استراحة الجمعة : خليل إسماعيل الصوت الذي أطرب الفنانين وارتقى بالفن السوداني

استراحة الجمعة
خليل إسماعيل الصوت الذي أطرب الفنانين وارتقى بالفن السوداني
في ذكرى رحيله لماذا ظل خليل إسماعيل أحد أكثر الأصوات احترامًا في تاريخ الغناء السوداني؟
مركز الاستدامة للتنمية والاستنارة
م.عبد الله موسى أحمد – باحث
كلما أطل شهر أغسطس، تعود إلى ذاكرة السودانيين صورة فنان لم يكن الأكثر إنتاجًا لكنه كان من بين الأكثر تأثيرًا. يعود اسم خليل إسماعيل ذلك الصوت الذي لم يكن مجرد مطرب يؤدي الأغنيات بل كان مدرسة قائمة بذاتها في الأداء وحالة فنية استثنائية فرضت احترامها على الجمهور وعلى الفنانين على حد سواء.
ليس من السهل أن يمنح الفنانون زميلًا لهم لقب “مطرب الفنانين”؛ فالفنان يدرك أكثر من غيره صعوبة الغناء ودقة الأداء وتعقيد المقامات وخفايا الصوت. لذلك لم يكن هذا اللقب مجاملة لكن شهادة مهنية صادرة عن أهل الاختصاص. أما خليل إسماعيل فقد قابلها بابتسامته المعهودة مفضلًا أن يصف نفسه ساخرًا بـكبير مظاليم الإذاعة في إشارة إلى ما واجهه من صعوبات في بداياته وإلى شعوره بأن تجربته لم تحظَ بما تستحقه من اهتمام إعلامي.
وفي الثاني والعشرين من أغسطس عام 2007، غاب الجسد لكن بقي الصوت حاضرًا وبقيت الأغنيات تزداد جمالًا كلما مر عليها الزمن.
رحلة بدأت من الأبيض وانتهت في ذاكرة الوطن. وُلد خليل إسماعيل موسى عشايا بمدينة الأبيض عام 1943 ونشأ في بيئة كردفانية عُرفت بجمال الغناء وثراء الموروث الشعبي. حمل معه إلى أم درمان حلمًا بسيطًا في شكله، عظيمًا في معناه أن يصبح فنانًا.
كانت الطريق إلى الإذاعة السودانية آنذاك أكثر صعوبة مما يحتمله أصحاب المواهب العابرة. فقد كانت لجان الإجازة شديدة الصرامة وعانى كثير من الفنانين الكبار قبل اعتماد أصواتهم. ولم يكن خليل استثناءً، بل كان واحدًا من أكثرهم صبرًا وإصرارًا. ظل يتردد على مبنى الإذاعة مرارًا، مؤمنًا بأن صوته يستحق أن يُسمع. ولم يكن ذلك الإيمان غرورًا بل ثقة راسخة في موهبة حقيقية أثبتتها الأيام.
رفقة صنعت تاريخًا، جمعت البدايات بين خليل إسماعيل ومحمد الأمين وأبوعركي البخيت في سنوات كان فيها الحلم أكبر من الإمكانات. ويحكي المقربون أن الفنان صالح الضي احتضنهم في منزله القريب من الإذاعة، فكانت تلك الأيام نواة صداقة امتدت لعقود طويلة وأسست لإحدى أجمل العلاقات الإنسانية في الوسط الفني السوداني.
ولعل أصدق دليل على مكانة خليل عند زملائه أن أبوعركي البخيت ظل يتحدث عنه بحزن بالغ بعد رحيله، بينما كان محمد الأمين كلما حاول أداء إحدى أغنياته اختلطت الكلمات بالمشاعر والدموع.
هذه لم تكن مجرد صداقة، بل تقدير عميق لفنان يدرك الفنانون قبل غيرهم قيمته الحقيقية.
لماذا كان “مطرب الفنانين”؟، لم يكن السر في جمال الصوت وحده. كان خليل يمتلك خامة صوتية نادرة، تقع بين التينور العالي والمرونة التي تمنحه قدرة استثنائية على الانتقال بين الطبقات بسلاسة لافتة. وكان يغني بإحساس يسبق التقنية، فتصل الأغنية إلى القلب قبل الأذن. والفنانون يدركون تفاصيل الأداء التي قد لا ينتبه إليها المستمع العادي فهم يميزون صعوبة الحفاظ على النغمة والتحكم في النفس والتلوين الصوتي ودقة مخارج الحروف. ولذلك كانوا يستمتعون بالاستماع إليه كما يستمتع الجمهور. ومن هنا استحق لقب “
مطرب الفنانين عن جدارة واستحقاق.
التجديد هو مشروعه الحقيقي، لم يكن خليل إسماعيل من الفنانين الذين يكررون أنفسهم. كان يبحث دائمًا عن الاختلاف، سواء في اختيار النصوص أو في بناء اللحن أو في أسلوب الأداء.
وجاءت دراسته في المعهد العالي للموسيقى والمسرح لتفتح أمامه آفاقًا جديدة، فأصبح أكثر وعيًا بالهارموني وبالتوزيع الموسيقي وبكيفية توظيف الآلات وبالعلاقة بين الكلمة واللحن.
بعد تلك المرحلة، بدا واضحًا أن خليل لم يعد مجرد مطرب يمتلك صوتًا جميلًا، لكنه أصبح موسيقيًا يفكر بعقل الملحن ويغني بعين الباحث. ولهذا جاءت أعماله أكثر نضجًا وثراءً من الناحية الموسيقية.
أبو قطاطي و ثنائية صنعت الخلود، في تاريخ الغناء السوداني ثنائيات كثيرة، لكن القليل منها استطاع تحقيق ذلك الانسجام العميق بين الشاعر والمغني. ومن أنجح تلك التجارب، اللقاء بين خليل إسماعيل والشاعر محمد علي أبو قطاطي. كان أبو قطاطي يكتب بلغة شعرية رقيقة، بينما كان خليل يمنح الكلمات حياة جديدة بصوته. ومن رحم هذه الثنائية خرجت روائع مثل الأماني العذبة، التي ما تزال حتى اليوم واحدة من أجمل الأغنيات السودانية، بما تحمله من شاعرية ولحن وأداء بالغ الحساسية. كما قدم أعمالًا أخرى مثل بسحروك وفي مسيرك يا الحبيب وغيرها من الأغنيات التي أصبحت علامات بارزة في الغناء السوداني.
ملحمة أكتوبر وعندما يتحول الصوت إلى موقف، لم يكن خليل إسماعيل فنانًا عاطفيًا فحسب. شارك في ملحمة أكتوبر (قصة ثورة)، العمل الوطني الضخم الذي كتبه هاشم صديق ولحنه محمد الأمين بمشاركة نخبة من الفنانين.
وهناك كشف عن وجه آخر من شخصيته الفنية صوت قادر على التعبير عن الحماسة الوطنية بنفس القوة التي يعبر بها عن العاطفة. وما زال كثيرون يتذكرون أداءه للمقطع الشهير:
“إيد في إيد حلفنا نقاوم… ما بنتراجع وما بنساوم.”
ذلك الأداء أكد أن الأغنية الوطنية ليست مجرد صخب لكنها إحساس صادق حين يؤديها فنان يمتلك أدواته.
خفة الروح والفنان الإنسان، بعيدًا عن خشبة المسرح، كان خليل إسماعيل شخصية محبوبة. عرف بسرعة البديهة وروح الدعابة والقدرة على إطلاق النكات في أكثر اللحظات جدية. كانت جلساته تجمع بين الغناء والمرح ولذلك أحبه الفنانون كما أحبه الجمهور. فالإنسان الحقيقي غالبًا ما ينعكس جماله على فنه.
لماذا لم يأخذ حقه؟ هذا سؤال يتكرر كلما ذُكر اسم خليل إسماعيل.
فبرغم مكانته الكبيرة لم يحظَ بالانتشار الإعلامي الذي ناله بعض مجايليه.
وربما لهذا السبب كان يصف نفسه بـكبير مظاليم الإذاعة. لكن الزمن أنصفه بطريقة مختلفة. فالإذاعة قد تؤخر الفنان، أما ذاكرة الناس فلا تجامل. وبعد سنوات طويلة من رحيله، ما تزال أغنياته تُبث وتُغنّى ويستشهد بها الفنانون، بينما اختفت أسماء كثيرة كانت أكثر حضورًا في الإعلام. وهذا هو الانتصار الحقيقي لأي فنان.
إرث لا يقاس بعدد الأغنيات، لم يكن خليل إسماعيل من الفنانين أصحاب الإنتاج الغزير. لكن القيمة الفنية لا تُقاس بالكم. يكفي أن معظم أعماله بقيت حاضرة في الوجدان السوداني، مثل الأماني العذبة وبديع حسنك وجبل مرة وحب ما اعتيادي
وبسحروك والهبيب. كما أعاد إحياء عدد من الأغنيات القديمة ومنها “ليه ده كلو يا حبيبي” و”كان بدري عليك”، مقدّمًا لها قراءة فنية جديدة أكدت احترامه للتراث وقدرته على تجديده في آن واحد.
خليل إسماعيل هو درس للأجيال الجديدة، في زمن أصبحت فيه الشهرة أسرع من الموهبة، يقدم خليل إسماعيل نموذجًا مختلفًا. لم تصنعه وسائل الإعلام لكن صنعه الفن. ولم يعتمد على كثرة الظهور، بل على جودة ما يقدم. كان يؤمن بأن الأغنية لا تعيش إلا إذا بُنيت على شعر رصين ولحن متقن وصوت صادق. وهي معادلة ما تزال صالحة لكل زمان.
تمر الأعوام وتتغير الأذواق وتتبدل الأجيال لكن الأصوات الكبيرة لا تغيب.
وخليل إسماعيل واحد من تلك الأصوات التي تجاوزت حدود الزمن، لأنه لم يغنِّ ليشتهر بل غنى لأنه كان مؤمنًا بأن الفن رسالة وجمال وصدق.
وفي كل أغسطس، لا يستحضر السودانيون ذكرى رحيل مطرب فحسب، بل يستعيدون زمنًا كانت فيه الأغنية تُصنع بعناية والكلمة تُنتقى بحب واللحن يُصاغ ليبقى.
رحل خليل إسماعيل في الثاني والعشرين من أغسطس 2007، لكن صوته ما يزال يردد في ذاكرة السودانيين أن الفن الحقيقي لا يموت وأن الكبار قد يغيبون عن المسرح لكنهم يظلون حاضرين في وجدان الشعوب لأن الإبداع الصادق هو العمر الذي لا ينتهي.



