سياسة

مشروع الجزيرة.. موسم يزرع القلق بدل الحصاد.

كتب.. حسين سعد

في بداية كل موسم زراعي جديد بمشروع الجزيرة والمناقل ، اعتاد المزارعون أن يبدأوا موسمهم بالأمل والخير الوفير لا بالقلق، لكن تبدو صورة الموسم الصيفي الجديد مختلفة تماماً. فالأرض التي كانت يوماً رمزاً للاكتفاء الزراعي في السودان، تقف اليوم على حافة موسم مضطرب، يختلط فيه العجز بالديون، وتتداخل فيه آثار الحرب مع اختلالات الإدارة وتآكل البنية التحتية.

يدخل آلاف المزارعين موسمهم الجديد دون استعدادات كافية، في ظل ارتفاع غير مسبوق في تكاليف الإنتاج، وتراجع خدمات الري، وغياب الدعم الفني والمالي، بينما تتصاعد الاتهامات بشأن ضعف الشفافية وتراكم الرسوم دون مقابل خدمي. وبينما يتمسك المزارعون بالأرض كخيار وحيد للبقاء، تتسع المخاوف من أن يتحول هذا الموسم إلى نقطة انعطاف خطيرة في تاريخ واحد من أكبر المشاريع الزراعية المروية في إفريقيا.

غياب الري والاستعدادات..

تؤكد إفادات مزارعين أن الموسم الزراعي بدأ دون تنفيذ الأعمال الأساسية التي تسبق الزراعة، وعلى رأسها تطهير القنوات الرئيسية والفرعية من الطمي، وصيانة الترع، وإصلاح الكباري والبوابات، وهي عناصر تشكل العمود الفقري لنظام الري في المشروع.


وبحسب إفادات بعض المزارعين بشيخ المشاريع الزراعية مشروع الجزيرة والمناقل، فإن هذه الأعمال لم تُنفذ بالشكل المطلوب رغم تصريحات رسمية تحدثت عن التعاقد مع شركات متخصصة. وعلى الأرض، تظهر مؤشرات على تراكم الطمي، ووجود كسور في بعض الترع، وتأخر وصول المياه إلى عدد من الأقسام.
هذا التدهور لا يؤدي فقط إلى تأخير الزراعة، بل يخلّ بالدورة الزراعية ويخلق تفاوتاً كبيراً في الإنتاج بين مناطق المشروع المختلفة.

زراعة خارج الدورة

من بين أبرز الإشكالات التي أشار إليها المزارعون السماح بزراعة مساحات خارج الدورة الزراعية المعتمدة، وهو ما اعتبره التحالف مخالفة تنظيمية أثرت على إدارة الموارد المائية.


وتشير المعطيات إلى أن هذه المساحات، التي تُقدّر بنحو 200 ألف فدان، دخلت الإنتاج دون تخطيط مائي متكامل، ما أدى إلى ضغط إضافي على شبكة الري وإرباك في توزيع المياه.
ويرى خبراء أن هذا النوع من التوسع غير المنضبط غالباً ما يؤدي إلى اختلالات حادة في أنظمة الري، حيث تُروى مناطق على حساب أخرى، ما يفاقم التفاوت الإنتاجي داخل المشروع.

اقتصاد الإنتاج…

كما تشهد تكاليف الإنتاج الزراعي ارتفاعاً غير مسبوق، شمل التقاوي والأسمدة والمبيدات والوقود وأجور العمال وتحضير الأرض.
وفي بعض الحالات، تجاوزت تكلفة تجهيز الفدان مئات الآلاف من الجنيهات، بينما بقيت عوائد المحاصيل أقل من تكلفة الإنتاج، ما جعل الزراعة نفسها نشاطاً عالي المخاطر.
ويضاف إلى ذلك غياب السعر التأشيري للمحاصيل، ما ترك المزارعين تحت رحمة تقلبات السوق والتجار، وأدى إلى تراكم الديون، خاصة لدى المزارعين الممولين من البنك الزراعي

الرسوم والجبايات..

كما تثير الرسوم الزراعية التي فُرضت على المزارعين جدلاً واسعاً، إذ بلغت نحو 45 ألف جنيه للفدان في الموسم الصيفي، و50 ألف جنيه في العروة الشتوية، دون أن يقابلها تحسن ملموس في خدمات الري أو البنية التحتية.
ويقدّر المزارعون أن إجمالي الرسوم المحصلة يصل إلى عشرات المليارات من الجنيهات، دون توضيح رسمي لبنود الصرف أو أوجه استخدامها، ما يفتح الباب أمام تساؤلات حول الشفافية والرقابة المالية داخل المشروع.

تداعيات الحرب..

تفاقمت أزمة المشروع بفعل تداعيات الحرب في السودان، التي أدت إلى فقدان ممتلكات ومحاصيل، وانهيار سلاسل التمويل الزراعي، ونزوح واسع في بعض المناطق.
وبحسب شهادات ميدانية، دخل عدد كبير من المزارعين الموسم الحالي دون رأس مال، ما دفع بعضهم إلى تقليص المساحات المزروعة أو تأجير أراضيهم، بينما خرج آخرون بالكامل من العملية الإنتاجية.


وتشير إفادات المزارعين إلى تراجع إنتاجية عدد من المحاصيل الأساسية، من بينها القمح والفول والعدسية والذرة، نتيجة تأخر الزراعة وضعف التقاوي وانتشار الآفات.
قال المزارع محمد حسن. انه دخل الموسم الزراعي الجديد وظهره مثقل بالديون لفشل الموسم السابق في العروتين الصيفية و الشتوية
ويحذر مزارعون من أن استمرار هذا التراجع قد لا يقتصر على موسم واحد، بل يهدد استدامة الإنتاج في واحدة من أهم مناطق الأمن الغذائي في السودان.


ومؤخرا وفي إطار الاستعداد للموسم الزراعي 2026 ـ 2027، أعلن محافظ المشروع خلال منتدى مشروع الجزيرة الشهري عن توفير 48 مليار جنيه لتأهيل منظومة الري، إلى جانب تأمين 200 ألف جالون من الجازولين للموسم الزراعي، وتوفير 50 ألف طن من مدخلات الإنتاج لمحاصيل العروة الصيفية عبر البنك الزراعي وبنك المزارع، فضلاً عن توفير التقاوي المحسنة.


وأشار إلى دخول عدد من الشركات لتمويل زراعة مساحات مقدرة بمحصول القطن، بجانب ترتيبات لتمويل زراعة 100 ألف فدان إضافية عبر بنك المزارع. كما دعا المزارعين إلى الإسراع في تجهيز الأراضي المستهدفة، مع التركيز على زراعة الذرة باعتبارها محصولاً استراتيجياً لتأمين الغذاء.
لكن عضو سكرتارية تحالف مزارعي الجزيرة والمناقل فاروق البدري قال في حديثه مع مدنية نيوز أن هياكل اتخاذ القرار داخل المشروع تفتقر إلى تمثيل حقيقي للمزارعين، خاصة بعد حل الاتحاد السابق.
وأضاف.. هذا الغياب أدى إلى اتخاذ قرارات تتعلق بالأرض والمياه والتكلفة دون إشراك الفاعلين الأساسيين في العملية الإنتاجية، ما عمّق الفجوة بين الإدارة وقاعدة المزارعين.

هل يخرج المشروع من الإنتاج؟

يحذر تحالف المزارعين من أن استمرار الوضع الحالي قد يدفع مشروع الجزيرة تدريجياً خارج دائرة الإنتاج الفعلي، في حال استمرار ضعف الري، وارتفاع التكاليف، وغياب التمويل، وتآكل الثقة المؤسسية.


وقد يتحول المشروع، وفق هذه التحذيرات، من قاطرة زراعية وطنية إلى مساحة إنتاج متقطعة وضعيفة، تعتمد على جهود فردية بدل التخطيط المؤسسي.
مطالباً بتشكيل لجنة طوارئ عاجلة لإنقاذ المشروع.
وقال عضو سكرتارية التحالف، فاروق البدوي، إن الموسم بدأ دون استعدادات فنية أو إدارية كافية، رغم تصريحات سابقة حول صيانة القنوات وإزالة الطمي، وهي أعمال لم تُنفذ على أرض الواقع.
وأشار إلى أن تداعيات الحرب والسياسات الزراعية المتأخرة أدت إلى تآكل قدرات المزارعين وارتفاع تكاليف الإنتاج، في وقت لم تعد فيه كثير من الأسر قادرة على الاستمرار في الزراعة.


كما انتقد السماح بزراعة مساحات خارج الدورة الزراعية، مقدراً إياها بأكثر من 200 ألف فدان، ما تسبب في خلل كبير في توزيع المياه.
وفي الجانب الاقتصادي، أوضح الناطق باسم التحالف، عابدين برقاوي، أن تكلفة إعداد الفدان للقطن تجاوزت 300 ألف جنيه، ما جعل الزراعة عبئاً اقتصادياً على صغار المنتجين.
وأضاف أن غياب التسعير التأشيري وارتفاع أسعار المدخلات أدى إلى خسائر متزايدة، وتزايد المديونيات، خاصة بين المزارعين الممولين من البنك الزراعي.
كما أشار إلى تأخر وصول التقاوي والمساعدات، بما في ذلك دعم منظمة الأغذية والزراعة (الفاو)، ما أثر سلباً على الإنتاج.

الخاتمة من المحرر

ما تكشفه معطيات موسم 2025–2026 في مشروع الجزيرة لا يمكن اختزاله في مجرد موسم زراعي متعثر، بل يعكس أزمة بنيوية ممتدة تمس الإدارة، والتمويل، والبنية التحتية، والسياسات الزراعية.


وبين تحذيرات المزارعين وواقع الأرض، يظل السؤال مفتوحاً أمام السلطات وصناع القرار: هل ما يزال بالإمكان إنقاذ مشروع الجزيرة وإعادته إلى دوره التاريخي كقاطرة للاقتصاد السوداني، أم أن استمرار هذا المسار سيقوده إلى تآكل تدريجي يهدد أحد أهم أعمدة السيادة الغذائية في البلاد؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى