتًا، مهما تغير اسم الظالم، وأن يكون معيارك واحدًا لا يتبدل بتبدل المصالح.
فمن يرفض الظلم عندما يأتي من خصمه، ثم يبرره عندما يأتي من حليفه، لم يتخذ موقفًا أخلاقيًا؛ لقد اتخذ موقف مصلحة.
ومن يطالب بالديمقراطية عندما يكون خارج السلطة، ثم يخاف منها عندما تقترب من سلطته، لم يفهم الديمقراطية؛ لقد فهم موقعه فيها فقط.
ومن يرفع شعار دولة القانون، ثم يستثني جماعته من القانون، لا يبني دولة؛ بل يعيد إنتاج الأزمة بصورة جديدة.
النبل الواضح هو الاتساق.
أن تكون الكلمة التي تقولها في حضرة القوي هي ذات الكلمة التي تقولها في حضرة الضعيف.
أن تدافع عن كرامة الإنسان حتى عندما يكون الإنسان مختلفًا عنك.
أن ترفض انتهاك الحقوق ولو كان المنتهك من صفك.
أن تعترف بفضل الآخرين ولو لم تكن بينهم وبينك مصلحة.
وأن تقول: «أخطأنا»، عندما يكون الاعتراف بالخطأ أكثر شجاعة من الاستمرار فيه.
وفي السودان، حيث أنهكت الحرب المجتمع، فإن إعادة بناء الدولة لن تبدأ من الخرسانة وحدها، ولا من المكاتب الحكومية، ولا من الاتفاقيات السياسية فقط؛ ستبدأ من إعادة بناء الثقة بين الناس.
والثقة لا تُبنى بالخطابات.
تُبنى حين يرى المواطن أن القانون لا يميز بين قوي وضعيف، وأن الوظيفة العامة ليست غنيمة، وأن المساعدات لا تتحول إلى وسيلة للابتزاز، وأن صوت المواطن لا يُسمع فقط عندما يكون مفيدًا لأصحاب السلطة.
وتُبنى حين يشعر أهل الأطراف أن السودان ليس عاصمةً فقط، وأن القرى البعيدة ليست هامشًا يمكن تذكره وقت الانتخابات أو الأزمات.
فالوطن الحقيقي هو الذي يشعر فيه الإنسان، أينما كان، أن حياته لها قيمة.
وهنا تصبح العدالة جزءًا من السلام، والتنمية جزءًا من الاستقرار، والكرامة جزءًا من السياسة.
ولعل أكبر خطأ يمكن أن نرتكبه في هذه المرحلة هو أن نتصور أن انتهاء الحرب يعني انتهاء الأزمة.
فالحرب قد تتوقف في لحظة، لكن آثارها يمكن أن تعيش سنوات طويلة في النفوس: ثارات، فقدان ثقة، فقر، نزوح، أمية، انهيار مؤسسات، وذاكرة مثقلة بالخوف.
لذلك نحن لا نحتاج فقط إلى إسكات البنادق؛ نحتاج إلى إسكات لغة الكراهية أيضًا.
نحتاج إلى مصالحة لا تمسح الحقيقة، وعدالة لا تتحول إلى انتقام، وسلام لا يقوم على دفن الجراح تحت التراب، بل على معالجتها.
وفي هذه المرحلة، سيكون أعظم اختبار للنخب السياسية والمجتمعية هو قدرتها على تقديم تنازلات من أجل الوطن، لا من أجل الكراسي.
فالكراسي مؤقتة.
أما البلاد، فباقية.
والأسماء التي تتصدر المشهد اليوم ستصبح غدًا جزءًا من التاريخ، لكن التاريخ لن يسأل فقط: من حكم؟
بل سيسأل:
ماذا فعلتم بالسودان حين كان السودان ينزف؟
من حفظ الناس؟
من منع الفتنة؟
من قال الحقيقة؟
من اختار السلام عندما كان الانتقام أسهل؟
من أعاد فتح مدرسة؟
من أنقذ مستشفى؟
من أعاد الحياة إلى قرية؟
من وقف مع إنسان لا يعرفه؟
هناك، في تلك التفاصيل الصغيرة التي لا تظهر في نشرات الأخبار، يولد النبل الواضح.
فقد لا يكون النبيل هو أشهر الناس، ولا أكثرهم حديثًا، ولا صاحب أكبر منصب؛ ربما يكون موظفًا بسيطًا، أو معلمًا، أو طبيبًا، أو مزارعًا، أو شابًا يحمل مصباحًا في شارع مظلم، أو امرأةً تقسم ما عندها بين أطفالها وأطفال جيرانها.
هؤلاء لا يملكون منابر كبيرة، لكنهم يملكون شيئًا أثمن:
ضميرًا لم تستطع الحرب أن تهزمه.
وفي نهاية الطريق، قد يختلف السودانيون في شكل الدولة، ونظام الحكم، والسياسات، والحدود الإدارية، والاقتصاد، وكل تفاصيل المستقبل؛ لكن ينبغي ألا نختلف حول شيء واحد:
أن الإنسان السوداني ليس وقودًا لأي مشروع سياسي.
فمن يريد أن يحكم السودان، عليه أولًا أن يتعلم كيف يحفظ السودان.
ومن يريد أن يقود الناس، عليه أن يعرف أن القيادة ليست امتلاكهم، بل خدمتهم.
ومن يريد أن يكتب التاريخ، فليكتب أولًا موقفًا يستحق أن يُذكر.
ذلك هو النبل الواضح:
أن تقف مع الوطن حين لا يملك الوطن أن يكافئك،
وأن تختار الإنسان حين تكون الكراهية أكثر ربحًا،
وأن تحفظ للخصم حقه في الحياة،
وللمواطن حقه في الكرامة،
وللوطن حقه في أن يكون وطنًا للجميع.
فقد تتغير الرايات،
وقد تتبدل الحكومات،
وقد تسقط أسماء وتظهر أسماء،
لكن الموقف النبيل لا يسقط بالتقادم.
إنه يبقى…
مثل أثر القدم على تراب البادية؛
قد تهب الرياح فوقه،
لكنها لا تستطيع أن تمحو من الذاكرة أن رجلًا مرّ من هنا، وكان نبيلاً…




