مقالات

الدولة العلمانية والدولة المدنية أيُّ طريقٍ للسودان افيد بعد حرب 15 أبريل؟

الدولة العلمانية والدولة المدنية أيُّ طريقٍ للسودان افيد بعد حرب 15 أبريل؟

مركز الاستدامة للتنمية والاستينارة
عبدالله موسى احمد

تضع الحروب أوزارها لا يسأل السودانيين من انتصر؟ لكن سيكون السؤال أي دولة ستولد من بين الحرب الركام والدمار؟
هذا هو السؤال الذي يواجه السودانيين اليوم بعد الحرب التي اندلعت في 15 أبريل 2023 وهي حرب لم تقتصر آثارها على الدمار المادي وانهيار مؤسسات الدولة لكنها كشفت أيضاً هشاشة الأسس الفكرية والسياسية التي قام عليها نظام الدولة الوطنية منذ الاستقلال. وفي خضم البحث عن مستقبل جديد عاد إلى الساحة جدل قديم متجدد حول طبيعة الدولة المنشودة هل ستكون دولة علمانية؟ أم دولة مدنية؟ أم أن الصراع بين المفهومين يخفي إشكاليات أعمق تتعلق بطبيعة السلطة والمواطنة والهوية؟


ورغم أن المصطلحين كثيراً ما يُستخدمان بالتبادل في الخطاب السياسي فإن بينهما اختلافات فلسفية وسياسية جوهرية تستحق التأمل خصوصاً في بلد متنوع ومعقد مثل السودان.

الدولة العلمانية تعمل على تحرير السياسة من الوصاية الدينية ونشأت العلمانية في أوروبا بوصفها استجابة لصراعات طويلة بين الكنيسة والسلطة السياسية. وقد سعت إلى بناء نظام سياسي لا تستمد فيه الدولة شرعيتها من مؤسسة دينية بل من الإرادة الشعبية والقانون.


في جوهرها لا تعني العلمانية بالضرورة محاربة الدين أو إقصاءه من المجتمع كما يعتقد كثيرون وإنما تعني منع احتكار الحقيقة الدينية للسلطة السياسية. فالدولة في التصور العلماني تقف على مسافة واحدة من جميع الأديان والمعتقدات وتتعامل مع المواطنين بوصفهم مواطنين لا بوصفهم أتباعاً لعقائد مختلفة.


غير أن التجربة التاريخية أفرزت نماذج متعددة للعلمانية. ففي فرنسا اتخذت العلمانية طابعاً صارماً يحد من حضور الرموز الدينية في المجال العام بينما اتخذت في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة طابعاً أكثر مرونة يسمح للدين بلعب أدوار اجتماعية وثقافية واسعة دون أن يتحول إلى مصدر للسلطة السياسية.


لكن النقد الأبرز الموجه للعلمانية يتمثل في أنها وُلدت في سياق تاريخي أوروبي خاص وأن نقلها حرفياً إلى مجتمعات أخرى قد يخلق صداماً مع البنى الثقافية والدينية المحلية. كما أن بعض تجاربها في العالم النامي ارتبطت بأنظمة سلطوية رفعت شعار العلمانية دون أن تحقق الديمقراطية أو العدالة.

الدولة المدنية هى سلطة المؤسسات لا سلطة البنادق
أما مفهوم الدولة المدنية فقد ظهر بوصفه محاولة لتجاوز الاستقطاب الحاد بين الدولة الدينية والدولة العلمانية.
فالدولة المدنية لا تُعرّف نفسها أساساً من خلال موقفها من الدين لكن من خلال طبيعة السلطة فيها. إنها دولة يحكمها الدستور والقانون والمؤسسات المنتخبة وتقوم على المواطنة المتساوية والتداول السلمي للسلطة وترفض احتكار الحكم سواء من قبل المؤسسة العسكرية أو المؤسسة الدينية.
وفي هذا المعنى فإن الدولة المدنية ليست نقيضاً للدين كما أنها ليست مرادفاً للعلمانية. فهي تسمح بحضور القيم الدينية والأخلاقية في المجال العام لكنها تمنع تحويلها إلى سلطة فوق سلطة الدولة أو فوق إرادة المواطنين.


غير أن هذا المفهوم ليس خالياً من الإشكالات. فالغموض الذي يحيط بتعريف الدولة المدنية جعلها في كثير من الأحيان مفهوماً توافقياً فضفاضاً يمكن أن تتبناه تيارات متناقضة فكرياً. ولذلك يرى بعض النقاد أن الدولة المدنية ليست نظرية سياسية متكاملة بقدر ما هي إطار عام يحتاج إلى تحديدات دستورية وقانونية دقيقة.

هل السودان بين التجربتين أزمة فى المفاهيم أم أزمة فى الدولة؟
منذ الاستقلال ظل السودان يتأرجح بين مشاريع متنافسة لبناء الدولة. فمرة يُطرح المشروع الإسلامي بوصفه أساس الشرعية السياسية ومرة تُطرح العلمانية باعتبارها المدخل الوحيد لإدارة التنوع بينما تتكرر الانقلابات العسكرية التي تنسف الاثنين معاً.


لقد أظهرت حرب 15 أبريل أن المشكلة السودانية أعمق من مجرد اختيار بين العلمانية والمدنية. فالأزمة الحقيقية تتمثل في ضعف مؤسسات الدولة وهشاشة العقد الاجتماعي وتغليب الولاءات القبلية والجهوية والحزبية على مفهوم المواطنة.
فالعلمانية وحدها لا تضمن الديمقراطية كما أن الدولة المدنية وحدها لا تمنع الاستبداد إذا غابت المؤسسات القوية وسيادة القانون. والتاريخ السياسي المعاصر مليء بأمثلة لدول علمانية استبدادية كما توجد دول مدنية فشلت في حماية الحقوق والحريات.
ومن هنا فإن السؤال الأهم للسودانيين ليس هل تكون الدولة علمانية أم مدنية؟ بل كيف تُبنى دولة تحترم التعدد الديني والثقافي والإثني وتضمن المساواة بين المواطنين وتمنع احتكار السلطة والثروة والسلاح؟

قد يكون السودان بحاجة إلى تجاوز الاستقطاب التقليدي بين المفهومين نحو صيغة وطنية أكثر واقعية.
صيغة تقوم على المواطنة المتساوية أساساً للحقوق والواجبات. وحياد الدولة تجاه الانتماءات الدينية والإثنية. وحماية حرية الاعتقاد والضمير. وفصل المؤسسة العسكرية عن العمل السياسي. واستقلال القضاء وسيادة القانون. والاعتراف بالتنوع الثقافي واللغوي والديني بوصفه ثروة وطنية لا تهديداً للوحدة.


في مثل هذه الصيغة تصبح الدولة مدنية في بنيتها السياسية ومحايدة في تعاملها مع الأديان وديمقراطية في شرعيتها دون الدخول في معارك أيديولوجية تستنزف المجتمع.

من هنا يكشف الجدل بين الدولة العلمانية والدولة المدنية عن سؤال أعمق يتعلق بكيفية تنظيم السلطة داخل المجتمع. فالعلمانية تقدم ميزة حماية الدولة من الهيمنة الدينية وضمان المساواة القانونية بين المواطنين لكنها قد تتحول إلى مشروع إقصائي إذا فُرضت بصورة متشددة أو منفصلة عن السياق الثقافي للمجتمع.


أما الدولة المدنية فتمتاز بتركيزها على المؤسسات والدستور والمواطنة والتداول السلمي للسلطة لكنها قد تتحول إلى مفهوم ضبابي إذا لم تُحدد بوضوح العلاقة بين الدين والسياسة وحدود السلطة.


وبالنسبة للسودان الخارج من أتون الحرب فإن نجاح الدولة القادمة لن يُقاس باسمها بقدر ما يُقاس بقدرتها على تحقيق السلام والعدالة والحرية والمساواة. فالدولة التي يحتاجها السودانيون ليست مجرد دولة علمانية أو مدنية بل دولة قادرة على أن تجعل المواطن يشعر بأنه شريك كامل في الوطن لا تابعاً لطائفة أو قبيلة أو حزب أو بندقية.


وذلك هو التحدي الحقيقي الذي ينتظر السودانيين في مرحلة ما بعد الحرب وهو أيضاً الامتحان الذي سيحدد شكل الدولة ومستقبل الشعوب السودانية لعقود قادمة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى