استراحة الجمعة : الفروسية والتراث مشروعاً لبناء السودان

استراحة الجمعة
الفروسية والتراث مشروعاً لبناء السودان
مركز الاستدامة للتنمية والاستنارة
م. عبد الله موسى أحمد – باحث
هناك شعوب تحفظ تاريخها في الكتب وأخرى تحفظه في القلاع والمتاحف أما السودان فقد حفظ جانباً كبيراً من تاريخه فوق ظهور الخيل. فمنذ قرون طويلة لم تكن الفروسية مجرد وسيلة للحركة أو أداة للحرب وإنما كانت لغة اجتماعية كاملة، تتحدث عن الشجاعة والكرم والنخوة واحترام العهد وحماية الجار وإغاثة الملهوف.
ولهذا لم يكن غريباً أن يصبح الفارس في الوجدان السوداني أكثر من مجرد رجل يجيد ركوب الخيل بل نموذجاً للأخلاق والقيادة وتحمل المسؤولية. وكانت القبائل والمجتمعات تقيس مكانة الإنسان بما يحمله من قيم قبل أن تقيسها بما يملك من مال أو نفوذ.
واليوم وبعد سنوات الحرب التي أنهكت السودان ربما يبدو الحديث عن الفروسية ترفاً في نظر البعض. لكن الحقيقة أن الأمم التي تريد أن تنهض من جديد لا تعيد بناء الجسور والطرق فقط، وإنما تعيد أيضاً بناء ذاكرتها وهويتها وقيمها. ومن هنا تصبح الفروسية قضية وطنية، وليست مجرد هواية أو نشاط رياضي.
لقد أصابت الحرب كل شيء تقريباً. دُمِّرت المدن ونزح الملايين وتوقفت عجلة الإنتاج في مناطق واسعة لكن ما لا يلتفت إليه كثيرون هو أن الحرب أصابت أيضاً الموروث الثقافي الذي كان يجمع السودانيين. فالخيول التي كانت تملأ السهول والبوادي تقلصت أعدادها والمراعي ضاقت والخدمات البيطرية تراجعت وكثير من الفرسان اضطروا إلى ترك مناطقهم بحثاً عن الأمان فانقطعت بذلك سلسلة من المعارف والخبرات التي توارثتها الأجيال.
وفي دارفور تبدو هذه الصورة أكثر وضوحاً. فالفروسية هناك ليست نشاطاً موسمياًبل جزء من تكوين المجتمع نفسه. فهي حاضرة في الإدارة الأهلية وفي الأعراس وفي الصلح بين القبائل،وفي الشعر وفي الغناء وفي الاحتفالات الشعبية. والحصان ليس مجرد دابة، لكنه رمز للمكانة والكرامة وشريك في تفاصيل الحياة اليومية.
ولذلك فإن فقدان هذا التراث لا يعني فقدان رياضة فحسب وإنما يعني ضياع جزء من الهوية الثقافية التي صنعت شخصية الإقليم والسودان كله.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو هل يمكن تحويل هذا التراث إلى مشروع للمستقبل بدلاً من الاكتفاء بالبكاء على الماضي؟
الإجابة نعم، إذا أحسن السودان قراءة ما يملكه من مقومات. ففي العالم اليوم لم تعد الثقافة عبئاً على الاقتصاد لكنها أصبحت صناعة قائمة بذاتها. والمهرجانات التراثية وسباقات الخيل والسياحة الثقافية وتربية السلالات والصناعات المرتبطة بالفروسية كلها قطاعات تدر ملايين الدولارات في دول عديدة.
والسودان يمتلك من التاريخ والخبرة والبيئة ما يؤهله لأن يكون واحداً من أهم مراكز الفروسية في أفريقيا إذا توفرت الرؤية والإدارة.
إن الاستثمار في الفروسية لا يعني فقط تنظيم سباقات أو إقامة مهرجانات وإنما يعني بناء سلسلة اقتصادية متكاملة تبدأ من مزارع إنتاج الأعلاف مروراً بتربية الخيول وتحسين سلالاتها والخدمات البيطرية وصناعة السروج والمنتجات الجلدية وانتهاءً بالسياحة الرياضية والثقافية. وهذا يعني آلاف فرص العمل للشباب وتنشيط الاقتصاد المحلي وفتح مجالات جديدة للاستثمار خاصة في الأقاليم التي تحتاج إلى مشروعات تنموية بعد الحرب.
والأهم من ذلك أن الفروسية يمكن أن تكون إحدى أدوات المصالحة الوطنية.
لقد أثبتت تجارب دول خرجت من نزاعات طويلة أن الرياضة والثقافة أكثر قدرة من السياسة أحياناً على إعادة بناء الثقة بين الناس. فعندما يجتمع أبناء القبائل المختلفة في ميدان واحد يتنافسون بشرف ويحتفلون بالفائز ويتبادلون الاحترام فإنهم يعيدون اكتشاف ما يجمعهم أكثر مما يفرقهم.
ومن هنا يمكن لمهرجانات الفروسية أن تتحول إلى منصات للحوار المجتمعي وإحياء قيم التسامح وكسر الحواجز التي صنعتها سنوات الحرب. كما أن المدارس والجامعات تستطيع أن تؤدي دوراً مهماً في هذا المجال ليس فقط عبر تعليم مهارات الفروسية وإنما من خلال توثيق تاريخها ودراسة سلالات الخيول السودانية وتشجيع البحث العلمي في الطب البيطري والإدارة الرياضية وحماية التراث الثقافي.
ولعل السودان بحاجة أيضاً إلى إنشاء مركز وطني للفروسية يجمع بين التدريب والبحث العلمي ويحفظ الذاكرة التاريخية لهذا الإرث ويعمل على تطويره وفق المعايير الحديثة دون أن يفقد روحه الأصيلة.
ولا يقل دور القطاع الخاص أهمية عن دور الدولة. فالمستثمر الوطني يستطيع أن يجد في هذا المجال فرصاً واعدة سواء في إنشاء مزارع حديثة أو منتجعات سياحية أو مصانع للصناعات الجلدية أو شركات متخصصة في تنظيم البطولات والفعاليات.
إن العالم لم يعد ينظر إلى التراث باعتباره شيئاً يُعرض في المتاحف فقط لكن باعتباره مورداً اقتصادياً وثقافياً واستثمارياً قادراً على خلق الوظائف وتعزيز صورة الدول.
ويبقى الرهان الأكبر على المجتمع نفسه.
فالحفاظ على الفروسية لا يبدأ من القرارات الحكومية وحدها وإنما يبدأ من الأسرة التي تزرع في أبنائها احترام هذا الإرث ومن الإعلام الذي يقدمه بصورة حديثة ومن المثقف الذي يربط بين الماضي والحاضر ومن الفارس الذي يرى في حصانه رسالة قبل أن يراه وسيلة.
لقد علّمتنا الخيل عبر التاريخ أن الطريق الطويل لا يُقطع بالقوة وحدها وإنما بالصبر والثبات والثقة. وهذه هي الرسائل التي يحتاجها السودان اليوم وهو يحاول الخروج من واحدة من أصعب مراحل تاريخه.
إن إعادة إعمار السودان ليست مشروع إسمنت وحديد فقط وإنما مشروع إنسان وهوية وذاكرة. وإذا كانت الحرب قد مزقت كثيراً من الروابط فإن الثقافة قادرة على إعادة نسجها من جديد والفروسية واحدة من أقوى هذه الروابط لأنها تتجاوز القبيلة والجهة والانتماء السياسي لتخاطب قيماً يتفق عليها جميع السودانيين.
فالخيل التي حملت أجدادنا في ميادين البطولات تستطيع اليوم أن تحمل رسالة مختلفة للسلام، ووحدة وتنمية ومصالحة. وعندما يتحول التراث إلى مشروع للمستقبل يصبح الماضي قوة تدفعنا إلى الأمام لا ذكرى نبكي عليها.
وربما يكون هذا هو الدرس الأهم الذي يحتاجه السودان اليوم فأن الأمم العظيمة لا تبدأ نهضتها من الصفر لكن تبدءها من أفضل ما في تاريخها وتحوله إلى مستقبل يستحقه أبناؤها.



