التفاهم الامريكى الايرانى كيف تعيد المواجهة الأمريكية الإيرانية رسم خرائط النفوذ في الشرق الأوسط والبحر الأحمر؟

التفاهم الامريكى الايرانى
كيف تعيد المواجهة الأمريكية الإيرانية رسم خرائط النفوذ في الشرق الأوسط والبحر الأحمر؟
مركز الاستدامة للتنمية والاستينارة
عبدالله موسى أحمد
عندا اندلاع المواجهة المفتوحة بين الولايات المتحدة وإيران لم يكن الحديث المطروح في أروقة السياسة الدولية فى ذلك الوقت هو عن من سينتصر عسكرياً لكن عن من سيحصد المكاسب الاستراتيجية بعد أن تهدأ المدافع وتبدأ طاولات التفاوض فى الانعقاد. فالحروب الحديثة لم تعد تمثل مجرد صراع بين جيوش وإنما أصبحت أدوات لإعادة تشكيل موازين القوى وإنتاج ترتيبات أمنية جديدة،وفرض وقائع سياسية واقتصادية جديدة تسبق اتفاقات السلام.
واليوم في الشرق الأوسط حيث تتقاطع مصالح القوى الكبرى والإقليمية عند مضيق هرمز وباب المندب والبحر الأحمر تبدو الحرب الأمريكية الإيرانية أكثر من مجرد مواجهة بين واشنطن وطهران. إنها تمثل صراع على النفوذ والطاقة والممرات البحرية ومستقبل النظام العالمى والإقليمي بأكمله.
يرى عدد من المحللين الاستراتيجيين أن واشنطن لم تدخل المواجهة بهدف إسقاط النظام الإيراني فحسب وإنما لإعادة ضبط قواعد اللعبة في المنطقة. فالإدار الأمريكية تسعى إلى فرض معادلة جديدة تجعل من إيران قوة مقيدة الحركة غير قادرة على تهديد المصالح الأمريكية أو حلفائها الخليجيين أو تعطيل حركة التجارة الدولية.
زمن هذا المنظور فإن الحرب تحولة إلى أداة ضغط لإجبار طهران على القبول بمذكرة تفاهم أو اتفاق سلام جديد يتجاوز الملف النووي ليشمل الصواريخ الباليستية وشبكات النفوذ الإقليمي الممتدة من العراق وسوريا إلى لبنان واليمن.
وبحسب هذه الرؤيةةفإن الهدف النهائي ليس القضاء على إيران لكن دمجها في نظام إقليمي جديد بشروط أمريكية أكثر صرامة.
هنا سياسياً نجحت واشنطن في إعادة توحيد جزء من التحالفات الغربية والخليجية خلف رؤيتها الأمنية للمنطقة بعد سنوات من التباينات.
وأمنياً استطاعت تعزيز وجودها العسكري في الخليج والبحر الأحمر وتأكيد دورها باعتبارها الضامن الأول لأمن الملاحة الدولية.
واقتصادياً عززت الحرب من أهمية الصناعات العسكرية الأمريكية عبر زيادة الطلب على أنظمة الدفاع الجوي والتقنيات العسكرية المتطورة كما رفعت من اعتماد الحلفاء الإقليميين على المظلة الأمنية الأمريكية.
أما على المستوى الاستراتيجي فقد أعادت واشنطن تثبيت حضورها في منطقة كانت الصين وروسيا تسعيان إلى توسيع نفوذهما فيها خلال السنوات الأخيرة.
بالنسبة لدول الخليج العربي تمثل المواجهة فرصة وتحدياً في آن واحد.
فمن جهة حققة هذه الدول هدفاً استراتيجياً يتمثل في تقليص قدرة إيران على تهديد أمنها القومي أو استهداف منشآتها النفطية.
ومن جهة أخرى تحملة اقتصادات الخليج مخاطر كبيرة ناتجة عن اضطراب الأسواق وارتفاع تكاليف التأمين والشحن والتجارة.
غير أن المكسب الأكبر يتمثل في إمكانية الوصول إلى ترتيبات أمنية إقليمية أكثر استقراراً إذا أفضت الحرب إلى اتفاق طويل الأمد يضمن خفض التوترات بين طهران وجيرانها العرب.
هنا كذلك ربما لا يحظى البحر الأحمر بنفس الاهتمام الإعلامي الذي يحظى به الخليج العربي لكنه يمثل إحدى أهم ساحات الصراع غير المباشر.
فهذا الممر البحري الحيوي يربط آسيا بأوروبا عبر قناة السويس ويمر عبره جزء كبير من تجارة العالم وإمدادات الطاقة الدولية.
وقد كشفت التطورات الأخيرة أن أمن البحر الأحمر أصبح جزءاً لا يتجزأ من الصراع الأمريكي الإيراني خاصة مع ارتباطه بالوضع في اليمن وباب المندب وشبكات النفوذ الإقليمية المختلفة.
ويرى خبراء الأمن البحري أن أي تسوية قادمة ستتضمن ترتيبات خاصة بحماية خطوط الملاحة الدولية وتعزيز التعاون الأمني بين الدول المطلة على البحر الأحمر وربما إنشاء آليات رقابة ومراقبة أكثر تطوراً لضمان حرية التجارة العالمية.
في المقابل تتعامل الصين مع الأزمة بمنطق مختلف.
فبكين لا تسعى إلى الانخراط العسكري المباشر لكنها تستفيد من كل لحظة تضعف فيها الأطراف المتصارعة.
فاقتصادياً يهم الصين قبل كل شيء استمرار تدفق الطاقة واستقرار طرق التجارة المرتبطة بمبادرة “الحزام والطريق”. وسياسياً تقدم نفسها باعتبارها قوة قادرة على الوساطة وصناعة التوازنات مستفيدة من علاقاتها الجيدة مع إيران ودول الخليج في الوقت نفسه.
ويعتقد بعض المراقبين أن الصين تراهن على أن تنتهي الحرب باتفاق سياسي يجعلها شريكاً رئيسياً في إعادة الإعمار والاستثمارات الإقليمية.
أما موسكو، فتنظر إلى الصراع من زاوية مختلفة تماماً.
فكلما انشغلت الولايات المتحدة بالشرق الأوسط ازدادت قدرة روسيا على المناورة في ملفات أخرى سواء في أوروبا الشرقية أو آسيا الوسطى أو أفريقيا.
كما أن ارتفاع أسعار الطاقة الناتج عن التوترات الإقليمية يوفر مكاسب اقتصادية إضافية لروسيا خاصة إذا استمرت حالة عدم اليقين في الأسواق العالمية. لكن موسكو تدرك أيضاً أن انهياراً كاملاً للاستقرار الإقليمي قد يضر بمصالحها طويلة المدى ولذلك تميل إلى دعم تسويات سياسية تحفظ لإيران دوراً إقليمياً دون أن تتحول إلى قوة مهيمنة.
وكما تبدو أوروبا الطرف الأكثر قلقاً من استمرار الحرب.
فالقارة الأوروبية تعتمد بدرجات متفاوتة على استقرار طرق التجارة والطاقة القادمة من الشرق الأوسط.
وأي اضطراب طويل الأمد في الخليج أو البحر الأحمر ينعكس مباشرة على معدلات التضخم وأسعار الطاقة وسلاسل الإمداد الأوروبية.
لهذا تسعى العواصم الأوروبية إلى الدفع نحو تسوية سياسية عاجلة تضمن أمن الملاحة وتجنب المنطقة حرباً واسعة قد تجر الاقتصاد العالمي إلى مرحلة جديدة من الاضطرابات.
بعيداً عن الحسابات العسكرية والجيوسياسية تظل المجتمعات المحلية هي الطرف الأكثر تضرراً من أي صراع ممتد.
فالحروب تؤدي إلى موجات نزوح جديدة وتفاقم الأزمات المعيشية وارتفاع معدلات البطالة والفقر وتوسيع فجوة عدم الاستقرار الاجتماعي.
كما أن تصاعد الخطابات الطائفية والاستقطاب السياسي يشكل تهديداً إضافياً للنسيج الاجتماعي في العديد من دول المنطقة.
ومن هنا فإن نجاح أي اتفاق سلام مستقبلي لن يقاس فقط بوقف إطلاق النار بل بقدرته على معالجة الجذور الاقتصادية والاجتماعية للصراع.
في جوهرها، ليست الحرب الأمريكية الإيرانية مجرد مواجهة عسكرية عابرة لكن محطة مفصلية في إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية والدولية. فالولايات المتحدة تسعى إلى تثبيت نظام أمني جديد ودول الخليج تبحث عن ضمانات استقرار طويلة الأمد وبينما تراهن الصين على توسيع نفوذها الاقتصادي وتستثمر روسيا في إعادة توزيع موازين القوة العالمية وفيما تحاول أوروبا تفادي ارتدادات الأزمة على اقتصادها وأمنها.
أما البحر الأحمر فقد تحول من ممر تجاري إلى عقدة استراتيجية تختزل صراع المصالح الدولية بأكمله. ولذلك فإن أي مذكرة تفاهم أو اتفاق سلام قادم لن يكون مجرد تسوية بين واشنطن وطهران بل وثيقة لإعادة رسم خرائط النفوذ والأمن والتجارة في الشرق الأوسط والبحر الأحمر لعقود مقبلة.
ويبقى الحديث الأهم هو هل ستكون الحرب جسراً نحو سلام مستدام أم مجرد فصل جديد في دورة الصراعات التي اعتادت المنطقة أن تدفع ثمنها الأكبر؟




