هذا الوطن لا يحتمل دمعةً أخرى

مبادرة الإصلاح المجتمعي بولاية شرق دارفور
هذا الوطن لا يحتمل دمعةً أخرى
في كل مساءٍ حزينٍ من أمسيات هذا الوطن، تجلس أمٌّ عند باب بيتها، تُحدّق في الطريق الطويل، كأنها تنتظر عودة الذين أخذتهم الحرب بعيدًا.
لا تدري إن كانوا سيعودون أم صاروا مجرد أسماءٍ تحفظها الذاكرة وتبكيها القلوب.
في شرق دارفور، كما في كثيرٍ من بقاع السودان، لم تعد المأساة أرقامًا تُحصى، بل وجوهًا نعرفها، وأصواتًا اشتقنا إليها، وأحلامًا صغيرةً دفنتها الأزمات قبل أن ترى النور.
هنا طفلٌ فقد مدرسته، وهناك شيخٌ فقد جيرانه، وفي مكانٍ آخر أمٌّ فقدت القدرة على البكاء من كثرة ما بكت.
لقد أنهكتنا الخصومات، وأتعبتنا الجراح، وأثقلت كاهلنا سنواتٌ طويلة من الخوف والفرقة. حتى صار الوطن يشبه قلبًا متعبًا يخفق بصعوبة، وينتظر من يمدّ إليه يد الرحمة قبل أن يغرق في المزيد من الألم.
ولهذا جاءت مبادرة الإصلاح المجتمعي بولاية شرق دارفور.
لم تأتِ لتحيي جدالًا قديمًا، ولا لتنتصر لطرفٍ على آخر، بل جاءت لتقول كلمةً بسيطةً وعظيمةً في آنٍ واحد: كفى.
كفى دموعًا تسيل على الخدود. كفى أمهاتٍ يرتدين ثوب الانتظار. كفى أطفالًا يكبرون على أصوات الخوف بدلًا من أصوات الفرح. كفى أوطانًا صغيرةً تتكسر داخل الوطن الكبير.
إن الإصلاح المجتمعي ليس اجتماعًا يُعقد ثم ينفض، وليس بيانًا يُكتب ثم يُنسى. الإصلاح هو أن نعيد اكتشاف إنسانيتنا التي أرهقتها الصراعات. أن نُمسك بأيدي بعضنا البعض ونحن نعبر هذا النفق الطويل. أن نؤمن أن ما يجمعنا أكبر من كل ما فرّقنا.
فأيُّ معنى للحياة إذا فقد الجارُ جاره؟ وأيُّ قيمةٍ للنصر إذا امتلأت البيوت بالحزن؟ وأيُّ مستقبلٍ نرجوه إذا ورّثنا أبناءنا الكراهية بدل المحبة؟
هذا الوطن لا يحتمل دمعةً أخرى.
لا يحتمل أن تنام أمٌّ وهي تخشى على أبنائها. ولا يحتمل أن يكبر طفلٌ وهو يظن أن الخوف قدره الأبدي. ولا يحتمل أن تستمر القلوب متباعدةً بينما الألم واحد، والمصير واحد، والأرض واحدة.
إن السودان الذي نحبّه يستحق فرصةً جديدة. ويستحق أن نُرمم ما تهدّم بين الناس. ويستحق أن نزرع مكان كل جرحٍ أملاً، ومكان كل خصومةٍ مصافحة، ومكان كل دمعةٍ ابتسامة.
فلنجعل من هذه المبادرة وعدًا أخلاقيًا قبل أن تكون مشروعًا مجتمعيًا. وعدًا بأن نحمي ما تبقّى من إنسانيتنا. وعدًا بأن ننتصر للرحمة. وعدًا بأن نمنح أطفالنا وطنًا لا يخافون فيه من الغد.
فهذا الوطن…
تعب من دفن أحلام أبنائه.
وهذا الشعب…
يستحق أن يعيش.
ويستحق أن يفرح.
ويستحق ألا تذرف عيناه دمعةً أخرى.




