المرأة والشباب: الغائبون الحاضرون في معادلة السلم الاجتماعي بالسودان

بقلم/ ايوب محمد عبد الرحمن( مجنق)
في كل مبادرة سلام تُطرح في السودان، تتكرر نفس العبارة: “شراكة المرأة والشباب ضرورة”، لكن عند التطبيق الفعلي يغيب الاثنان عن طاولة القرار، وكأن حضورهما في الخطاب لا يعدو كونه شعارًا موسميًا لا التزامًا حقيقيًا.
حرب لم توفر أحدًا
منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، تحمّلت النساء والشباب العبء الأكبر من تفكك النسيج الاجتماعي، فهم الأكثر عرضة للنزوح والفقدان والانخراط القسري في دوائر العنف .
ومع ذلك، حين تشكلت مؤسسات رسمية لإدارة السلم الاجتماعي، جاء الحضور النسائي والشبابي فيها هامشيًا مقارنة بحجم الأثر الذي تكبّده هاتان الفئتان.
الحاضرون في الخطاب، الغائبون في القرار
الدراسات التي تناولت التعايش السلمي في السودان بعد الحرب تُجمع على أن أي مشروع سلام مستدام لا يمكن أن يتحقق دون مشاركة فعلية للمرأة، لا كضحية يُتحدث باسمها، بل كفاعل يشارك في صياغة الحلول وبناء الثقة بين المكونات المتنازعة .
الأمر نفسه ينطبق على الشباب، الذين يمثلون الشريحة الأكثر تعرضًا لخطاب الكراهية والاستقطاب الإثني الذي تفشى في المجتمع السوداني، ما يجعلهم في الوقت نفسه ضحية هذا الاستقطاب وأداة محتملة لإعادة إنتاجه إذا لم يُستثمر وعيهم في مسارات مضادة .
هذه المفارقة تلخص جوهر الأزمة: من يُفترض أن يكونوا “أدوات السلام” الطبيعية، بحكم قربهم من الواقع اليومي للمعاناة، يجدون أنفسهم في الهامش حين يتعلق الأمر بصياغة القرار وتوزيع الأدوار المؤسسية.
لماذا يُستبعدون؟
البنية التقليدية للسلطة في السودان، من الإدارة الأهلية إلى المؤسسات السياسية، ظلت تاريخيًا حكرًا على كبار السن والزعامات القبلية الذكورية، وهو نمط يتكرر حتى في مؤسسات السلام الحديثة .
تسييس القبلية كأحد أهم مسببات النزاع في السودان جعل الحوارات المجتمعية تدور حول توازنات بين الكيانات القبلية والسياسية التقليدية، لا حول تمثيل الفئات العمرية أو النوعية .
غياب استراتيجيات واضحة لدمج المرأة والشباب في هياكل صنع القرار، رغم الإشارات المتكررة لأهمية “إشراك جميع الفئات” في الخطاب الرسمي للجهات المعنية بملف السلم الاجتماعي.
الطريق نحو حضور فعلي لا شكلي
لا يكفي أن تُدرَج المرأة والشباب كبند في وثائق المصالحة؛ المطلوب تمكين حقيقي يشمل حصص تمثيل ملزمة في اللجان المجتمعية المزمع تشكيلها ضمن مشروعات السلام الاجتماعي، وبرامج توعوية موجهة لهما بوصفهما شركاء في الحل لا مجرد متلقين للدعم .
كما تدعو دراسات أكاديمية حديثة إلى ربط مشاركة المرأة بمسار ديمقراطي أوسع يضمن مشاركة جميع الفئات في إعادة بناء الدولة، بما يتجاوز الحضور الرمزي إلى الفاعلية المؤسسية .
خاتمة لا تُغلق الملف
السلم الاجتماعي في السودان لن يكتمل بمصالحات بين القبائل والزعامات وحدها، بل يحتاج إلى إعادة تعريف “من يملك حق الحديث باسم السلام”. فحين يُصاغ العقد الاجتماعي الجديد الذي تتحدث عنه الجهات القائمة على هذا الملف، يجب أن يُكتب بأقلام النساء والشباب أنفسهم، لا نيابة عنهم.



