شرق السودان البشاريين والرشايدة هما مثال لانتصار الحكمة على الفتنة وتغليب المشتركات على الخلافات

شرق السودان البشاريين والرشايدة هما مثال لانتصار الحكمة على الفتنة وتغليب المشتركات على الخلافات
مركز الاستدامة للتنمية والاستينارة
عبدالله موسى احمد
في شرق السودان حيث تمتد الصحراء على مد البصر وتتشابك طرق القوافل القديمة مع مسارات التجارة الحديثة لم تكن القبائل مجرد وحدات اجتماعية بل كانت على الدوام مؤسسات أهلية حافظت على الأمن والاستقرار ووفرت سبل العيش لمجتمعاتها عبر قرون طويلة. وفي هذا الإقليم الذي يشكل البوابة الشرقية للسودان نحو البحر الأحمر والعالم. تعيش قبائل متعددة الأعراق والأصول والثقافات لكنها تتقاسم فضاءً جغرافياً واحداً ومصالح مشتركة ومصيراً وطنياً واحداً.
وقد شهدت منطقة الرتج بولاية البحر الأحمر مؤخراً توتراً بين البشاريين والرشايدة الا أن تدخل العقلاء والحكماء من الجانبين أسهم في احتواء الموقف ومنع انزلاقه إلى صراع أوسع في مشهد يعكس قدرة المجتمع السوداني على معالجة خلافاته عبر الأعراف والتقاليد الراسخة التي طالما لعبت دوراً محورياً في الحفاظ على السلم الأهلي.
ينظر علماء الأنثروبولوجيا إلى القبائل باعتبارها كيانات اجتماعية وثقافية تطورت عبر التاريخ لتتكيف مع بيئاتها الطبيعية والاقتصادية. وفي هذا الإطار يمثل البشاريون والرشايدة نموذجين مختلفين ومتكاملين في الوقت نفسه داخل المشهد الاجتماعي لشرق السودان.
فالبشاريون وهم إحدى المجموعات الرئيسية ضمن مكونات البجا. ارتبطوا تاريخياً ببيئة الصحراء الشرقية الممتدة بين السودان ومصر وطوروا نمط حياة قائماً على الرعي والتنقل والتجارة. وقد ساعدتهم خبرتهم الطويلة في معرفة مسالك الصحراء وموارد المياه على لعب أدوار اقتصادية واجتماعية مهمة في المنطقة.
أما الرشايدة الذين تعود أصولهم إلى شبه الجزيرة العربية. فقد حملوا معهم منظومة ثقافية عربية بدوية حافظت على الكثير من خصائصها التقليدية خاصة في مجال تربية الإبل والتجارة والالتزام بالأعراف القبلية. ومع مرور الزمن أصبحوا جزءاً أصيلاً من النسيج السوداني ونسجوا علاقات واسعة مع القبائل والمجتمعات المحلية.
ويرى مختصون في الدراسات الاجتماعية أن الاختلافات الثقافية بين المجموعات القبلية لا تمثل في حد ذاتها مصدراً للصراع لكنه يمكن أن تتحول إلى مصدر قوة إذا وجدت مؤسسات سياسية واقتصادية عادلة تستوعب التنوع وتديره بصورة رشيدة.
وعبر التاريخ لم تكن العلاقة بين القبائل في شرق السودان قائمة على الصراع المستمر كما قد توحي بعض الأحداث الطارئة لكنها كانت في معظمها علاقات تعاون وتبادل منافع. فقد فرضت طبيعة الحياة الصحراوية على الجميع التعاون في تأمين المياه ومسارات الرعي وحركة التجارة.
كما أن المصاهرة والتداخل الاجتماعي بين القبائل المختلفة أسهما في بناء شبكة واسعة من الروابط الإنسانية التي جعلت من النزاعات أمراً استثنائياً أكثر منه قاعدة دائمة.
ويشار إلى أن الإدارة الأهلية لعبت دوراً مهماً في ضبط العلاقات بين القبائل إذ وفرت آليات للتسوية والوساطة وحل النزاعات بعيداً عن العنف وهو إرث لا يزال حاضراً حتى اليوم رغم التغيرات السياسية والاجتماعية التي شهدها السودان خلال العقود الأخيرة.
يعيش شرق السودان اليوم تحت ضغوط متراكمة تتجاوز الإطار القبلي. فالمنطقة تواجه تحديات اقتصادية كبيرة تتمثل في ارتفاع معدلات الفقر والبطالة وضعف الخدمات الأساسية وتراجع الاستثمارات التنموية مقارنة بأهميتها الاستراتيجية.
ويرى خبراء التنمية أن التنافس على الموارد المحدودة سواء كانت مراعي أو مصادر مياه أو فرصاً اقتصادية يمكن أن يخلق احتكاكات محلية بين المجتمعات المختلفة وخاصة في ظل غياب مشاريع تنموية كبرى قادرة على استيعاب الطاقات البشرية المتزايدة.
كما أن النشاط المرتبط بالتعدين التقليدي عن الذهب فتح مجالات اقتصادية جديدة لكنه في الوقت نفسه أوجد منافسة إضافية على الأراضي والموارد ما يجعل الحاجة ملحة إلى تنظيم هذا القطاع بصورة تحقق العدالة والاستقرار.
منذ اندلاع الحرب في السودان في 15 أبريل 2023 تغيرت المعادلات السياسية والأمنية والاقتصادية في مختلف أنحاء البلاد، بما في ذلك شرق السودان.
فالحرب أدت إلى نزوح أعداد كبيرة من السكان نحو الولايات الشرقية وكما نقلت جزءاً من النشاط الاقتصادي والتجاري إلى مدن مثل بورتسودان التي أصبحت مركزاً إدارياً وسياسياً مهماً خلال الأزمة.
و أن تدفقات السكان والضغوط الاقتصادية الناتجة عن الحرب زادت من حجم التحديات المحلية إذ ارتفع الطلب على الخدمات وفرص العمل والموارد المحدودة ما خلق بيئة أكثر حساسية تجاه أي خلافات محلية.
وفي المقابل، فإن شرق السودان ظل بعيداً نسبياً عن العمليات العسكرية المباشرة الأمر الذي منحه أهمية مضاعفة باعتباره أحد أهم مراكز الاستقرار النسبي في البلاد وجعل المحافظة على أمنه واستقراره قضية وطنية تتجاوز حدود الإقليم نفسه.
تجتمع غالبية الاراء على أن النزاعات المحلية في شرق السودان لا يمكن فصلها عن البيئة السياسية العامة التي تعيشها البلاد. فكلما ضعفت مؤسسات الدولة وتراجعت قدرتها على إدارة التنوع الاجتماعي والاقتصادي زادت احتمالات تحول الخلافات المحدودة إلى أزمات أكبر.
وكما أن الموقع الاستراتيجي لشرق السودان على البحر الأحمر يمنحه أهمية إقليمية ودولية استثنائية. فالموانئ السودانية تشكل منفذاً حيوياً للتجارة الدولية وتستقطب اهتمام قوى إقليمية ودولية متعددة.
ولهذا فإن أي اضطراب أمني في المنطقة لا يُنظر إليه باعتباره شأناً محلياً فحسب بل باعتباره حدثاً قد يؤثر في حركة التجارة والأمن البحري والتوازنات الجيوسياسية في البحر الأحمر.
ومن هذا المنطلق يحذر مختصون في الأمن الإقليمي من محاولات استغلال التوترات المحلية لخدمة أجندات سياسية أو اقتصادية خارجية مؤكدين أن الحفاظ على وحدة النسيج الاجتماعي يمثل خط الدفاع الأول ضد أي تدخلات محتملة.
لا يمكن إنكار أن القبيلة لا تزال تمثل إطاراً اجتماعياً مهماً في السودان، لكنها ليست بديلاً عن الهوية الوطنية الجامعة. فالسودانيون، على اختلاف قبائلهم وأقاليمهم يتشاركون تاريخاً طويلاً من التعايش والتفاعل والتداخل الثقافي.
وفي شرق السودان تحديداً فإن البشاريين والرشايدة والبجا وبقية المكونات الاجتماعية تجمعهم روابط الدين واللغة والجوار والمصالح المشتركة كما تربط بينهم علاقات مصاهرة وتاريخ طويل من التعاون.
وأن مستقبل الاستقرار في السودان يعتمد على تعزيز مفهوم المواطنة الذي يحترم الخصوصيات الثقافية والقبلية دون أن يجعلها بديلاً عن الدولة أو منافساً لها.
وتكشف الأحداث الأخيرة في منطقة الرتج حقيقة مهمة مفادها أن المجتمع السوداني لا يزال يمتلك أدواته التقليدية لمعالجة الأزمات واحتواء التوترات. فعندما يتحرك الحكماء وشيوخ القبائل وأهل الرأي، تتراجع لغة التصعيد لصالح لغة الحوار.
ولعل الدرس الأهم هو أن الخلافات العابرة لا ينبغي أن تحجب الصورة الأكبر. فالبشاريون والرشايدة ليسوا خصمين تاريخيين لكنهما شريكان في الجغرافيا والمصير وجزءان من مجتمع واحد يواجه تحديات اقتصادية وأمنية وسياسية مشتركة.
يبقى شرق السودان نموذجاً مصغراً للتنوع السوداني بكل ثرائه وتعقيداته. وبين البشاريين والرشايدة وغيرهما من المكونات الاجتماعية تتجسد حقيقة أن الاختلاف ليس نقيض الوحدة بل أحد مصادر قوتها إذا أُحسن إدارته.
وفي زمن الحرب والأزمات يصبح الحفاظ على السلم الأهلي مسؤولية جماعية تتجاوز حدود القبائل والانتماءات المحلية. فالسودان اليوم بحاجة إلى تعزيز المشتركات لا تضخيم الخلافات وإلى بناء دولة عادلة تستوعب الجميع وتوفر فرص التنمية والاستقرار.
ويظل قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ مبدأً جامعاً يلخص جوهر الرسالة أن التنوع وسيلة للتعارف والتكامل، لا للتنازع والانقسام.




