مقالات

الطعن في الشرعية وضغوط التسويةهل اقترب السودان من لحظة الحسم أم ما زال عالقاً في متاهة الحرب؟

الطعن في الشرعية وضغوط التسوية
هل اقترب السودان من لحظة الحسم أم ما زال عالقاً في متاهة الحرب؟

مركز الاستدامة للتنمية والاستينارة
عبدالله موسى احمد

من برلين إلى أديس أبابا وواشنطن هل اصبح السودان في قلب معركة الشرعية الدولية؟


في تطور سياسي لافت يحمل أبعاداً تتجاوز حدود العقوبات التقليدية وافقت لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب الأمريكي على مشروع قانون يدعو الإدارة الأمريكية إلى الطعن في شرعية تمثيل حكومة بورتسودان داخل الأمم المتحدة والمؤسسات الدولية. في خطوة تعكس تحولاً نوعياً في طريقة تعامل واشنطن مع الأزمة السودانية.


فبينما انشغل العالم خلال العامين الماضيين بمتابعة المعارك العسكرية بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع. يبدو أن الصراع بدأ ينتقل تدريجياً من ساحات القتال إلى ساحات الشرعية الدولية والاعتراف السياسي حيث أصبحت معركة التمثيل الدبلوماسي لا تقل أهمية عن المعارك الدائرة على الأرض.


ويأتي هذا التطور متزامناً مع حراك إقليمي ودولي مكثف شمل مؤتمر الرباعية الدولية في برلين. واجتماعات الآلية الخماسية في أديس أبابا. وتحركات مجموعة الدول المعنية بالشأن السوداني . ما يثير تساؤلات جوهرية حول ما إذا كانت الحرب السودانية قد دخلت بالفعل مرحلة البحث عن التسوية النهائية. أم أن البلاد لا تزال بعيدة عن نقطة التوافق التي تسمح بإنهاء الصراع.


تظل معركة الشرعية عن من يملك تمثيل السودان؟
منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023 ظل المجتمع الدولي يتعامل مع الحكومة الموجودة في بورتسودان باعتبارها الممثل الرسمي للدولة السودانية بحكم سيطرتها على مؤسسات الدولة التقليدية ومقعد السودان في الأمم المتحدة.
لكن مشروع القانون الأمريكي الجديد يحمل رسالة سياسية مختلفة .إذ يطرح للمرة الأولى داخل المؤسسة التشريعية الأمريكية سؤالاً حساساً يتعلق بشرعية استمرار هذا التمثيل في ظل غياب حكومة مدنية منتخبة أو انتقال سياسي متوافق عليه.


ولا يعني ذلك بالضرورة أن واشنطن قررت سحب الاعتراف الفوري بالحكومة القائمة ولكنه يمثل ورقة ضغط سياسية قوية تهدف إلى دفع الأطراف السودانية نحو تسوية سياسية أوسع وربما إعادة تشكيل المشهد الانتقالي وفق رؤية دولية جديدة.


ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس حالة الإحباط المتزايدة داخل دوائر صنع القرار الغربية من استمرار الحرب وتعثر جهود الوساطة وخاصة بعد فشل العديد من المبادرات السابقة في وقف القتال بصورة مستدامة.
يعتبر مؤتمر برلين هو محاولة لإحياء المسار السياسي.
جاء مؤتمر الرباعية الدولية في برلين ليؤكد أن المجتمع الدولي بات أكثر اقتناعاً بأن الحل العسكري في السودان أصبح شبه مستحيل.


فالوقائع الميدانية تشير إلى أن أياً من الطرفين لم يتمكن من تحقيق انتصار استراتيجي حاسم رغم مرور أكثر من ثلاث سنوات على اندلاع الحرب.
الجيش السوداني استطاع استعادة مواقع مهمة وتعزيز سيطرته على أجزاء واسعة من البلاد، بينما ما زالت قوات الدعم السريع تحتفظ بقدرات قتالية وانتشار جغرافي يمنع إنهاء الحرب بالقوة العسكرية وحدها.


لهذا ركزت مخرجات برلين على ضرورة وقف إطلاق النار وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية وإطلاق عملية سياسية شاملة وهي أهداف تبدو متواضعة مقارنة بحجم الأزمة. لكنها تعكس إدراكاً دولياً بأن الأولوية أصبحت لوقف الانهيار الكامل للدولة السودانية.


أديس أبابا والخماسية هل هما يبحثان عن أرضية سودانية مشتركة؟
بالتوازي مع الحراك الأوروبي شهدت العاصمة الإثيوبية أديس أبابا اجتماعات مكثفة للقوى المدنية السودانية برعاية إقليمية ودولية.
وتحاول الآلية الخماسية بناء منصة سياسية تجمع أكبر عدد ممكن من الفاعلين السودانيين تمهيداً لإطلاق عملية تفاوضية جديدة.


غير أن التحدي الأكبر أمام هذه الجهود يتمثل في الانقسام الحاد داخل الساحة السودانية نفسها.
فالقوى المدنية ليست موحدة والحركات المسلحة لديها حساباتها الخاصة وكما أن طرفي الحرب ما زالا يعتقدان أن بإمكانهما تحسين موقعيهما التفاوضيين عبر المكاسب العسكرية.
ولذلك تبدو اجتماعات أديس أبابا خطوة مهمة لكنها ليست كافية بمفردها لإنتاج تسوية نهائية.

ماذا يقول العسكريون؟
من منظور استراتيجي وعسكري فإن الحرب دخلت مرحلة الاستنزاف الطويل.
فقد استهلك الطرفان جزءاً كبيراً من مواردهما البشرية والاقتصادية بينما تعرضت البنية التحتية السودانية لخسائر هائلة.


ويرى عدد من الخبراء العسكريين أن استمرار الحرب بالشكل الحالي لن يؤدي إلى انتصار حاسم لأي طرف بل إلى مزيد من التفكك والانهيار الاقتصادي والاجتماعي.
وفي المقابل لا تزال الحسابات العسكرية لبعض القيادات الميدانية قائمة على فكرة تحقيق اختراق كبير يغير موازين القوى وهو ما يفسر استمرار العمليات العسكرية رغم الضغوط الدولية المتزايدة.

ان رؤية الخبراء الدوليين تشير تقديرات العديد من مراكز الدراسات الدولية إلى أن السودان يواجه واحدة من أخطر الأزمات المركبة في العالم حالياً.


فالأزمة لم تعد مجرد نزاع مسلح بين قوتين عسكريتين لكنها تحولت إلى أزمة دولة ومؤسسات وهوية وطنية واقتصاد منهار ونسيج اجتماعي متصدع. ويرى خبراء الأمم المتحدة أن أي تسوية لا تشمل ترتيبات أمنية واضحة وإعادة بناء المؤسسات المدنية وضمان العدالة الانتقالية ستكون مجرد هدنة مؤقتة قد تعيد إنتاج الصراع في المستقبل.
كما يحذر خبراء الاقتصاد من أن تكلفة إعادة الإعمار ستتطلب سنوات طويلة ودعماً دولياً ضخماً حتى في حال توقف الحرب غداً.


هل اقترب الحل؟
الإجابة الواقعية هي أن السودان أصبح أقرب إلى التسوية السياسية مما كان عليه قبل عامين ولكنه لم يصل بعد إلى لحظة السلام النهائي.
فالتطورات الأخيرة سواء في واشنطن أو برلين أو أديس أبابا، تشير إلى وجود إرادة دولية متزايدة للضغط على الأطراف السودانية.
لكن التجارب التاريخية تؤكد أن الضغوط الخارجية وحدها لا تصنع السلام ما لم تنضج الإرادة الداخلية لدى المتحاربين والقوى السياسية للقبول بتنازلات متبادلة.


ولا يزال المشهد السوداني يفتقر إلى توافق وطني جامع حول شكل الدولة المقبلة وطبيعة المرحلة الانتقالية والعلاقة بين المدنيين والعسكريين ومستقبل الحركات المسلحة.

يقف السودان اليوم عند مفترق طرق تاريخي. فبينما تتسع دائرة الضغوط الدولية وتتصاعد النقاشات حول الشرعية والتمثيل السياسي تستمر الحرب في استنزاف ما تبقى من الدولة والمجتمع والاقتصاد.


إن مشروع القانون الأمريكي ليس مجرد إجراء تشريعي عابر لكنه مؤشر على أن المجتمع الدولي بدأ ينتقل من مرحلة إدارة الأزمة إلى مرحلة إعادة صياغة قواعد التعامل معها. كما أن اجتماعات برلين وأديس أبابا تعكس قناعة متزايدة بأن مستقبل السودان لا يمكن أن يُبنى على انتصار عسكري لطرف وهزيمة كاملة للطرف الآخر.


ويبقى السؤال الأهم هو هل يلتقط السودانيون هذه اللحظة التاريخية لصناعة سلامهم بأيديهم أم أن البلاد ستواصل الدوران في حلقة الحرب والاستنزاف لسنوات أخرى؟
الحلول لم تعد في العواصم الدولية وحدها بل في قدرة السودانيين أنفسهم على تحويل إرادة البقاء إلى مشروع وطني يعيد للدولة استقرارها وللمجتمع وحدته وللمواطن حقه في السلام والأمن والكرامة والحياة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى