مقالات

لازم نزرع.. مقاومة مزارعو الجزيرة للحرب بالزراعة؟

كتب.. حسين سعد

من أرض المحنة
ومن قلب الجزيرة
برسل للمسافر أشواقي الكبيرة
يامسافر حليك ويا حليل ابتسامك.. هكذا تغني اهل الجزيرة لحواشاتهم ومدنهم قرية قرية ومدنية مدينة وترعة ترعة.. عندما كانت الحقول تشتعل قمحا وقطنا وتمني لكن اليوم يخوض مزارع الجزيرة ، واحدة من أصعب المعارك في تاريخهم الحديث. فالحرب التي اجتاحت السودان لم تقتصر آثارها على المدن ومراكز الخدمات، بل امتدت إلى الريف، وضربت أحد أهم أعمدة الاقتصاد الوطني والأمن الغذائي: مشروع الجزيرة والمناقل.

المزارع الذي اعتاد أن يبدأ يومه بتفقد قنوات الري ومتابعة دورة الإنتاج، وجد نفسه خلال السنوات التي أستبقت الحرب في مواجهة واقع بالغ القسوة؛ بنية تحتية متدهورة، وشبكات ري متآكلة، وارتفاع متسارع في تكاليف الإنتاج، وتعطل سلاسل الإمداد، وغياب التحضيرات الزراعية المبكرة التي كانت تمثل أساس نجاح المواسم الزراعية.


ومع اندلاع الحرب، تضاعفت التحديات. فقد تعرض مشروع الجزيرة لأضرار واسعة شملت قنوات الري والترع، ومخازن البذور والأسمدة، وورش تصنيع قطع الغيار، فضلاً عن تعطيل العديد من الوحدات الفنية والإدارية. وللمرة الأولى منذ تأسيس المشروع قبل أكثر من قرن، توقفت أجزاء واسعة من الأنشطة الزراعية، في مشهد عكس حجم الكارثة التي أصابت القطاع الزراعي السوداني.


وفي أبريل الماضي، أعلن محافظ مشروع الجزيرة المهندس إبراهيم مصطفى أن المشروع تعرض لعمليات نهب وتخريب واسعة خلال الحرب، مقدراً حجم الخسائر بنحو ستة مليارات دولار. وقال إن الهجمات التي طالت مناطق المشروع أدت إلى نزوح السكان وإلحاق أضرار جسيمة بالبنية التحتية الزراعية، ما تسبب في انهيار أجزاء كبيرة من المنشآت والخدمات المرتبطة بالإنتاج.


ورغم حجم الدمار، أكد المحافظ أن المشروع بدأ يستعيد جزءاً من نشاطه بفضل جهود المزارعين والعاملين والفرق الفنية، مشدداً على أن الجزيرة تظل ركيزة أساسية للأمن الغذائي في السودان. كما كشف مدير الري بالمشروع المهندس محمد عثمان العوض عن معالجة أكثر من 1500 كسر في الترع والقنوات، مع استمرار عمليات الصيانة والتطهير وإعادة تأهيل شبكات الري المتضررة.

الموسم الجديد..

وفي إطار الاستعداد للموسم الزراعي 2026 ـ 2027، أعلن محافظ المشروع خلال منتدى مشروع الجزيرة الشهري عن توفير 48 مليار جنيه لتأهيل منظومة الري، إلى جانب تأمين 200 ألف جالون من الجازولين للموسم الزراعي، وتوفير 50 ألف طن من مدخلات الإنتاج لمحاصيل العروة الصيفية عبر البنك الزراعي وبنك المزارع، فضلاً عن توفير التقاوي المحسنة.


وأشار إلى دخول عدد من الشركات لتمويل زراعة مساحات مقدرة بمحصول القطن، بجانب ترتيبات لتمويل زراعة 100 ألف فدان إضافية عبر بنك المزارع. كما دعا المزارعين إلى الإسراع في تجهيز الأراضي المستهدفة، مع التركيز على زراعة الذرة باعتبارها محصولاً استراتيجياً لتأمين الغذاء.

معركة لازم نزرع..

لكن، وعلى الرغم من هذه الجهود الرسمية، ظل العبء الأكبر يقع على عاتق المزارعين أنفسهم، الذين حاولوا إعادة تعريف الزراعة من داخل القرى والمنازل، عبر مبادرات تعتمد على التضامن المجتمعي والعمل الجماعي لتعويض غياب الخدمات وضعف الدعم.


في هذا السياق برزت حملة «لازم نزرع» التي أطلقها تحالف مزارعي الجزيرة والمناقل باعتبارها استجابة عملية للأزمة الزراعية والغذائية التي تعيشها المنطقة. فالحملة لا تقدم نفسها كمبادرة موسمية فحسب، بل كمشروع مجتمعي يهدف إلى حماية سبل العيش وتعزيز الإنتاج المحلي في ظل ظروف الحرب.

البقاء أو الفناء..

وأعلن التحالف انطلاق المرحلة الثانية من الحملة بالتزامن مع اليوم العالمي للتضامن مع الفلاحين في 17 أبريل، تحت شعار: «البقاء أو الفناء… الأرض لنا زرع ووطن وللأعداء علقم وكفن».
ووفقاً لبيان التحالف الذي تلقت مدنية نيوز نسخة منه ، تمكنت المرحلة الأولى، التي امتدت من مايو إلى يونيو، من الوصول إلى نحو 2540 أسرة في 42 قرية وكنبو، عبر أنشطة شملت الزراعة المنزلية، وإنتاج الأسمدة العضوية، ومشروعات البيوغاز، وإنشاء مشاتل مجتمعية.

الإنتاج الأسرى..

واعتمدت الحملة على توسيع الإنتاج الأسري بوصفه أحد الحلول العملية لمواجهة تراجع الإنتاج الزراعي وارتفاع تكاليف المعيشة، حيث وفرت للأسر أدوات بسيطة تساعدها على إنتاج جزء من احتياجاتها الغذائية داخل المنازل والقرى.
وتسعى المرحلة الثانية إلى توسيع نطاق العمل ليشمل 10 آلاف منزل عبر برامج الزراعة المنزلية، وتوزيع بذور الخضروات، وتوفير فقاسات لتربية الدواجن، إلى جانب المساهمة في تطهير قنوات الري، وإنشاء مشاتل زراعية مجتمعية، وإدخال برنامج «الفلاحة المدرسية» في عدد من المدارس.


كما تتضمن الخطة إنشاء بنك للبذور، ودعم الجمعيات التعاونية الزراعية، وتنظيم برامج تدريبية للشباب والنساء في مجالات التنمية الريفية والإنتاج الزراعي، بما يعزز قدرة المجتمعات المحلية على الصمود في مواجهة الأزمات الاقتصادية والإنسانية.
ويعتمد تنفيذ هذه البرامج على لجان القرى التي تتولى حصر الأسر المستهدفة، وتوزيع البذور، ومتابعة الأنشطة الزراعية، ورفع التقارير الدورية، فضلاً عن الاستفادة من وسائل التواصل الحديثة لتنسيق الجهود بين المشاركين في الحملة.

جسارة النساء..

ويؤكد القائمون على المبادرة أن النساء الريفيات يشكلن العمود الفقري للمشروع، لما يلعبنه من دور محوري في الإنتاج الغذائي الأسري وإدارة الأنشطة الزراعية الصغيرة داخل القرى.
وقال مقرر التحالف عبد الرؤوف عمر في حديثه مع مدنية نيوز.. إن الحملة تستهدف شهرياً نحو 1500 أسرة، مشيراً إلى أن هذا الرقم جرى تجاوزه خلال المرحلة الأولى، الأمر الذي يعكس حجم التفاعل المجتمعي والاستعداد للمشاركة في المبادرة. وأضاف أن الخطة الحالية تشمل 40 قرية و20 مدرسة ضمن برامج الفلاحة المدرسية والمشاتل الزراعية، إلى جانب استلام فقاسات جديدة خلال شهر يونيو.
الخاتمة من المحرر..

ولا تنفصل حملة «لازم نزرع» عن السؤال الأكبر الذي يواجه السودان اليوم: كيف يمكن استعادة مشروع الجزيرة والمناقل لدوره التاريخي في تحقيق الأمن الغذائي؟
فالمشروع الذي ظل لعقود طويلة أحد أهم مراكز إنتاج القطن والقمح والذرة في البلاد، يواجه اليوم تحديات غير مسبوقة نتيجة تراكم سنوات من الإهمال ثم تداعيات الحرب. ومع ذلك، يرى المزارعون أن مستقبل الريف السوداني لا يزال مرتبطاً بالأرض وقدرتها على الإنتاج.


لذلك، تبدو حملة «لازم نزرع» أكثر من مجرد نشاط زراعي؛ إنها محاولة لإعادة بناء الحياة في الريف، واستعادة الثقة في قدرة المجتمعات المحلية على مواجهة الجوع والفقر وآثار الحرب. وفي لحظة تتقاطع فيها الأزمات الاقتصادية والإنسانية، يصر مزارعو الجزيرة والمناقل على التمسك بالأرض باعتبارها آخر خطوط الدفاع عن الحياة، وأحد أهم مفاتيح استعادة السودان لعافيته وإنتاجه وأمنه الغذائي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى