رياضة

استراحة الجمعة : كاس العالم ٢٠٢٦ افريقيا بين الموهبة والصناعةلماذا يتوقف الحلم الأفريقي قبل الأدوار الحاسمة؟

مركز الاستدامة للتنمية والاستينارة
عبدالله موسى احمد

في كل نسخة من كأس العالم تعود القارة الأفريقية لتفرض نفسها على المشهد الكروي العالمي. تدخل منتخباتها البطولة بثقة وشجاعة وتقدم مباريات تبهر المتابعين بما تمتلكه من سرعة وقوة بدنية ومهارات فردية وروح قتالية لا تخطئها العين. تمتلئ المدرجات بالأعلام الأفريقية ويصبح المشجع الأفريقي بألوانه الزاهية وأهازيجه المتفردة أحد أبرز عناوين البطولة
وحتى قيل فى مرات كثيرة إن الجماهير الأفريقية هي ملح المونديال وفاكهته.


لكن وعلى الرغم من هذا الحضور الفني والجماهيري اللافت يتكرر سؤال مؤلم بعد نهاية كل بطولة لماذا تتوقف معظم المنتخبات الأفريقية عند حدود الأدوار الأولى أو دور الـ32 ولا تنجح في التحول إلى منافس دائم على الأدوار المتقدمة؟ وخاضة اليوم بعد الانجاز التاريخى ببلغ تسعة منتخبات لدور ال٣٢.


إن الإجابة لا يمكن اختزالها في خطأ مدرب أو هفوة لاعب أو قرار حكم وإنما هي قضية ترتبط ببنية كرة القدم الأفريقية بأكملها من المدارس الكروية إلى الإدارة ومن الاستثمار إلى الاحتراف ومن التخطيط إلى الثقافة الرياضية.


وهنا لقد أثبتت منتخبات أفريقيا أنها لم تعد الحلقة الأضعف في كرة القدم العالمية لكنها لم تصل بعد إلى مرحلة القدرة على المحافظة على المستوى بالذات حتى تصل للأدوار الحاسمة حيث تصبح التفاصيل الصغيرة هي الفارق بين البطل والمودع.

وإلقاء اللوم على اللاعبين يبدو التفسير الأسهل لكنه ليس الأكثر دقة. فالكرة الأفريقية تزخر بمواهب استثنائية وبل إن عدداً كبيراً من نجوم أكبر الأندية الأوروبية هم من أبناء القارة السمراء وهذا يعني أن نقص المهارة الفردية ليس هو المشكلة الحقيقية.


غير أن المنافسات الكبرى لا تُحسم بالموهبة وحدها بل بقدرة الفريق على إدارة المباراة والمحافظة على التركيز والتعامل مع الضغوط النفسية واستثمار الفرص والالتزام بالخطة طوال تسعين دقيقة وربما أكثر. وفي كثير من المباريات ظهرت المنتخبات الأفريقية متفوقة فنياً في فترات طويلة لكنها تفقد تركيزها في دقائق حاسمة وهو ما كلفها أهدافاً قاتلة أو إهدار فرص كانت كفيلة بتغيير مسار البطولة.

ويرى عدد من المحللين الرياضيين أن الفارق بين المنتخبات الكبرى والمنتخبات الطامحة غالباً ما يصنعه المدرب.
فالمدرب الحديث لم يعد مجرد واضع للتشكيلة لكنه أصبح مديراً للمشروع الفني بأكمله يقرأ المنافس ويغيّر أسلوب اللعب أثناء المباراة ويستثمر إمكانات لاعبيه بأعلى كفاءة.


وفي المقابل، عانت بعض المنتخبات الأفريقية من تأخر في التبديلات أو ضعف في قراءة مجريات اللقاء أو الاعتماد المفرط على المهارات الفردية دون حلول تكتيكية متنوعة.
ويرى عدد من الخبراء أن المنتخبات التي تحقق الإنجازات العالمية هي تلك التي تمتلك استقراراً فنياً يمتد لسنوات وبينما لا تزال بعض المنتخبات الأفريقية تغيّر أجهزتها الفنية بصورة متكررة وهو ما ينعكس سلباً على بناء الهوية الكروية.


الإدار، تكاد تجمع آراء المتخصصين في الشأن الرياضي على أن الإدارة هي العامل الأكثر تأثيراً في نجاح أي مشروع كروي. ففي العديد من الدول الأفريقية لا تزال الاتحادات الرياضية تعاني مشكلات تتعلق بالتخطيط والاستقرار الإداري وضعف الحوكمة وقصور الاستثمار في الفئات السنية وأحياناً الصراعات الداخلية التي تنعكس مباشرة على المنتخب الوطني. وبينما تعمل الاتحادات في الدول المتقدمة وفق خطط تمتد لعشر سنوات أو أكثر وتنشغل بعض الإدارات الأفريقية بمعالجة الأزمات اليومية فتغيب الرؤية طويلة المدى.


ومن هنا هل تكفي الموهبة دون صناعة؟ لقد انتهى الزمن الذي كانت فيه الموهبة وحدها تصنع البطولات. كرة القدم الحديثة أصبحت صناعة متكاملة تبدأ من الأكاديميات وتمر بالعلوم الرياضية والتحليل الرقمي والتغذية والطب الرياضي والإعداد النفسي وإدارة الأحمال البدنية وانتهاءً بالتخطيط الاقتصادي.
ولذلك لم تعد البطولات العالمية تُحسم فقط داخل المستطيل الأخضر وإنما تبدأ قبل سنوات داخل مراكز التدريب وغرف التحليل ومختبرات الأداء.
إن أوروبا لم تتقدم لأنها تملك لاعبين أكثر موهبة وإنما لأنها نجحت في تحويل الموهبة إلى صناعة احترافية متكاملة.

البنية التحتيةهى الفارق الحقيقي. لا يمكن لأي مشروع رياضي أن يحقق النجاح دون بنية تحتية قوية.
فالمنتخبات الكبرى تستفيد من ملاعب حديثة ومراكز تدريب متطورة ودوريات قوية وأكاديميات احترافية ونظم اكتشاف للمواهب منذ الطفولة. أما في عدد من الدول الأفريقية فلا تزال الملاعب ومراكز التدريب أقل من الطموح كما تعاني مسابقات الدوري المحلي من مشكلات مالية وتنظيمية تحد من تطور اللاعب.
وهذا الفارق يظهر بوضوح عندما تصل البطولة إلى مراحلها الحاسمة حيث تصبح اللياقة والجاهزية والانضباط التكتيكي عوامل حاسمة.

الجماهير هى الخاسر الأكبر. ربما كانت الجماهير الأفريقية أكثر من دفع ثمن هذا التعثر. فقد صنعت أجواء استثنائية في المدرجات وحولت مباريات منتخباتها إلى مهرجانات كروية نابضة بالحياة وكانت مثالاً للشغف والانتماء. غير أن هذا الحضور الجماهيري الصاخب لم يجد النهاية التي كان يحلم بها. وخرجت الجماهير وهي تحمل شعوراً مزدوجاً فخورة بما قدمته منتخباتها من أداء لكنها حزينة لأن هذا الأداء لم يتحول إلى إنجاز تاريخي. ولقد أثبت المشجع الأفريقي أنه أحد أهم عناصر نجاح البطولة لكنه ينتظر أن يرى منتخباً من قارته ينافس بانتظام على اللقب لا أن يكتفي بالأداء المشرف.

من هنا، رى خبراء كرة القدم أن مستقبل الكرة الأفريقية لا يعتمد على إنتاج المزيد من المواهب فالمواهب موجودة بالفعل وإنما على بناء منظومة احترافية متكاملة. ويؤكدون أن الطريق إلى المنافسة العالمية يبدأ عبر تطوير مسابقات الدوري المحلي والاستثمار في الأكاديميات وتأهيل المدربين الوطنيين وتحديث الإدارة الرياضية وتعزيز علوم الأداء والتحليل والطب الرياضي مع توفير استقرار إداري وفني بعيداً عن القرارات الانفعالية. وكما يشددون على أن نجاح منتخب أو اثنين لا يكفي بل المطلوب بناء منظومة تجعل المنافسة على الأدوار المتقدمة هدفاً دائماً لا استثناءً.

ولم تعد كرة القدم مجرد لعبة تعتمد على الإبداع الفردي. بل إنها اليوم مشروع اقتصادي وعلمي وإداري متكامل. وإذا كانت أفريقيا قد أثبتت أنها تمتلك الموهبة والشجاعة والروح القتالية فإن الخطوة التالية تتمثل في امتلاك الصناعة الرياضية الحديثة.
فالمنتخبات التي تحرز البطولات لا تعتمد على جيل ذهبي واحد وإنما على منظومة قادرة على إنتاج أجيال متعاقبة من اللاعبين والمدربين والإداريين.

هنا، لا ينبغي النظر إلى تعثر المنتخبات الأفريقية بوصفه فشلاً بل باعتباره مؤشراً على أن القارة قطعت نصف الطريق وما زال أمامها النصف الآخر. فاللاعب الأفريقي أثبت أنه قادر على منافسة أفضل لاعبي العالم والجماهير أثبتت أنها الأكثر شغفاً وتأثيراً لكن الطريق نحو منصات التتويج يمر عبر الإدارة الرشيدة والتخطيط طويل المدى والبنية التحتية الحديثة والدوريات القوية والأكاديميات المتخصصة والاستثمار في العلوم الرياضية.

وعندها ستتحول الموهبة إلى صناعة والشغف إلى مشروع رياضى والإبداع إلى منظومة مؤسسية ولن يكون وصول منتخب أفريقي إلى نصف النهائي أو النهائي حدثاً استثنائياً لكنه يصبح نتيجة طبيعية لعمل طويل ومدروس. وعندها فقط ستكتب القارة السمراء فصلاً جديداً في تاريخ كرة القدم العالمية لا يكتفي بإبهار الجماهير بل يتوج ذلك لإنجاز برفع الكأس التي طال انتظارها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى