بين منطق الوساطة ومنطق الصراع هل تنجح الرياص فى الانتقال السياسى المدنى السودانى؟

مركز الاستدامة للتنمية والاستينارة
عبدالله موسى احمد
في تاريخ الأمم لا تُقاس قيمة المبادرات السياسية بحجم الضجيج الذي يصاحبها ولكنها بقدرتها على تحويل الأزمات إلى فرص للتسوية والاستقرار. والسودان الذي يقف اليوم على أحد أخطر مفترقات الطرق في تاريخه الحديث أصبح ساحة لاختبار هذا النوع من الوساطةالهادئة التي تتبناها المملكة العربية السعودية.
فمنذ اندلاع الحرب بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع في أبريل 2023 تحوّل السودان من دولة تعاني تعثراً انتقالياً إلى دولة تواجه خطر التفكك المؤسسي والاجتماعي والأمني. وفي ظل تراجع فاعلية المبادرات الدولية والإقليمية برزت الرياض كلاعب يسعى إلى بناء مسار سياسي جديد. مستفيدة من ثقلها الإقليمي وعلاقاتها المتشعبة مع مختلف الأطراف.
غير أن السؤال الذي يشغل السودانيين والمراقبين على السواء لا يتعلق فقط بقدرة السعودية على جمع الأطراف حول طاولة الحوار بل يتجاوز ذلك إلى طبيعة هذا الدور نفسه. هل تمثل الرياض وسيطاً محايداً يسعى إلى إنقاذ الدولة السودانية أم أن حسابات المصالح الإقليمية تجعلها أقرب إلى أحد أطراف الصراع؟ وهل يمكن للوساطة الهادئة أن تنجح في بلد أصبحت فيه الأزمة أكثر تعقيداً من مجرد صراع على السلطة؟
أن ما يعيشه السودان اليوم ليس مجرد نزاع عسكري بين قوتين مسلحتين لكنة أزمة دولة تشكلت عبر عقود من الاختلالات البنيوية.
فمنذ الاستقلال عام 1956 ظل السودان يعاني إشكالية العلاقة بين المركز والأطراف وبين المدني والعسكري وبين الهوية الوطنية الجامعة والتنوع الإثني والثقافي والديني الواسع. وقد أدت هذه التناقضات إلى سلسلة من الانقلابات والحروب الأهلية والتجارب الانتقالية غير المكتملة.
وعندما أطاحت ثورة ديسمبر 2018 بنظام الرئيس السابق عمر البشير بدا وكأن السودان يفتح صفحة جديدة من تاريخه السياسي. لكن غياب التوافق الحقيقي بين القوى المدنية والعسكرية وتضارب المصالح الإقليمية والدولية سرعان ما أعاد البلاد إلى مربع الصراع.
واليوم وبعد أكثر من ثلاث سنوات على انهيار المرحلة الانتقالية أصبحت الحرب الحالية تعبيراً عن أزمة أعمق تتعلق بمستقبل الدولة السودانية ومن يحكم؟ وكيف يحكم؟ وبأي عقد اجتماعي جديد؟
من هنا هل تصبح المقاربة السعوديةواقع سياسى أم انحياز غير معلن؟
تعتمد المملكة العربية السعودية في الملف السوداني على ما يمكن تسميته بـالوساطة الواقعية. وهي مقاربة تنطلق من الاعتراف بموازين القوى القائمة بدلاً من محاولة تجاوزها.
فالسعودية تعتقد أن المؤسسة العسكرية السودانية ما تزال اللاعب الأكثر تنظيماً وتأثيراً في المشهد السياسي وأن أي تسوية تستبعد الجيش ستكون محكومة بالفشل. ولذلك ركزت جهودها على إيجاد صيغة توازن بين متطلبات الاستقرار الأمني ومطالب الانتقال المدني.
غير أن هذه المقاربة أثارت انتقادات داخل بعض الأوساط السودانية التي ترى أن الرياض بحكم علاقاتها التاريخية مع قيادة الجيش السوداني تميل عملياً إلى دعم المؤسسة العسكرية أكثر من القوى المدنية.
ويستند أصحاب هذا الرأي إلى عدة اعتبارات منها
العلاقات العسكرية والأمنية الممتدة بين الخرطوم والرياض. ومشاركة السودان سابقاً في التحالف العربي في اليمن. والتنسيق المستمر بين القيادة العسكرية السودانية وبعض العواصم الخليجية.
وغياب ضغوط سعودية علنية قوية على المؤسسة العسكرية مقارنة بما تطالب به بعض القوى المدنية.
في المقابل يرى فريق آخر من المحللين أن التعامل مع الجيش السوداني لا يعني الانحياز إليه لكنه الاعتراف بحقيقة سياسية لا يمكن تجاوزها وأن أي انتقال مستقر يحتاج إلى إشراك المؤسسة العسكرية بدلاً من محاولة عزلها.
لفهم الدور السعودي الحالي في السودان لا بد من العودة إلى التجارب الإقليمية التي خاضتها المملكة خلال العقد الأخير.
هنا كانت الحرب اليمنية مدرسة سياسية وأمنية معقدة للسعودية. فبعد سنوات من الصراع أدركت الرياض أن الحسم العسكري وحده لا يكفي لإنهاء الأزمات الداخلية وأن التسويات السياسية مهما كانت بطيئة أقل كلفة من الحروب المفتوحة.
وهذه القناعة انعكست لاحقاً على مقاربة المملكة في ملفات المنطقة ومنها السودان تقريبا.
وقد نجحت السعودية في إنهاء الأزمة الخليجية عبر قمة العلا بعد سنوات من التوتر السياسي والإعلامي. وقد أظهرت تلك التجربة أهمية الحوار المباشر وتقديم الضمانات المتبادلة.
كذلك مثّلت استعادة العلاقات بين الرياض وطهران تحولاً استراتيجياً في السياسة الخارجية السعودية. فقد انتقلت المملكة من سياسة المواجهة المفتوحة إلى سياسة إدارة التنافس عبر التفاهمات.
واعتقد أن هذا التحول ينعكس أيضاً على طريقة تعاملها مع الملف السوداني حيث تفضل بناء التوافقات التدريجية على حساب الحلول الصدامية.
فالبعد الاجتماعي والثقافي فى المشكل السودانى هو التحدي الأكبر وغالباً ما تركز المبادرات السياسية على النخب وبينما تتجاهل المجتمع الذي يفترض أن يحتضن أي تسوية.
وفي الحالة السودانية يمثل النسيج الاجتماعي أحد أكثر الملفات حساسية.
والحرب لم تقتصر آثارها على الدمار المادي بل أعادت إنتاج الانقسامات الجهوية والإثنية ووسعت فجوة الثقة بين مكونات المجتمع المختلفة. وكما أن ملايين النازحين واللاجئين يعيشون اليوم أوضاعاً إنسانية قاسية مما يجعل الحديث عن الانتقال السياسي منفصلاً عن الواقع ما لم يترافق مع مشروع وطني للمصالحة وإعادة الإعمار.
واري أن أي تسوية مستدامة في السودان يجب أن تقوم على الاعتراف بالتنوع الثقافي والإثني. ومعالجة مظالم الأقاليم التاريخية. وبناء دولة المواطنة المتساوية. وإصلاح او عادة بناء المؤسسات الأمنية والعسكرية. وتعزيز العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية. وهي ملفات لا تستطيع أي وساطة خارجية حلها نيابة عن السودانيين.
من هنا يجب ان لا ينظر الفاعلون الإقليميون إلى ما يجري فى السودان باعتباره أزمة داخلية فحسب.
فالسودان يحتل موقعاً استراتيجياً يربط بين القرن الأفريقي وشمال أفريقيا ومنطقة البحر الأحمر والساحل الأفريقي.
وأي انهيار طويل الأمد للدولة السودانية ستكون له تداعيات واسعة تشمل تصاعد الهجرة غير النظامية نحو أوروبا. وانتشار الجماعات المسلحة عبر الحدود.
وتهديد أمن البحر الأحمر وخطوط التجارة الدولية.
وزيادة التنافس الإقليمي والدولي على الموارد والموانئ. وتفاقم الأزمات الإنسانية في دول الجوار.
ولهذا فإن استقرار السودان أصبح مصلحة مشتركة لقوى إقليمية ودولية عديدة وإن اختلفت دوافعها وأولوياتها.
ان فرص نجاح المبادرة السعودية ترتبط بخمسة شروط رئيسية وهى وقف إطلاق نار مستدام يسمح بإطلاق عملية سياسية حقيقية. وتوحيد القوى المدنية حول رؤية مشتركة للانتقال. والتزام المؤسسة العسكرية بجدول زمني واضح لنقل السلطة للمدنيين. وضمانات إقليمية ودولية لدعم أي اتفاق يتم التوصل إليه. وإشراك الأقاليم والمكونات الاجتماعية المختلفة وعدم حصر الحوار في النخب المركزية. ومن دون هذه العناصر قد تتحول أي تسوية إلى مجرد هدنة سياسية مؤقتة تؤجل الأزمة ولا تحلها.
علية بين الواقعية والأمل ليست السعودية أول دولة تحاول المساهمة في حل الأزمة السودانية وربما لن تكون الأخيرة. غير أن خصوصية دورها الحالي تكمن في أنها تتحرك في لحظة بلغ فيها الجميع درجة غير مسبوقة من الإنهاك السياسي والعسكري والاقتصادي.
ومع ذلك فإن نجاح أي مبادرة لن يُقاس بعدد الاجتماعات أو البيانات الصادرة عنها بل بقدرتها على الإجابة عن السؤال الجوهري الذي عجزت النخب السودانية من حسمه منذ الاستقلال كيف يمكن بناء دولة تتسع للجميع؟
قد تستطيع الرياض أن تفتح أبواب الحوار وأن توفر الضمانات وأن تجمع الخصوم حول طاولة واحدة لكنها لا تستطيع أن تكتب مستقبل السودان بدلاً عن السودانيين أنفسهم. فالتاريخ يثبت أن الوساطات الخارجية تستطيع تسهيل التسويات لكنها لا تستطيع صناعة الإرادة الوطنية.
ويبقى الرهان الحقيقي ليس على قوة الوسيط، بل على قدرة السودانيين على تحويل لحظة الإنهاك الجماعي إلى لحظة تأسيس وطني جديد. فإذا نجحوا في ذلك ستكون الرياض قد ساهمت في صناعة السلام. أما إذا استمرت الانقسامات والصراعات القديمة فإن أي مبادرة مهما بلغت جديتها ستظل مجرد محطة أخرى في طريق أزمة لم تجد بعد نهايتها.




