المقترح الأمريكي للسلام في السودان.. هل تمهد هدنة الـ90 يوماً لإنهاء الحرب أم تعيد إنتاج الأزمة؟

تقرير : شادية عبد الله
عاد ملف الحرب في السودان إلى واجهة الاهتمام الإقليمي والدولي، عقب تداول تفاصيل مقترح أمريكي جديد يهدف إلى وقف القتال المستمر منذ أكثر من ثلاثة أعوام، عبر هدنة إنسانية تمتد لمدة 90 يوماً تمهد لاستئناف العملية السياسية.
وجاء رد الحكومة السودانية على الورقة التي قدمها مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون الأفريقية والعربية مسعد بولس، مؤكده التزامها بإنهاء الحرب عبر التفاوض وإقرار هدنة إنسانية لكنها اشترطت انسحاب قوات الدعم السريع من جميع المدن التي سيطرت عليها
🔸️كما يتضمن المقترح الأمريكي إعلان هدنة إنسانية فورية لمدة ثلاثة أشهر، وإنشاء آلية تنسيق للإشراف على تنفيذها واستثمار فترة الهدنة للتفاوض على وقف دائم لإطلاق النار إلى جانب نشر مراقبين دوليين يستندون إلى آلية أممية لمراقبة الالتزام بالاتفاق. كما ينص المقترح على الحفاظ على جيش وطني موحد يخضع لسلطة حكومة مدنية والشروع في انتقال سياسي يقوده المدنيون ويملكه السودانيون بعيداً عن هيمنة حزب المؤتمر الوطني المحلول أو أي تشكيلات مسلحة مع إنهاء جميع أشكال الدعم العسكري الخارجي ووجود المقاتلين الأجانب.
وتتضمن الخطة كذلك نزع سلاح المقاتلين أو تسريحهم أو تجميعهم في معسكرات وفق ترتيبات أمنية متفق عليها وإنهاء المظاهر العسكرية تدريجياً مع إعطاء الأولوية لولايتي شمال دارفور وشمال كردفان، باعتبارهما من أكثر المناطق تأثراً بالحرب، بالإضافة إلى إنشاء صندوق لإعادة إعمار السودان ووضع خطط للدعم الاقتصادي وإعادة الخدمات الأساسية.
🔸️شروط الجيش
ورغم الترحيب الدولي بالمقترح، فإن الجيش السوداني تمسك بشرط اعتبره أساسياً قبل الدخول في أي هدنة يتمثل في انسحاب قوات الدعم السريع من المدن والمناطق السكنية والمؤسسات المدنيةمعتبراً أن أي وقف لإطلاق النار دون تنفيذ هذا الشرط قد يمنح الدعم السريع فرصة لإعادة التموضع عسكرياً وإعادة تنظيم قواته.
ويرى الجيش أن معالجة الأوضاع الإنسانية يجب ألا تكون على حساب المتطلبات الأمنية وأن أي اتفاق ينبغي أن يضمن إنهاء الوجود المسلح داخل المدن قبل تثبيت وقف إطلاق النار . في المقابل تنظر قوات الدعم السريع إلى الهدنة باعتبارها فرصة لتخفيف الأزمة الإنسانية وفتح الممرات أمام المساعدات، مع ربط القضايا العسكرية بمفاوضات لاحقة ضمن العملية السياسية.
🔸️ارادة وثقة
يرى المحلل السياسي السوداني الدكتور خالد التجاني النور أن المقترح الأمريكي يمثل تحولاً في أسلوب التعاطي الدولي مع الأزمة السودانية إذ يجمع بين المسار الإنساني والسياسي والعسكري في وثيقة واحدة لكنه يواجه تحدياً كبيراً يتمثل في انعدام الثقة بين طرفي الصراع. ويقول إن نجاح أي هدنة لن يعتمد على توقيع الاتفاق فقط وإنما على وجود إرادة سياسية حقيقية لتنفيذه خاصة أن جميع المبادرات السابقة انهارت بسبب غياب الضمانات وآليات الرقابة.
من جانبه يرى الباحث في الشؤون السياسية الدكتور محمد اسماعيل أن استبعاد المؤتمر الوطني المحلول والمليشيات من العملية السياسية يتوافق مع مطالب قطاعات واسعة من القوى المدنية لكنه قد يثير اعتراضات من قوى أخرى ترى ضرورة إشراك جميع الأطراف للوصول إلى تسوية مستدامة.
🔸️رقابة دولية
ويشير الخبير الاستراتيجي والعسكري اللواء المتقاعد أمين إسماعيل مجذوب إلى أن هدنة تمتد لتسعين يوماً تعد فترة كافية لإعادة ترتيب المشهد العسكري إذا لم تكن مصحوبة برقابة دولية صارمة.
ويضيف أن نشر مراقبين دوليين يمكن أن يسهم في الحد من الخروقات لكنه لن يكون كافياً ما لم يصاحبه اتفاق واضح بشأن انسحاب القوات من المدن وخطوات عملية لنزع السلاح وتجميع القوات.
أما الخبير الأمني الفاتح محيي الدين فيرى أن أصعب بنود المقترح تتمثل في نزع سلاح آلاف المقاتلين وإعادة دمجهم في المجتمع أو المؤسسات النظامية وهي عملية تحتاج إلى سنوات وتمويل ضخم وإشراف دولي مستمر.
🔸️التحديات الأمنية
ويرى مختصون في الشأن الأمني أن إنهاء وجود المقاتلين الأجانب ووقف تدفق السلاح عبر الحدود يمثلان شرطاً أساسياً لنجاح أي اتفاق، إذ إن استمرار الإمدادات العسكرية قد يؤدي إلى انهيار الهدنة كما حدث في محاولات سابقة.
كما أن إنهاء المظاهر العسكرية في المدن، خاصة في شمال دارفور وشمال كردفان، يتطلب ترتيبات أمنية دقيقة تضمن حماية المدنيين وعدم حدوث فراغ أمني.
🔸️البعد الإنساني
اما العاملون في المجال الإنساني ينظرون إلى هدنة التسعين يوماً باعتبارها فرصة قد تكون الأهم منذ اندلاع الحرب. ويقول الخبير الإنساني السوداني عثمان البلولة إن ملايين السودانيين يعيشون أوضاعاً إنسانية بالغة الصعوبة وإن أي هدنة حقيقية ستتيح وصول الغذاء والدواء إلى المناطق المحاصرة وإعادة تشغيل المستشفيات وفتح الطرق أمام المنظمات الإنسانية.
وترى الباحثة في العمل الإنساني هبة محمد علي أن نجاح الهدنة ينبغي أن يقاس بمدى قدرة المدنيين على العودة إلى منازلهم واستئناف الخدمات الأساسية وليس فقط بانخفاض العمليات العسكرية
ويؤكد مختصون في الإغاثة أن السودان يحتاج بصورة عاجلة إلى إعادة تشغيل شبكات المياه والكهرباء والمرافق الصحية إضافة إلى ضمان وصول المساعدات إلى ملايين النازحين واللاجئين.
🔸️صندوق إعادة الإعمار
من أبرز ما يميز المقترح الأمريكي إنشاء صندوق لإعادة إعمار السودان يتولى تمويل إعادة بناء البنية التحتية والمؤسسات الحكومية والخدمات الأساسية إلى جانب إعداد برامج للتعافي الاقتصادي وخلق فرص العمل.
ويرى اقتصاديون أن نجاح هذا الصندوق يتوقف على تحقيق سلام مستدام لأن أي استثمارات دولية ستظل مهددة في ظل استمرار القتال.
🔸️هل تنجح المبادرة؟
يرى مراقبون أن فرص نجاح المقترح الأمريكي تعتمد على عدة عوامل، أبرزها قبول طرفي النزاع بالترتيبات الأمنية، ووقف التدخلات الخارجية وضمان تنفيذ الاتفاق عبر رقابة دولية فعالة إلى جانب توافق القوى المدنية على إدارة المرحلة الانتقالية
وفي المقابل فإن استمرار الخلاف حول انسحاب القوات من المدن أو آليات دمج القوات ونزع السلاح قد يؤدي إلى تعثر المبادرة قبل دخولها حيز التنفيذ
🔸️الخاتمة
وبين آمال السودانيين في نهاية للحرب والمخاوف من تكرار إخفاق المبادرات السابقة تبقى هدنة التسعين يوماً اختباراً حقيقياً لإرادة طرفي النزاع والمجتمع الدولي فإذا نجحت فقد تفتح الباب أمام سلام دائم وانتقال مدني وإعادة إعمار السودان الذي أنهكته الحرب أما إذا فشلت فقد يواجه السودان مرحلة أكثر تعقيداً مع استمرار الأزمة الإنسانية واتساع رقعة الصراع.




