الورقة الأمريكية ومستقبل السلام فى السودان : هل تكون هدنة التسعين يوماً بداية السلام أم استراحة لحرب مفتوحة؟

مركز الاستدامة للتنمية الاستِنارة
م.عبدالله موسى احمد – باحث
في تاريخ الأمم تأتي لحظات يصبح فيها استمرار الحرب انتحاراً جماعياً ويصبح السلام ضرورة وجودية لا خياراً سياسياً. ويبدو أن السودان يقف اليوم أمام واحدة من تلك اللحظات الفاصلة.
فبعد أكثر من ثلاثة أعوام للحرب التي اندلعت في 15 أبريل 2023، لم يعد السودان يواجه أزمة سياسية أو مواجهة عسكرية بين طرفين فحسب لكنه يواجه تهديداً حقيقياً لبقاء الدولة . فقد دُمّرت مدن ونزح ملايين المواطنين وتوقفت عجلة الاقتصاد وانهارت الخدمات الأساسية وأصبح ملايين السودانيين يعتمدون على المساعدات الإنسانية بينما تتراجع مؤسسات الدولة وتتآكل الثقة بين مكونات المجتمع.
في هذا السياق، جاءت الورقة الأمريكية التي حملها مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون الأفريقية والعربية مسعد بولس إلى المسؤولين السودانيين عن الصراع. متضمنة هدنة إنسانية لمدة تسعين يوماً وآليات لمراقبة وقف إطلاق النار وإيصال المساعدات ووقف التدخلات الخارجية والانطلاق نحو عملية سياسية مدنية تقود إلى وقف دائم للحرب.
لكن السؤال الحقيقي ليس في نصوص الورقة بل في البيئة التي ستُنفذ فيها. فالتاريخ والحقائق تعلمنا أن الاتفاقات لا تصنع السلام وحدها وإنما تصنعه الإرادة الوطنية الخالصة والثقة المتبادلة واستعداد الجميع اطراف الصراع لتقديم تنازلات من أجل الوطن.
لقد وقّع السودانيون عشرات الاتفاقيات خلال العقود الماضية لكن معظمها انتهى إلى الفشل لأنها كانت تعالج مظاهر الأزمة. بينما بقيت جذورها العميقة دون معالجة. ولذلك فإن الورقة الأمريكية مهما بلغت أهميتها لن تحقق أهدافها إذا لم تتحول إلى جزء من مشروع وطني سوداني شامل يعيد تعريف الدولة ويؤسس لعقد اجتماعي جديد يقوم على المواطنة والعدالة وسيادة حكم القانون.
الورقة الأمريكية تظل مبادرة بين الممكن والمأمول،
عند قراءة بنود المقترح الأمريكي يلاحظ أنها تستند إلى أربعة محاور رئيسية.
المحور الأول هو الجانب الإنساني من خلال وقف إطلاق النار لمدة تسعين يوماً وفتح الممرات الإنسانية وتأمين وصول الغذاء والدواء إلى ملايين المدنيين الذين يعيشون أوضاعاً مأساوية.
أما المحور الثاني فيتمثل في تثبيت التهدئة عبر إنشاء لجنة مشتركة للإشراف على تنفيذ الهدنة مع دعم أممي وإفريقي وعربي لمراقبة الالتزام ومنع الانتهاكات.
ويتعلق المحور الثالث بالجانب الأمني إذ يتضمن التفاوض حول وقف دائم لإطلاق النار وإعادة انتشار القوات وتجميعها في معسكرات وتنفيذ برامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج بما يضمن الوصول في نهاية المطاف إلى جيش وطني مهني موحد يخضع لسلطة مدنية منتخبة.
أما المحور الرابع فهو سياسي ويتمثل في إطلاق عملية انتقالية يقودها السودانيون تنتهي بقيام سلطة مدنية منتخبة مع إعادة الإعمار ومنع عودة الجماعات المسلحة أو التنظيمات التي تُتهم بتهديد استقرار الدولة.
ومن حيث الشكل والمضمون تبدو هذه البنود منطقية ومتوافقة مع مبادئ بناء السلام الحديثة. غير أن التجربة السودانية تؤكد أن العقبة الكبرى ليست في كتابة الاتفاقات لكن في تنفيذها.
لماذا تفشل مبادرات السلام في السودان؟
منذ استقلال السودان لم يكن البلد يفتقر إلى المبادرات بل كان يفتقر إلى الإرادة السياسية الجامعة.
ففي كل مرة كانت تُوقَّع فيها اتفاقية كان ينظر إليها بوصفها انتصاراً لطرف وهزيمة لطرف آخر وليس باعتبارها عقداً وطنياً يؤسس لدولة مستقرة.
كما أن معظم الاتفاقيات السابقة انطلقت من موازين القوة العسكرية ولم تنطلق من رؤية وطنية لبناء المؤسسات.
وفوق ذلك فإن تعدد الوسطاء الإقليميين والدوليين واختلاف أجنداتهم جعل السودان ساحة لتقاطع المصالح أكثر من كونه ساحة لحل الأزمة.
ولذلك فإن الورقة الأمريكية ستواجه المصير نفسه إذا لم تتوافر ثلاثة شروط أساسية هى إرادة سياسية صادقة وضمانات تنفيذ فعالة ومشاركة واسعة لكل مكونات المجتمع السوداني.
يظل من الخطأ اختزال حرب 15 أبريل في كونها مواجهة بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع. فالحرب في حقيقتها كشفت أزمة أعمق بكثير تتمثل في هشاشة الدولة الوطنية التي تأسست بعد الاستقلال وفشل النخب المتعاقبة في بناء مؤسسات قوية قادرة على إدارة التنوع وتحقيق العدالة والتنمية.
لقد ظلت السلطة في السودان تُدار بعقلية الغلبة لا بعقلية الشراكة وبمنطق السيطرة لا بمنطق بناء المؤسسات. وكما ظل الصراع على المركز أقوى من مشروع بناء الدولة فأصبحت الحكومات تتغير بينما تبقى الأزمة كما هي. ولذلك فإن إنهاء الحرب لا يكفي وحده لإنهاء الأزمة لأن السلام الحقيقي يبدأ عندما يُعاد بناء مؤسسات الدولة على أسس جديدة تُحقق المساواة بين المواطنين وتضمن توزيعاً عادلاً للسلطة والثروة وتُرسخ سيادة حكم القانون باعتبارها المرجعية العليا للجميع.
إن السودان لا يحتاج فقط إلى وقف إطلاق النار لكنه يحتاج إلى إعادة تأسيس الدولة على قاعدة المواطنة بحيث لا يشعر أي إقليم أو جماعة أو مكون اجتماعي بأنه خارج معادلة الوطن.
وهنا يكمن التحدي الأكبر أمام أي مبادرة سياسية سواء كانت أمريكية أو أفريقية أو سودانية خالصة فنجاحها لن يقاس بعدد البنود التي تتضمنها بل بقدرتها على معالجة جذور الأزمة التي أنتجت الحرب.
النخب السودانية عندما تصبح جزءاً من الأزمة، إذا كان من الصعب تحميل طرف واحد مسؤولية ما آلت إليه البلاد فمن الإنصاف القول إن النخب السودانية على اختلاف توجهاتها تتحمل قدراً كبيراً من المسؤولية التاريخية عن تعقيد الأزمة الوطنية.
فمنذ الاستقلال انشغلت النخب السياسية بصراعات السلطة أكثر من انشغالها ببناء الدولة. وتعاقبت الحكومات والانقلابات والانتفاضات والاتفاقيات بينما بقي المواطن السوداني ينتظر مشروعاً وطنياً جامعاً لم يرَ النور. ولم تكن النخبة العسكرية وحدها مسؤولة عن هذا الواقع فقد أخفقت الأحزاب السياسية أيضاً في تطوير مؤسساتها الداخلية وغلبت الولاءات الشخصية والجهوية على البرامج الوطنية.
كما ساهم الاستقطاب الأيديولوجي الحاد في تحويل الخلاف السياسي إلى صراع وجودي بحيث أصبح الخصم عدواً يجب إقصاؤه لا شريكاً يمكن التنافس معه ديمقراطياً.
أما بعض المثقفين والإعلاميين فقد انجرفوا في خضم الاستقطاب وتحولت أقلام ومنابر كان يُفترض أن تدعو إلى الحكمة والتوافق إلى أدوات للتعبئة والتحريض وتبرير العنف. وهكذا خسر السودان أحد أهم خطوط الدفاع عن السلم الأهلي وهو الخطاب الثقافي الرشيد.
لقد أثبتت الحرب أن الدولة لا تسقط بالسلاح وحده لكنها تسقط أيضاً عندما تفقد نخبها القدرة على إدارة الاختلاف بعقلانية وعندما يصبح الانتصار السياسي أهم من بقاء الوطن.
البعد الثقافي وأزمة هوية، لا يمكن فهم الحرب السودانية بعيداً عن سؤال الهوية.
فالسودان بلد متعدد الأعراق والثقافات واللغات والمعتقدات وكان يمكن لهذا التنوع أن يكون مصدر قوة لكنه تحول عبر عقود إلى مصدر للتنافس والصراع بسبب غياب مشروع وطني يعترف بهذا التنوع ويستثمره. لقد أدت السياسات المركزية والشعور بالتهميش في عدد من الأقاليم إلى اتساع فجوة الثقة بين المركز والأطراف. ومع مرور الزمن أصبحت الانتماءات القبلية والجهوية في بعض الأحيان أقوى من الانتماء الوطني وهو أمر لا يمكن معالجته بالحلول الأمنية وحدها.
إن السلام المستدام يحتاج إلى مشروع ثقافي جديد يعيد الاعتبار لفكرة المواطنة ويغرس في الأجيال الجديدة أن اختلاف الثقافات ليس تهديداً للدولة بل مصدر ثراء لها. وكما يحتاج السودان إلى مراجعة المناهج التعليمية والخطاب الإعلامي والأنشطة الثقافية بما يعزز قيم التعايش والتسامح واحترام التنوع.
المجتمع السودانى الخاسر الأكبر، الحروب لا تُقاس بعدد المعارك وإنما بعدد الأرواح التي تفقدت حياتها إلى الأبد. لقد دفعت الأسرة السودانية ثمناً باهظاً لهذه الحرب.
فهناك أطفال حُرموا من التعليم وشباب فقدوا فرص العمل وأسر تفرقت بين النزوح واللجوء وأمهات فقدن أبناءهن ومجتمعات انهارت فيها شبكات التكافل التقليدية تحت ضغط النزوح والفقر. وكما تركت الحرب آثاراً نفسية عميقة ستستمر سنوات طويلة وهو جانب كثيراً ما يُغفل في مفاوضات السلام. فإعادة بناء الإنسان لا تقل أهمية عن إعادة بناء الجسور والمطارات والمستشفيات.
ولهذا ينبغي أن تتضمن أي خطة للسلام برامج متخصصة للدعم النفسي والاجتماعي ورعاية الأطفال وتأهيل الشباب وتمكين النساء وإعادة دمج النازحين واللاجئين في مجتمعاتهم.
الاقتصاد بعد السلام يبدأ من لقمة العيش، لا يمكن أن يعيش السلام في بيئة يهيمن عليها الفقر والبطالة وانعدام الأمل.
لقد أدت الحرب إلى تراجع الإنتاج الزراعي والصناعي وتوقف آلاف المشروعات الصغيرة وتعطل حركة التجارة وتضرر البنية التحتية وانخفاض الإيرادات العامة وارتفاع معدلات التضخم والفقر.
وإذا انتهت الحرب دون برنامج اقتصادي واضح فإن أسباب الصراع ستظل قائمة.
لذلك فإن إعادة الإعمار يجب ألا تُختزل في إعادة بناء المباني بل تشمل إعادة تشغيل المصانع وتأهيل المشاريع الزراعية واستعادة الخدمات وتشجيع الاستثمار وخلق فرص عمل للشباب حتى يشعر المواطن بأن السلام غيّر حياته فعلاً.
إن السلام الذي لا يحسن معيشة الناس يبقى سلاماً هشاً، قابلاً للانهيار عند أول أزمة.
المجتمع المدني الشريك الذي لا يجوز تهميشه، أثبتت التجربة خلال سنوات الحرب أن منظمات المجتمع المدني ولجان المبادرات الشعبية والمتطوعين كانوا في كثير من المناطق خط الدفاع الأول عن المجتمع.
فهم الذين نظموا حملات الإغاثة وأقاموا المطابخ المجتمعية وساعدوا المرضى وساندوا الأسر النازحة وحافظوا على الحد الأدنى من التماسك الاجتماعي.
ومع ذلك، لا تزال هذه القوى بعيدة عن مراكز اتخاذ القرار في معظم المبادرات السياسية.
إن السلام الحقيقي لا يصنعه السياسيون وحدهم لكن تصنعه المجتمعات المحلية أيضاً.
ومن هنا، فإن إشراك المجتمع المدني والإدارات الأهلية والقيادات المجتمعية والنساء والشباب في أي عملية تفاوض ليس ترفاً سياسياً بل ضرورة لضمان تنفيذ أي اتفاق على الأرض.
ماذا نتعلم من تجارب العالم؟، لم تكن جنوب أفريقيا أقل انقساماً من السودان لكنها اختارت المصالحة بدلاً من الانتقام. ولم تكن رواندا أقل مأساوية بعد الإبادة الجماعية لكنها استثمرت في العدالة والمصالحة وإعادة بناء المؤسسات.
وفي كولومبيا استغرق إنهاء الصراع المسلح سنوات طويلة من التفاوض لكنه أثبت أن الصبر السياسي يمكن أن يحقق ما عجزت عنه البنادق. أما أيرلندا الشمالية فقد بينت أن الحوار بين الخصوم مهما طال الصراع يظل أقل تكلفة من استمرار الحرب. هذه التجارب لا يمكن نقلها حرفياً إلى السودان لكنها تقدم دروساً مشتركاً ولا سلام دائماً من دون إرادة سياسية وعدالة انتقالية ومؤسسات قوية ومشاركة مجتمعية واسعة.
ومن هنا، فإن نجاح أي مبادرة في السودان يتطلب أن تكون سودانية في رؤيتها تستفيد من الخبرات الدولية لكنها لا تستنسخها لأن لكل مجتمع خصوصيته التاريخية والثقافية.
ويبقى الرهان الحقيقي على قدرة السودانيين على تحويل معاناة الحرب إلى فرصة لإعادة تأسيس وطن يتسع للجميع بعيداً عن منطق الغلبة والإقصاء الذي أثبت فشله عبر العقود.
التفكير من خارج الصندوق للسلام وكيف يمكن للسودانيين أن يصنعوا سلاماً مختلفاً؟
لقد أثبتت التجارب السودانية المتعاقبة أن تكرار الأدوات نفسها لن يقود إلى نتائج مختلفة. فمنذ اتفاقية أديس أبابا عام 1972 مروراً باتفاقية السلام الشامل عام 2005 واتفاق ابوجا ووثيقة الدوحة واتفاق جوبا للسلام، والوثيقة الدستورية والاتفاق الإطاري، ظل التركيز منصباً على تقاسم السلطة والترتيبات الأمنية بينما بقيت قضايا بناء الدولة والتنمية المتوازنة والعدالة الاجتماعية وإصلاح مؤسسات الحكم في مرتبة متأخرة.
لذلك فإن السودان يحتاج اليوم إلى رؤية جديدة تتجاوز منطق المحاصصة السياسية وتنتقل إلى مشروع وطني لإعادة تأسيس الدولة وفق الاتى :
أولاً وقف الحرب دون غالب أو مغلوب
المدخل الحقيقي لأي تسوية هو الاعتراف بأن استمرار الحرب لن يحقق نصراً كاملاً لأي طرف وأن كلفة استمرارها أصبحت أكبر من أي مكسب عسكري أو سياسي. ومن ثم ينبغي أن يكون وقف إطلاق النار التزاماً متبادلاً تُدعمه ضمانات إقليمية ودولية ويقوم على حماية المدنيين وفتح الممرات الإنسانية بعيداً عن أي شروط مسبقة تؤدي إلى إفشال التفاوض قبل أن يبدأ.
ثانياً : مؤتمر سوداني جامع ان امكن داخل السودان بدلاً من أن تظل العواصم الخارجية هي مكان صناعة مستقبل السودان، يمكن التفكير في عقد مؤتمر وطني داخل مدينة سودانية آمنة متى ما توافرت الظروف، أو في منطقة محايدة داخل البلاد، يضم كل من
القوات المسلحة وقوات الدعم السريع إذا التزموا بوقف إطلاق النار ضمن أي ترتيبات يتم الاتفاق عليها ويشمل القوى السياسية والحركات المسلحة والإدارات الأهلية والطرق الصوفية والنساء والشباب والنقابات المهنية ورجال الأعمال وممثلي اللاجئين والنازحين والخبراء والأكاديميين ويكون الهدف هو الاتفاق على شكل الدولة وليس مجرد تقاسم السلطة.
ثالثاً تكوين مجلس حكماء وطني هى من الأفكار التي تستحق الدراسة إنشاء مجلس حكماء يضم شخصيات قومية مشهوداً لها بالنزاهة والخبرة والاستقلال تكون مهمته تقريب وجهات النظر ومراقبة تنفيذ الاتفاقات واحتواء الأزمات قبل تحولها إلى صراعات مسلحة.
فالدول الخارجة من النزاعات تحتاج إلى مرجعيات وطنية تحظى بثقة المجتمع.
رابعاً العدالة الانتقالية، لا يمكن بناء سلام دائم من دون معالجة آثار الحرب. وغير أن العدالة لا ينبغي أن تتحول إلى وسيلة للانتقام و كما لا يجوز أن تكون المصالحة غطاءً للإفلات من المساءلة.
ومن ثم، فإن السودان يحتاج إلى منظومة عدالة انتقالية مستقلة تنصف الضحايا وتكشف الحقيقة وتعوض المتضررين وتضمن عدم تكرار الانتهاكات وفق القانون والمعايير الوطنية والدولية.
خامساً إعادة الإعمار تبدأ بالإنسان، ان إعادة الإعمار ليست مجرد تشييد طرق وجسور ومحطات كهرباء بل تبدأ بإعادة بناء الإنسان. ويستلزم ذلك برنامجاً وطنياً واسعاً يشمل إعادة تأهيل المدارس والجامعات ودعم النظام الصحي وبرامج لمعالجة الآثار النفسية للحرب
وتمكين الشباب اقتصادياً ودعم المرأة في جهود التعافي وتشجيع عودة الكفاءات السودانية في المهجر والاستثمار في التكنولوجيا والتعليم والاقتصاد الرقمي. فالدول الحديثة تُبنى بالعقول قبل الإسمنت.
سادساً الاقتصاد بوصفه مشروعاً للسلام، يمكن تحويل إعادة الإعمار إلى مشروع اقتصادي وطني يخلق فرص عمل لمئات الآلاف من الشباب. كما يمكن توجيه الاستثمارات نحو الزراعة والتعدين والطاقة المتجددة، والصناعات التحويلي، والنقل والبنية التحتية بما يعزز التنمية المتوازنة بين جميع الأقاليم ويقلل دوافع النزاعات المرتبطة بالتهميش.
سابعاً الإعلام شريك في صناعة السلام لقد كشفت الحرب خطورة الإعلام غير المهني وخطاب الكراهية.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى ميثاق إعلامي وطني يعزز ثقافة الحوار ويكافح خطاب التحريض ويفتح المجال أمام النقاش المسؤول لأن الكلمة قد تمنع حرباً كما قد تشعلها.
ثامناً دور المجتمع الدولي، يبقى المجتمع الدولي شريكاً مهماً في دعم السلام عبر المساعدة الإنسانية ودعم إعادة الإعمار وتقديم الخبرات الفنية ومساندة جهود الوساطة. لكن نجاح أي مبادرة يظل مرهوناً بامتلاك السودانيين أنفسهم لقرارهم الوطني لأن السلام الذي يُفرض من الخارج يصعب أن يصمد إذا لم يجد قبولاً وإرادة داخلية.
قد تُشكّل الورقة الأمريكية فرصة لإيقاف نزيف الدم، لكنها لن تكون حلاً سحرياً إذا بقيت الأزمة تُدار بالعقلية التي أنتجت الحرب.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن البنادق تستطيع السيطرة على المدن لكنها لا تستطيع بناء الدول. وأن القوة قد تحسم معركة لكنها لا تصنع وطناً مستقراً.
إن السودان يقف اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما إما استمرار دورة الحرب بما تحمله من مزيد من الانهيار والتشظي وإما الشروع في مشروع وطني جديد يؤسس لدولة القانون والمواطنة والعدالة والتنمية ويستفيد من دروس الماضي بدلاً من تكرارها.
لقد آن الأوان لأن تنتقل النخب السودانية من ثقافة المغالبة إلى ثقافة المشاركة ومن إدارة الأزمات إلى صناعة المستقبل وأن تدرك جميع الأطراف أن أكبر انتصار ليس هزيمة الخصم بل إنقاذ الوطن.
فالأوطان لا تُقاس بما كسبته الجيوش في ساحات القتال وإنما بما كسبه المواطن من أمن وكرامة وعدالة وفرص للحياة. وإذا نجح السودانيون في تحويل هذه الهدنة مؤقتة إلى سلام دائم فإنهم لن يوقفوا حرباً فحسب لكنهم سيؤسسون لمرحلة جديدة في تاريخ السودان يكون عنوانها وطن يتسع للجميع ودولة تحكمها المؤسسات ومستقبل تصنعه الإرادة الوطنية لا أصوات المدافع.




