مقالات

جبل العقيدات (١-١) : هجرة الخبرة السودانية في التعدين وضياع رأس المال البشري على الحدود

مركز الاستدامة للتنمية والاستينارة
عبدالله موسى احمد

لم تعد الثروة المعدنية في العصر الحديث تُقاس بما تختزنه باطن الأرض من ذهب ومعادن فحسب وإنما بما تمتلكه الدول من خبرات بشرية قادرة على اكتشاف تلك الثروات واستغلالها بكفاءة وأمان واستدامة. وفي هذا المضمار يمتلك السودان إحدى أهم الثروات غير المنظورة في القارة الإفريقية فهي ليست مناجم الذهب المنتشرة على امتداد أراضيه وإنما آلاف الرجال الذين صنعوا عبر عقود من العمل الشاق مدرسة سودانية متفردة في التعدين الأهلي حتى غدت خبراتهم محل تقدير في كثير من دول الجوار.

ورغم هذه المكانة فإن المفارقة المؤلمة تتمثل في أن هذه الخبرات الوطنية التي كان ينبغي أن تكون أحد أعمدة الاقتصاد السوداني أصبحت تتنقل بين الصحارى والحدود بحثًا عن لقمة العيش وبينما يظل الوطن عاجزًا عن استيعابها وتنظيمها والاستفادة منها. وما أثير حول أوضاع المعدنين السودانيين في منطقة جبل العقيدات بالقرب من الحدود المصرية أعاد هذه الموضوع إلى واجهة النقاش وطرح سؤالًا جوهريًا لماذا أصبح أصحاب الخبرة السودانية في التعدين يعملون خارج المظلة الوطنية معرضين للمخاطر الأمنية والإنسانية والقانونية؟

إن السودان لا يملك مجرد عمال تعدين لكنه يمتلك خبرات تراكمت عبر عشرات السنين في التنقيب عن الذهب. فمنذ توسع التعدين الأهلي بصورة كبيرة خلال العقدين الماضيين تشكلت خبرة عملية واسعة في قراءة التكوينات الجيولوجية وتتبع عروق الكوارتز الحاملة للذهب وتحديد المناطق الواعدة وحفر الآبار والأنفاق وتشغيل الطواحين والكسارات وإدارة مواقع التعدين في أكثر البيئات الطبيعية قسوة.

وهذه المهارات لم تُكتسب في المعاهد والجامعات وحدها بل ولدت من احتكاك مباشر بالأرض والصخر ومن تجارب يومية امتدت من صحراء النوبة شمالًا إلى جبال البحر الأحمر ومن صحارى كردفان إلى سهول دارفور. ولذلك أصبح المعدّن السوداني في نظر كثير من العاملين في القطاع مرجعًا عمليًا في التعدين التقليدي يتمتع بخبرة ميدانية يصعب تعويضها.

ولم يكن مستغربًا أن تنتقل هذه الخبرات إلى خارج الحدود. فقد شهدت السنوات الماضية توجه أعداد كبيرة من المعدنين السودانيين إلى مصر وتشاد وإفريقيا الوسطى وجنوب السودان وليبيا والنيجر وغيرها حيث أسهموا في تشغيل مواقع التعدين وتدريب العمالة المحلية وإدارة عمليات الاستخلاص ونقل المعرفة الفنية التي اكتسبوها داخل السودان.

وهنا تكمن المفارقة الكبرى فبينما تستفيد دول أخرى من هذه الخبرات لا يزال السودان يخسر جزءًا مهمًا من رأس ماله البشري نتيجة غياب السياسات القادرة على تحويل التعدين الأهلي إلى صناعة حديثة ومنظمة. فالتعدين الأهلي لم يعد نشاطًا هامشيًا لكنة أصبح قطاعًا اقتصاديًا يوفر سبل العيش لملايين السودانيين ويشكل أحد أهم مصادر إنتاج الذهب في البلاد.

ومن هذا المنطلق فإن ما ارتبط بمنطقة جبل العقيدات لا ينبغي النظر إليه باعتباره مجرد واقعة حدودية أو حادثة منفصلة لكن باعتباره تجسيدًا لمشكلة أعمق تتعلق بمصير الخبرة السودانية في التعدين. فعندما يضطر أصحاب الخبرة إلى العمل في مناطق نائية خارج الحدود فإنهم يواجهون تحديات متعددة تشمل المخاطر الطبيعية وتعقيدات الأوضاع الأمنية واختلاف الأنظمة القانونية وصعوبة الوصول إلى الحماية القنصلية والخدمات الأساسية.

إن القضية هنا ليست قضية أفراد فحسب بل قضية وطن يفقد تدريجيًا إحدى أهم ميزاته التنافسية. فالدول التي نجحت في بناء صناعات تعدين قوية لم تعتمد على الثروة المعدنية وحدها وإنما استثمرت في الإنسان وأقامت منظومات تدريب وتأهيل وطورت التشريعات ووفرت التمويل والتقنيات الحديثة وربطت التعدين بالبحث العلمي والصناعة والخدمات اللوجستية.

أما في السودان فما زالت الخبرة الميدانية الواسعة تعمل في إطار تقليدي رغم أنها تمثل قاعدة يمكن البناء عليها للانتقال إلى التعدين الحديث. فلو جرى تنظيم التعدين الأهلي وإنشاء معاهد وطنية متخصصة لتأهيل المعدنين وتوفير تقنيات استخلاص آمنة وصديقة للبيئة وتسهيل حصول المعدنين على التمويل والمعدات لأصبح السودان مركزًا إقليميًا لتطوير التعدين صغير النطاق ولتحولت الخبرة السودانية إلى سلعة معرفية قابلة للتصدير لا مجرد قوة عمل تبحث عن فرص خارج الوطن.

إن العالم اليوم يتجه نحو تنافس محموم على المعادن الإستراتيجية التي تدخل في الصناعات الإلكترونية وتقنيات الذكاء الاصطناعي والطاقة النظيفة والبطاريات وأشباه الموصلات. ويملك السودان من المقومات الجيولوجية والبشرية ما يؤهله ليكون لاعبًا مؤثرًا في هذا المجال لكن ذلك لن يتحقق ما لم يُنظر إلى المعدّن السوداني بوصفه شريكًا في التنمية لا مجرد عامل ينتج الذهب.

ومن هنا فإن المطلوب ليس الاكتفاء بالتعاطف مع المعدنين عندما يتعرضون للمخاطر ولكن علينا بناء سياسة وطنية شاملة تعترف بقيمة هذه الخبرات وتحميها وتوفر لها البيئة القانونية والاقتصادية التي تستحقها. كما أن حماية المواطنين العاملين في المناطق الحدودية وتعزيز التنسيق مع الدول المجاورة وتقديم الدعم القنصلي والإنساني لهم تمثل مسؤولية وطنية لا تقل أهمية عن حماية الثروات الطبيعية نفسها.

لقد أثبت المعدّن السوداني خلال سنوات طويلة أنه قادر على العمل في أقسى البيئات واكتشاف الذهب في أكثر المناطق وعورة وتحويل الصحراء إلى مواقع إنتاج. لكن ما يحتاج إليه اليوم ليس مزيدًا من المخاطرة بل مزيدًا من الرؤية الوطنية التي تحول هذه الخبرة المتراكمة إلى مشروع اقتصادي وتنموي مستدام.

إن جبل العقيدات بما حمله من دلالات إنسانية ووطنية يجب أن يكون نقطة انطلاق لمراجعة شاملة لسياسات التعدين في السودان. فالثروة الحقيقية ليست الذهب المدفون في باطن الأرض وحده وإنما الإنسان الذي يعرف كيف يصل إليه. وإذا استمر نزيف الخبرات إلى خارج الحدود فإن السودان لن يخسر أفرادًا فحسب لكنه سيخسر مدرسة كاملة في التعدين الأهلي تشكلت عبر عقود من الكفاح والعمل والخبرة.

وفي النهاية فإن الدول العظيمة لا تقاس فقط بما تملكه من موارد وإنما بقدرتها على حماية عقول وسواعد أبنائها واستثمارها. والسودان اليوم أمام فرصة تاريخية لإعادة الاعتبار للمعدّن السوداني وتحويل خبرته إلى قوة اقتصادية وطنية قبل أن تصبح هذه الخبرة ثروة تستفيد منها دول أخرى بينما يظل الوطن يدفع ثمن إهمالها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى