اجتماع الآباء المؤسسين وآخرون في نيروبي.. هل يمكن أن تنتهي الحرب قبل أن تبدأ السياسة من جديد؟

كتب : منذر مصطفى
بعد أكثر من 3 سنوات من الحرب والانهيار، التأم في نيروبي اجتماعٌ لعدد من القادة السياسيين والنشطاء والشخصيات العامة، كـ محاولة متأخرة –وربما ضرورية– لإعادة بناء الجبهة المدنية، بعد سنوات من التشظي والعجز وفقدان المبادرة.
ولـ المرة الأولى منذ اندلاع الحرب، يبدو أن هناك إدراكاً متزايداً بأن الأزمة من الأفضل عدم اختزالها في انقلاب أو صراع مسلح بين مراكز قوى متنافسة، وإنما هي أيضاً أزمة قوى مدنية عجزت عن إدارة تناقضاتها، وأخفقت في حماية المجال السياسي والاجتماعي الذي أنتجته ثورة ديسمبر بدمائها.
لقد أعاق الانقسام السياسي بالفعل، وبصورة عميقة، قدرة القوى المدنية على التدخل والتأثير؛ ففي السنوات التي سبقت الحرب والانقلاب، تصرفت بعض مراكز القوة داخل المجال المدني وكأنها تمتلك تفويضاً حصرياً لـ إدارة المجال العام، أو قدرة استثنائية على تجاوز التوافقات السياسية كلما سنحت فرصة تفاهم منفرد مع المؤسسة العسكرية.
أدى ذلك لـ تعميق فقدان الثقة داخل المعسكر المدني، وأسهم كذلك في إضعاف المشروع السياسي “الحرية، السلام، والعدالة” الذي مثلته ثورة ديسمبر، باعتبارها آخر لحظة إجماع شعبي واسعة حول أسئلة الدولة والعدالة والسلطة والعلاقة بين المجتمع والحكومة.
ومع تعمق الانقسام، نشأت أجسام وتحالفات حاولت – بحسن نية أحياناً، وبتقديرات سياسية قاصرة أحياناً أخرى- ملء الفراغ أو التصدي لـ تغول الحرب، لكن كثيراً من هذه المحاولات جرى خارج تقليد طويل من العمل المدني الجماعي المنظم، وتحت أطروحة “الوصاية”، وكانت النتيجة إنتاج منصات متشظية محدودة الفاعلية، بعضها -بوعي أو من دونه – ساعد في تطبيع نتائج الحرب أو التعايش مع وقائعها بوصفها أمراً لا يمكن تغييره.
وفي الأثناء، تمددت الحرب لتصبح اقتصاداً قائماً بذاته، وشبكة مصالح متكاملة يستفيد منها فاعلون محليون وإقليميون؛ حيث أصبحت نظاماً اقتصادياً وسياسياً منتجاً لمصالح يصعب تفكيكها بالنيات الحسنة أو الخطاب الأدبي وحده؛ فالسلطة على الموارد، ومسارات التجارة، والمساعدات، والذهب، والنفوذ العابر للحدود، هي رهان أمرائها.
في المقابل، كان الأثر الأكثر قسوة لـ الانقسام المدني يتمثل في تعطل البنية الاجتماعية التي صنعت الثورة، حيث أصاب الضعف قطاعات واسعة من النقابات والمجموعات القاعدية والتنظيمات المهنية والمطلبية، وتراجع المجال العام تحت ضغط الحرب والاستقطاب والاستنزاف.
وفي لحظات عديدة، تحول الخلاف في التقدير السياسي لـ اختلاف في الرؤية، تخللته ممارسات إقصائية وملاحقات وتفكيك أضرَّ بالمجتمع المدني أكثر مما أضرَّ بالخصوم؛ إذ رصد “المعهد” انخراط أجسام مدنية في مطاردة فاعلين ومدافعين عن حقوق الإنسان، وتداول نشطاء نهاراً جهاراً أوراقاً وخططاً لتفتيت منظمات وتنظيمات قاعدية تعبر عن مطالب إنسانية ومدنية.
غير أن المبالغة في جلد الذات المدنية ستكون، بدورها، تبسيطاً آخر؛ فأزمة اليوم تقع عند تقاطع مصالح إقليمية ودولية كثيفة، حيث تتحدد كثير من موازين الحرب والسلم خارج الحدود بقدر ما تتحدد داخلها، ولذلك فإن أي مركز مدني جديد سيواجه تحدي الانقسام الداخلي ما لم تكن هناك دعوات صادقة للجميع بعيداً عن المكايدة، بالإضافة إلى السقف الجيوسياسي الذي يفرض حدوداً قاسية على الفعل السياسي، ويجعل الاستقلال الكامل لـ القرار أمراً أكثر تعقيداً مما يبدو في الخطاب العام.
لهذا، فإن السؤال الذي يُتوقع أن يجيب عليه اجتماع نيروبي ليس: “هل يمكن أن تنتهي الحرب قبل أن تبدأ السياسة من جديد؟” – هذا السؤال يخفي رغبة متقدة في “الوصاية”- والسؤال المهم هو: “هل يمكن استعادة السياسة من قبضة الحرب؟”.
والإجابة تكمن في استعادة منهجية الثورة؛ إذ لم يعد ممكناً إعادة إنتاج نموذج “الهرولة لـ الدبلوماسية” الذي تحتكر فيه دوائر ضيقة القرارَ باسم مجتمع واسع، ولا التعويل على مركز مدني مغلق يعيد تدوير الأسماء والأدوات نفسها.
إن استعادة الفاعلية المدنية تقتضي، قبل أي شيء، إعادة بناء الشرعية من أسفل: عبر المجموعات القاعدية، والنقابات، والتنظيمات المجتمعية، وتوسيع التمثيل الحقيقي لـ الشباب والنساء والقوى الاجتماعية المهمشة، مع إدارة التناقضات لا إنكارها، وبناء حد أدنى من التوافق العملي حول أهداف واضحة: وقف الحرب، حماية المجال المدني، ومنع إعادة إنتاج اقتصاد الحرب.
والسؤال الأهم: هل يملك الساسة والشباب والنساء الوقت الكافي لتحقيق ذلك؟ ربما لا، لكن البديل أكثر خطورة: أن تستمر الحرب في إعادة تشكيل الدولة والمجتمع لـ الحد الذي تصبح فيه السياسة نفسها أثراً من الماضي.
لهذا، قد لا يكون اجتماع الساسة والنشطاء في نيروبي نهاية الحرب، لكنه ربما يمثل -إن امتلك أصحابه شجاعة المراجعة وتغيير الأدوات- بداية متأخرة لـ استعادة الثورة، قبل أن يكتمل انهيار المجال السياسي الذي يفترض أنهم يمثلونه.
وتبقى الحقيقة أن الحكم على اجتماع نيروبي مرهون بمدى القدرة على كسر الحلقة القديمة التي أعادت إنتاج العجز والانقسام؛ فالأيام القادمة وحدها هي التي ستكشف إن كان ما جرى في نيروبي بداية لـ اجتماع “الآباء المؤسسين” ولبنة أولى لـ جبهة مدنية جديدة تستعيد السياسة من قبضة الحرب وتفتح المجال العام أمام أجيال وقوى اجتماعية أوسع، أم أنه مجرد اجتماع آخر لـ”مجلس آباء السياسة” وآخرين.
منذر مصطفى
باحث | معهد السياسات العامة – السودان
25 مايو/أيار 2026




