دكتور جون قرنق بعد واحدٍ وعشرين عاماً هل غاب الرجل وبقي السؤال؟

في الذكرى الحادية والعشرين لرحيل مؤسس الحركة الشعبية لتحرير السودان
مركز الاستدامة للتنمية والاستنارة
م. عبد الله موسى أحمد – باحث
تمر علينا الذكرى الحادية والعشرون لرحيل الدكتور جون قرنق دي مبيور، فيما لا يزال السودان وجنوب السودان يعيشان دوامةً من الحروب والانقسامات والأزمات السياسية والاقتصادية والإنسانية.
وبينما يحيي كثيرون ذكراه باعتباره قائداً استثنائياً حمل مشروعاً سياسياً وفكرياً الا وهو مشروع السودان الجديد، فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس ماذا قال جون قرنق وإنما لماذا لم تتحول أفكاره إلى واقع سياسي مستدام؟
لقد رحل الرجل في لحظة تاريخية فارقة، بعد أسابيع قليلة من توقيع اتفاق السلام الشامل لعام 2005، تاركاً وراءه مشروعاً أكبر من شخصه لكنه أيضاً ترك اتفاقاً تاريخياً حمل بذور السلام وفي الوقت نفسه حمل في داخله ثغراتٍ عميقة كان من أخطرها تجاهل قضية العدالة الانتقالية والعدالة الجنائية والإصلاح المجتمعي بين المجتمعات التي مزقتها الحرب لأكثر من عقدين.
واليوم، وبعد واحد وعشرين عاماً على رحيله، تبدو تلك الثغرات أكثر وضوحاً من أي وقت مضى، ليس فقط في انفصال جنوب السودان عام 2011، وإنما أيضاً في المآسي التي يعيشها شعبا السودان وجنوب السودان منذ اندلاع الحرب في السودان في أبريل 2023 وما تبعها من تداعيات إقليمية وإنسانية.
يعتبر جون قرنق مشروع دولة لا مشروع حرب، كان أكثر من قائد عسكري. فقد كان مفكراً سياسياً حاول أن يعيد تعريف الدولة السودانية . لم يكن يرى الأزمة في الجنوب وحده، بل كان يعتبر أن الأزمة تكمن في بنية الدولة السودانية التي قامت، بحسب رؤيته على التهميش وعدم المساواة واحتكار السلطة والثروة.
ومن هنا جاءت فكرة “السودان الجديد”، التي لم تكن دعوةً إلى تقسيم البلاد، بل إلى إعادة تأسيسها على أساس المواطنة المتساوية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية واحترام التنوع الثقافي والديني والإثني.
ولهذا السبب استطاع أن يجد أنصاراً داخل الجنوب والشمال معاً، لأن مشروعه تجاوز حدود الجغرافيا ولامس جوهر سؤال الدولة السودانية.
السلام الذي أوقف الحرب لكنه لم يصنع المصالحة، نجحت اتفاق السلام الشامل عام 2005 في إنهاء أطول حرب أهلية في أفريقيا آنذاك وهي خطوة تاريخية لا يمكن إنكار أهميتها. غير أن الاتفاق انشغل بتقاسم السلطة والثروة والترتيبات الأمنية، بينما ترك الجرح الاجتماعي مفتوحاً. فلم يتضمن آليات واضحة للعدالة الانتقالية ولم يؤسس لمحاسبة الانتهاكات الجسيمة التي ارتُكبت خلال سنوات الحرب، كما لم يضع برنامجاً وطنياً للمصالحة المجتمعية أو جبر الضرر أو إصلاح المؤسسات التي شاركت في الصراع.
وهنا يكمن أحد أكبر الدروس السياسية في التجربة السودانية. إذ إن السلام لا يتحقق بمجرد إسكات البنادق وإنما يتحقق عندما يشعر الضحايا بأن العدالة قد أُنجزت وأن المستقبل لن يعيد إنتاج الماضي.
لقد تعامل الاتفاق مع الحرب بوصفها أزمة سياسية بين طرفين، بينما كانت في حقيقتها أزمة مجتمع كامل تمزقت علاقاته وتآكلت الثقة بين مكوناته وترسخت داخله ثقافة العنف والخوف.
العدالة الغائبة كانت الثمن الذي دفعه الجميع، غياب العدالة الانتقالية لم يكن مجرد نقص قانوني، بل أصبح مشكلة سياسية واجتماعية وأخلاقية.
فالانتهاكات التي لم تُحاسب والضحايا الذين لم يُنصفوا والمجتمعات التي لم تتصالح، كلها ظلت تحمل ذاكرةً مثقلة بالغضب والألم.
ومع مرور السنوات، لم تختفِ أسباب الصراع، بل تغيرت أشكاله. انفصل جنوب السودان، لكن كثيراً من جذور الأزمة بقيت كما هي. إذ انتقلت الصراعات إلى داخل الدولة الجديدة، بينما استمرت الأزمات البنيوية في السودان إلى أن انفجرت مرة أخرى بصورة أكثر تعقيداً. إن تجاهل العدالة لا يطوي صفحة الحرب، بل يؤجل انفجارها.
هل كان الانفصال قدراً محتوماً؟ يختلف الباحثون حول هذا السؤال. فهناك من يرى أن الانفصال أصبح خياراً شعبياً نتيجة عقود طويلة من الحرب وانعدام الثقة.
ويرى آخرون أن تنفيذ مشروع سياسي جامع، يقوم على إصلاح الدولة وترسيخ المواطنة والعدالة، كان يمكن أن يفتح الباب أمام وحدة طوعية أكثر جاذبية.
ومهما يكن الرأي فإن ما حدث بعد الانفصال يثبت أن إنشاء دولتين لم يكن وحده كافياً لإنهاء الأزمات.
فقد دخل جنوب السودان في صراعات داخلية دامية، بينما دخل السودان في سلسلة من الاضطرابات والانقلابات والحروب، الأمر الذي يؤكد أن المشكلة لم تكن في الحدود السياسية وحدها، وإنما في غياب مشروع الدولة العادلة.
الحرب الحالية وعودة الأسئلة القديمة،
تكشف الحرب الدائرة في السودان منذ أبريل 2023 أن جذور الأزمة ما زالت قائمة. فانهيار مؤسسات الدولة واتساع النزوح واللجؤ وتراجع الاقتصاد، وتدهور الخدمات كلها تعكس أن الدولة السودانية لم تنجح بعد في بناء عقد اجتماعي جديد يضمن المشاركة والعدالة وسيادة القانون.
كما أن جنوب السودان تأثر بصورة مباشرة بما يجري في السودان سواء من خلال تدفقات اللاجئين أو اضطراب التجارة أو التأثير على صادرات النفط أو تراجع التعاون الاقتصادي. وهكذا أثبت الواقع أن استقرار السودان وجنوب السودان ليس شأناً داخلياً لكل دولة، بل هو مصلحة استراتيجية مشتركة.
الفلسفة السياسية لجون قرنق بين المثال والواقع، كان جون قرنق ينطلق من فكرة أن الدولة ليست مجرد سلطة وإنما عقد أخلاقي بين المواطنين. وكان يعتقد أن المواطنة يجب أن تكون أعلى من الانتماءات القبلية والدينية والإثنية.
لكن تحويل هذه الفلسفة إلى مؤسسات عملية كان يحتاج إلى إرادة سياسية طويلة النفس وإلى إصلاح شامل للتعليم والقضاء والإدارة والإعلام وهي خطوات لم تتحقق بالصورة المطلوبة.
ومن هنا بقي مشروع “السودان الجديد” أقرب إلى الرؤية الفكرية منه إلى التجربة المؤسسية المكتملة.
الاقتصاد هو الضحية الصامتة للصراع،
دفعت الحرب والانقسام الاقتصاد في البلدين إلى خسائر جسيمة. فالحدود التي كان يمكن أن تصبح جسراً للتجارة والاستثمار تحولت في كثير من الأحيان إلى مناطق توتر. وتضررت حركة السلع وتعطلت مشروعات البنية التحتية وازدادت معدلات الفقر والبطالة وهاجرت الكفاءات وتراجعت فرص التنمية.
ولو نجح السلام في بناء الثقة بين المجتمعات، لكان من الممكن أن تتحول الموارد الزراعية والنفطية والمائية إلى قاعدة لتكامل اقتصادي يخدم الشعبين.
المجتمع والجرح الذي لم يلتئم، أخطر آثار الحروب ليست الدمار المادي، بل انهيار الثقة بين الناس. فالقبائل والمجتمعات التي عاشت عقوداً من العنف تحتاج إلى مصالحة حقيقية، تقوم على الاعتراف بالأخطاء وإنصاف الضحايا وجبر الضرر وحفظ الذاكرة الوطنية حتى لا تتكرر المآسي. فالعدالة ليست انتقاماً، بل هي ضمانة لعدم عودة العنف.
بين الخرطوم وجوبا هل هنالك فرصة جديدة؟ تأتي هذه الذكرى بالتزامن مع مؤشرات على تحسن التواصل السياسي بين السودان وجنوب السودان، من خلال الزيارات المتبادلة والرسائل التي تؤكد أهمية الحوار والتعاون.
وهذه الخطوات ينبغي ألا تقتصر على الملفات الأمنية والسياسية، بل يجب أن تمتد إلى بناء شراكة اقتصادية حقيقية وتفعيل التعاون الحدودي وتشجيع التبادل الثقافي وإطلاق برامج مشتركة للمصالحة والعدالة الانتقالية لأن السلام المستدام لا تصنعه الاتفاقات وحدها وإنما تصنعه الثقة بين الشعوب.
بعد واحدٍ وعشرين عاماً على رحيل الدكتور جون قرنق دي مبيور، يبدو أن الأسئلة التي طرحها ما تزال أكثر حضوراً من الإجابات التي قُدمت لها. لقد أثبتت التجربة أن السلام الذي لا يستند إلى العدالة يبقى هشاً وأن الدولة التي لا تتسع لجميع مواطنيها تظل عرضة لدورات متكررة من الصراع.
ولعل الدرس الأهم الذي ينبغي أن يستخلصه السودانيون والجنوبيون اليوم هو أن المستقبل لا يُبنى بالانتصارات العسكرية وحدها ولا بالاتفاقات السياسية المجردة وإنما ببناء دولة القانون وترسيخ المواطنة المتساوية وإقامة عدالة انتقالية تنصف الضحايا وتداوي الجراح وهى تفتح الباب أمام مصالحة وطنية حقيقية.
فربما يكون أفضل وفاء لذكرى جون قرنق ليس الاكتفاء باستحضار سيرته وإنما استكمال الحوار حول الأسئلة الكبرى التي ناضل من أجلها كيف نبني دولةً عادلة؟ وكيف نصنع سلاماً دائماً؟ وكيف نجعل التنوع مصدر قوة لا سبباً للصراع؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة هي المهمة التي لا تزال تنتظر السودانيين وجنوب السودانيين، وهي أيضاً الإرث الحقيقي الذي تركه جون قرنق للأجيال القادمة.


