عبدالله موسي : منصات التواصل الاجتماعى صنعت فضاءً للفكر الحر ورسخت ثقافة الحوار المسؤول !

مركز الاستدامة للتنمية والاستينارة
عبدالله موسى احمد
في زمنٍ تتسع فيه مساحات الاستقطاب وتتراجع فيه لغة الحوار أمام ضجيج الانقسام تبرز تجارب تستحق التقدير والاحتفاء، لأنها تقدم نموذجاً عملياً لما يمكن أن يكون عليه النقاش العام عندما تحكمه قيم الاحترام والعقلانية. ومن بين هذه التجارب تبرز قروبات منصات التواصل الاجتماعى بوصفها واحداً من أهم الفضاءات الفكرية والاجتماعية التي نجحت في جمع السودانيين على اختلاف مشاربهم السياسية والفكرية والثقافية والجهوية تحت سقف واحد عنوانه الحوار.
ولم يكن نجاح قروبات منصات التواصل الاجتماعى وليد الصدفة لكنها جاء نتيجة تراكم من الممارسات التي جعلت منها منبراً حقيقياً لتبادل الرأي والرأي الآخر بعيداً عن الإقصاء والتخوين وقريباً من قيم المسؤولية الوطنية التي يحتاج إليها السودان في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخه.
لقد استطاعة قروبات منصات التواصل الاجتماعى ان تقدم نموذجاً مختلفاً عن كثير من منصات التواصل الاجتماعي التي تحولت إلى ساحات للصراع اللفظي ونشر الكراهية. ففي هذه قروبات يلتقي الليبرالي واليساري مع القومي والمستقل مع الناشط المدني ومع الذين يدعمون الحرب والذين يقولونا لا حرب . كما يجتمع فية أبناء مختلف الأقاليم والإثنيات والثقافات السودانية في مساحة واحدة يتناقشون ويختلفون ويتفقون لكنهم يحافظون على احترام الإنسان قبل الفكرة.
إن القيمة الحقيقية لأي مجتمع لا تكمن في تشابه أفراده وإنما في قدرتهم على إدارة اختلافاتهم بصورة حضارية. وهذه القيمة جسدها أعضاء قروبات منصات التواصل الاجتماعى من خلال حوارات ثرية تناولت السياسة والاقتصاد والاجتماع والثقافة والتاريخ والإعلام والتعليم والتنمية وقضايا السلام والحرب ومستقبل الدولة السودانية.
ولعل أبرز ما يميز قروبات منصات التواصل الاجتماعى أنها لم تتحول إلى منصة للدعاية السياسية أو الترويج لتيار بعينه بل ظل مساحة مفتوحة أمام الجميع حيث تُعرض الآراء المختلفة وتُناقش بالحجة والمنطق وهو ما أسهم في إثراء الوعي السياسي والاجتماعي لدى الأعضاء وخلق بيئة معرفية قائمة على احترام التنوع الفكري.
كما لعبة قروبات منصات التواصل الاجتماعى دوراً مهماً في تنمية مهارات الحوار والكتابة والتحليل لدى كثير من أعضائها إذ تحولت النقاشات اليومية إلى ورش فكرية مفتوحة يتبادل فيها المشاركون الخبرات والمعارف ويستفيد كل طرف من رؤية الآخر حتى وإن اختلف معه.
وفي بلد متعدد الثقافات والأعراق والانتماءات مثل السودان فإن بناء جسور الثقة بين مكونات المجتمع لا يتم عبر الشعارات وإنما عبر الحوار المستمر والتعارف الإنساني. ومن هذه الزاوية يمكن النظر إلى قروبات منصات التواصل الاجتماعة باعتبارها تجربة مجتمعية ساهمت في تقليص المسافات النفسية بين أبناء الوطن ورسخت فكرة أن التنوع مصدر قوة لا سبب للانقسام.
ولا يقل أهمية عن ذلك الدور الذي يؤديه مشرفو قروبات منصات التواصل الاجتماعى وإداريها في المحافظة على بيئة نقاش متوازن من خلال الالتزام بالضوابط الأخلاقية واحترام الرأي الآخر بما يضمن استمرار الحوار في إطار حضاري بعيداً عن الإساءة الشخصية وخطاب الكراهية.
إن السودان وهو يواجه تحديات سياسية واجتماعية واقتصادية معقدة يحتاج إلى مثل هذه المنصات التي تعيد الاعتبار للكلمة المسؤولة وتمنح العقول فرصة للتفكير المشترك وتسهم في بناء ثقافة وطنية جديدة تقوم على قبول الاختلاف والاحتكام إلى المنطق لا إلى الانفعال.
لقد أثبت قروبات منصات التواصل الاجتماعى أن الحوار ليس ترفاً فكرياً وإنما ضرورة وطنية وأن الاختلاف لا يعني الخصومة وأن الوطن يتسع للجميع مهما تباينت الرؤى والانتماءات. وهذه الرسالة هي ما تجعلها تجربة جديرة بالاحترام والتقدير بل وتستحق أن تُدرس بوصفها نموذجاً في إدارة النقاش العام داخل الفضاء الرقمي السوداني.
إن الأمم لا تبنى بالسلاح وحده ولا بالشعارات المجردة وإنما تبنى أيضاً بالكلمة الصادقة والعقل المنفتح والحوار المسؤول. ومن هنا تأتي أهمية تجربة قروبات منصات التواصل الاجتماعة التي أثبتت أن المنصات الرقمية يمكن أن تتحول إلى مدارس للوطنية ومختبرات للأفكار وجسور للتواصل بين أبناء السودان.
وإذا كان المستقبل يحتاج إلى مشروع وطني جامع فإن أولى خطواته تبدأ من ثقافة الاستماع المتبادل واحترام التنوع والإيمان بأن الاختلاف في الرأي يمكن أن يكون مصدر إثراء لا سبباً للفرقة. وهي الرسالة التي ما يزالة تقدمها قروبات منصات التواصل الاجتماعى كل يوم بصمت وثبات خدمةً للفكر والوطن والإنسان السوداني.




