إستراحة الجمعة : ولا الهلال بدرا … ولا المريخ مريخا….

ستراحة الجمعة
ولا الهلال بدرا … ولا المريخ مريخا….
مركز الاستدامة للتنمية والاستينارة
عبدالله موسى احمد
الرياضة عند ما تصبح المدرجات ساحة صراع، الكرة السودانية في زمن الحرب بين المتعة والاستثمار السياسي.
لم تكن كرة القدم في السودان يوماً مجرد لعبة. فمنذ عقود ظل الهلال والمريخ يمثلان أكثر من مجرد ناديين رياضيين وفهما جزء من الوجدان الجمعي السوداني ومساحة نادرة وساحة مرح يلتقي فيها الناس على اختلاف انتماءاتهم السياسية والقبلية والجهوية. لكن الحرب التي اندلعت في السودان لم تكتفِ بتدمير المدن وتشريد الملايين لكنها امتدت آثارها إلى الملاعب والمدرجات لتضع الرياضة نفسها في قلب الاستقطاب السياسي والأمني والإعلامي.
وفي خضم هذا المشهد المضطرب يبرز سؤال مشروع هل ما جرى للكرة السودانية كان مجرد نتيجة طبيعية للحرب أم أن الزخم الجماهيري الهائل للهلال والمريخ تحول إلى مورد سياسي وإعلامي سعت أطراف مختلفة إلى استثماره وتوظيفه؟
تعتبر كرة القدم ضحية أخرى للحرب وعندما تتفجر الحروب عندها تتراجع الأولويات الوطنية لصالح ضرورات البقاء والأمن. ولذلك لم يكن مستغرباً أن تتوقف المنافسات الرياضية وتتضرر البنية التحتية للملاعب والأندية. غير أن ما حدث في السودان تجاوز حدود التعطل المؤقت للأنشطة الرياضية.
فقد وجدت الأندية الكبرى نفسها تعمل في بيئة غير مستقرة بينما اضطرت الفرق واللاعبون والجماهير إلى التكيف مع واقع جديد فرضته ظروف النزوح واللجوء والانقسام الجغرافي. وأصبح السؤال الذي كان يشغل الجماهير سابقاً حول نتائج المباريات وصفقات اللاعبين أقل حضوراً من الأسئلة المتعلقة بالأمن والسلامة وإمكانية استمرار النشاط الرياضي من الأساس.
وهكذا فقدت كرة القدم أحد أهم عناصرها الا هى الاستقرار الذي يسمح بتحويل التنافس الرياضي إلى مصدر للفرح الجماعي.
الهلال والمريخ من رمزية الوحدة إلى واقع الانقسام
وعلى مدى عقود شكّل الهلال والمريخ ظاهرة اجتماعية فريدة في السودان. فالتنافس بينهما كان حاداً داخل الملعب كنه في الوقت نفسه ساهم في صناعة هوية رياضية وطنية مشتركة.
غير أن الحرب أعادت إنتاج الانقسامات داخل مختلف مؤسسات المجتمع ولم تكن الرياضة استثناءً. فمع تراجع سلطة المؤسسات الرياضية المركزية وتعدد مراكز النفوذ بدأت الجماهير تتلقى رسائل متناقضة من جهات مختلفة بعضها رياضي وبعضها سياسي وإعلامي.
وأصبح كثير من المشجعين يشعرون بأن أنديتهم لم تعد تمثل فقط مشروعاً رياضياً بل تحولت أحياناً إلى جزء من معارك السرديات السياسية التي صاحبت الحرب.
ومن هنا يمكن فهم المقولة المتداولة بين الجماهير: “لا عاد المريخ مريخاً ولا عاد الهلال بدرا”، ليس بمعناها الحرفي وإنما بوصفها تعبيراً عن شعور بفقدان الصورة التقليدية التي عرفها السودانيون لعقود.
الاستثمار السياسي في الشعبية الجماهيرية يوجد
في كل دول العالم تمثل الرياضة مجالاً مغرياً للسياسيين بسبب قدرتها الاستثنائية على الوصول إلى الجماهير. فالنادي الذي يمتلك ملايين المشجعين يملك في الوقت نفسه قوة رمزية يصعب تجاهلها.
وفي أوقات الأزمات والحروب تزداد قيمة هذه الرمزية. إذ تسعى أطراف سياسية وإعلامية مختلفة إلى الاقتراب من الأندية الكبرى أو توظيف نجاحاتها وإخفاقاتها ضمن معارك النفوذ والتأثير العام.
ولا يعني ذلك بالضرورة وجود مؤامرة منظمة أو سيطرة كاملة على المؤسسات الرياضية لكن الواقع يؤكد أن الجماهير الرياضية الضخمة تتحول غالباً إلى ساحة تنافس غير مباشر بين الفاعلين السياسيين والإعلاميين.
فالسياسة تدرك أن الوصول إلى قلوب المشجعين أسهل كثيراً من الوصول إلى عقول الناخبين ولذلك يصبح استثمار الرموز الرياضية وسيلة فعالة لتعزيز النفوذ أو تحسين الصورة العامة.
البعد الأمني ان الرياضة في مواجهة الاستقطاب
من الناحية الأمنية تمثل الرياضة واحدة من أهم أدوات التماسك الاجتماعي في المجتمعات الخارجة من النزاعات. لكنها قد تتحول إلى عامل توتر إذا جرى تحميلها ما لا تحتمل من رسائل سياسية أو أيديولوجية.
فالمدرجات الرياضية بطبيعتها فضاء للعاطفة والانفعال وعندما تتداخل فيها الانقسامات السياسية أو الجهوية يصبح احتمال الاحتقان أكبر.
ولهذا تحرص الدول التي مرت بحروب أهلية على حماية المؤسسات الرياضية من الاستقطاب السياسي لأن الرياضة يمكن أن تكون جسراً للمصالحة أو وقوداً إضافياً للخلافات بحسب طريقة إدارتها.
وفي الحالة السودانية تبدو الحاجة ملحة إلى إعادة بناء الثقة بين الجماهير والمؤسسات الرياضية بحيث تبقى المنافسة داخل حدودها الطبيعية بعيداً عن الاستقطاب الذي فرضته الحرب.
البعد الاجتماعي ماذا فقد السودانيون؟
ربما يكون الأثر الاجتماعي للحرب على كرة القدم أكبر من أثرها الرياضي المباشر.
فالمدرجات لم تكن مجرد أماكن لمشاهدة المباريات بل فضاءات للتواصل الاجتماعي وصناعة الذكريات الجماعية. وكانت مباريات القمة بين الهلال والمريخ مناسبة يتوحد حولها ملايين السودانيين داخل البلاد وخارجها.
لكن الحرب قطعت هذه الروابط وأضعفت المساحات المشتركة التي تجمع الناس بعيداً عن الانقسامات السياسية والجهوية.
وعندما يخسر المجتمع مؤسساته الثقافية والرياضية فإنه يخسر في الوقت نفسه جزءاً من قدرته على إنتاج الأمل والتماسك. ولهذا فإن إعادة إحياء النشاط الرياضي ليست ترفاً لكنة جزء من عملية التعافي الوطني الشامل.
هل يمكن أن تستعيد الكرة السودانية دورها؟
التجارب الدولية تؤكد أن الرياضة غالباً ما تكون من أول القطاعات القادرة على المساهمة في ترميم النسيج الاجتماعي بعد الحروب.
وقد شهد العالم نماذج عديدة استخدمت فيها كرة القدم كأداة للمصالحة الوطنية وإعادة بناء الثقة بين المجتمعات المنقسمة.
غير أن نجاح هذا الدور يتطلب استقلال المؤسسات الرياضية عن الصراعات السياسية واحترام القواعد المهنية في إدارة الأندية والاتحادات ومنع تحويل الجماهير إلى أدوات في معارك لا علاقة لها بالرياضة.
كما يتطلب إعادة الاعتبار لفكرة أن الهلال والمريخ رغم تنافسهما التاريخي يمثلان رصيداً وطنياً مشتركاً لا ملكية حصرية لأي تيار سياسي أو جهة نافذة.
لقد دفعت الكرة السودانية ثمناً باهظاً للحرب شأنها شأن بقية مؤسسات المجتمع. لكن الخطر الأكبر لا يكمن في توقف المباريات أو تراجع النتائج لكنه في فقدان الرياضة لدورها الطبيعي كمساحة للوحدة والفرح والتنافس الشريف.
فالسياسة بطبيعتها مجال للخلاف أما الرياضة فجوهرها الجمع بين الناس حول قيم المنافسة والاحترام والمتعة. وعندما تتحول الأندية إلى أدوات في الصراع السياسي يخسر الجميع النادي والجمهور والوطن.
إن السودان الذي يحتاج اليوم إلى السلام أكثر من أي وقت مضى يحتاج أيضاً إلى تحييد الرياضة عن الفعل السياسي الرخيص وإعادتها إلى مكانها الطبيعي جسراً للتلاقي لا ساحةً جديدة للانقسام. فالهلال والمريخ أكبر من أن يكونا مجرد أوراق في لعبة السياسة وأكبر من أن تختزل جماهيرهما العريضة في حسابات الصراع المؤقت. إنهما جزء من ذاكرة السودان ومستقبله وحمايتهما من الاستقطاب هي في النهاية حماية لما تبقى من مساحات الوحدة الوطنية.



