مقالات

صناعة السلام بلا بندقية : إعلان مبادئ نيروبي بين الحقيقة والخيال

مركز الاستدامة للتنمية والاستينار
عبدالله موسى احمد

هل يمكن أن يصنع السلام في السودان بلا بندقية؟
منذ اندلاع حرب 15 أبريل 2023 بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع ظل السؤال الأكثر إلحاحاً في المشهد السوداني هو من يملك مفتاح السلام؟ وهل يمكن للقوى المدنية التي لا تمتلك جيشاً ولا بندقية أن تفرض مشروعاً للحل في بلد أصبحت فيه القوة المسلحة هي اللغة الأعلى صوتاً؟
في هذا السياق جاء ما عُرف بـاعلان مبادئ نيروبي باعتباره محاولة جديدة لإعادة فتح باب السياسة بعد أن أُغلقت أبوابه بالنار والدمار والانقسام. لكن الإعلان منذ لحظة ظهوره انقسم حوله السودانيون بين من يراه فرصة أخيرة لإنقاذ الدولة ومن يعتبره مجرد وثيقة سياسية تعيش في عالم المثاليات بعيداً عن واقع الحرب وموازين القوة.
أولاً ما الذي يحاول إعلان نيروبي قوله؟
جوهر الإعلان يقوم على عدة أفكار رئيسية منها
وقف الحرب عبر عملية سياسية شاملة.
تأسيس دولة مدنية ديمقراطية.
إنهاء احتكار السلطة بواسطة المؤسسة العسكرية.
إعادة بناء الجيش على أسس قومية.
معالجة جذور الأزمة السودانية التاريخية المرتبطة بالتهميش والهوية والسلطة والثروة.
إشراك القوى المدنية في صياغة مستقبل البلاد.
هذه الأفكار ليست جديدة تماماً فهي امتداد لمشاريع سياسية ظهرت منذ اتفاقية السلام الشامل مروراً بثورة ديسمبر وحتى المبادرات الإقليمية والدولية الأخيرة. لكن الجديد هنا أن الحرب الحالية أعادت طرح السؤال القديم المتجدد بصورة أكثر قسوة هل يمكن بناء دولة مدنية بينما السلاح هو الحاكم الفعلي على الأرض؟
ثانياً هنالك اشياء بين الحقيقة والخيال

  1. الحقيقة الحرب ليست مجرد صراع عسكري
    الحرب السودانية الحالية ليست مواجهة تقليدية بين جيش وتمرد فقط بل هي انفجار شامل لأزمة الدولة السودانية وأزمة المركز والهامش وأزمة الهوية الوطنية. وانهيار مشروع الدولة بعد الاستقلال.
    وعسكرة السياسة.وضعف المؤسسات المدنية.
    وتدخلات إقليمية ودولية معقدة.
    لذلك فإن أي حل عسكري خالص قد يوقف المعارك مؤقتاً لكنه لن ينهي أسباب الحرب. وهذه نقطة قوة أساسية في أي مشروع سياسي مثل إعلان نيروبي، لأنه يحاول مخاطبة جذور الأزمة لا مظاهرها فقط.
  2. الخيال الاعتقاد أن البيانات وحدها تصنع السلام
    في المقابل هناك قدر من المثالية السياسية في الاعتقاد أن القوى المدنية يمكنها عبر البيانات والمواثيق فقط أن تفرض السلام على قوتين تخوضان حرباً وجودية.
    فالواقع يقول إن السلاح اليوم يحدد السيطرة على الأرض. القرار العسكري في السودان أصبح أكثر تأثيراً من القرار السياسي. القوى المدنية نفسها تعاني من الانقسام والتشتت وفقدان الحاضنة الشعبية الموحدة.
    وكثير من المبادرات المدنية لا تمتلك أدوات ضغط حقيقية على أطراف الحرب.
    وهنا يظهر التناقض الكبير ان القوى المدنية تمتلك المشروعية الأخلاقية والسياسية لكنها لا تمتلك أدوات القوة. بينما الأطراف المسلحة تمتلك القوة لكنها تعاني من أزمة الشرعية الوطنية.
    ثالثاً هل تستطيع القوى المدنية دون بندقية حل الأزمة؟
    الإجابة الواقعية ليست نعم مطلقة ولا لا مطلقة.
    القوى المدنية تستطيع إذا توحدت حول مشروع وطني حقيقي. اذا خرجت من حالة الاستقطاب بين الجيش والدعم السريع. واستطاعت بناء قاعدة شعبية واسعة. وامتلكت أدوات ضغط دبلوماسية وإعلامية واقتصادية. وارتبطت بمطالب الناس اليومية من الأمن، الغذاء، العودة، الخدمات. وقدمت تصوراً واقعياً لإعادة بناء الدولة لا مجرد شعارات.
    لكن المشكلة الكبرى أن السودان تاريخياً تحكمه القوة المسلحة منذ الاستقلال لم تستطع النخب المدنية بناء دولة قوية مستقرة. فكل مرحلة انتقالية تقريباً انتهت بانقلاب أو حرب أو تدخل عسكري. وهذا جعل قطاعات واسعة من السودانيين تنظر إلى السلاح باعتباره الفاعل الحقيقي الوحيد في السياسة.
    لذلك فإن أي مشروع مدني يواجه سؤالاً صعباً كيف يمكن إقناع حملة السلاح بالتخلي عن امتيازاتهم لصالح مشروع مدني لا يملك أدوات الردع؟
    وهذه هي العقدة المركزية في السودان وليست فقط في إعلان نيروبي.
    رابعاً هل يمكن أن ينتج الإعلان حلاً حقيقياً؟
    الإجابة تعتمد على عدة عوامل منها إذا تحول الإعلان إلى منصة حوار واسعة وضغط إقليمي ودولي حقيقي وتفاهمات ميدانية وترتيبات أمنية قابلة للتنفيذ
    فقد يصبح جزءاً من عملية سلام مستقبلية.
    أما إذا بقي مجرد وثيقة نخبوية معزولة عن الواقع الميداني فسيظل أقرب إلى إعلان نوايا منه إلى مشروع سلام فعلي.
    خامساً الأزمة الأعمق هى غياب الدولة نفسها
    الحرب الحالية كشفت حقيقة خطيرة ان السودان لا يعاني فقط من صراع على السلطة بل من أزمة تعريف الدولة ذاتها خاصة فى من يحكم؟ ومن يملك السلاح؟
    وما علاقة المركز بالأقاليم؟ وهل السودان دولة مواطنة أم تحالف قوى مسلحة؟ وهل الجيش مؤسسة قومية أم فاعل سياسي؟ وهل يمكن دمج الجيوش المتعددة في مؤسسة واحدة؟
    هذه الأسئلة لا تستطيع البندقية وحدها الإجابة عنها كما لا تستطيع النخب المدنية الإجابة عنها دون قوة سياسية واجتماعية حقيقية.
    علية إعلان مبادئ نيروبي ليس وهماً كاملاً وليس أيضاً مفتاحاً سحرياً للسلام. إنه محاولة سياسية في لحظة انهارت فيها السياسة تحت صوت المدافع.
    لكن الحقيقة التي أثبتها تاريخ السودان أن الحرب وحدها لا تبني دولة كما أن البيانات وحدها لا توقف حرباً. وبين البندقية والسياسة يقف السودان اليوم على حافة سؤال مصيري هل يستطيع السودانيون إنتاج مشروع وطني جديد يتجاوز منطق الغلبة العسكرية أم أن البلاد ستظل تدور داخل الحلقة نفسها حيث ينتصر السلاح مؤقتاً ثم تعود الحرب من جديد بصورة أكثر عنفاً؟ كل سنة الجميع بخير وينعاد علينا بخير والبركات

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى