اسعار مشتعلة وجيوب خاوية … السودانيون يواجهون اغلى موسم اضاحي

اسعار مشتعلة وجيوب خاوية … السودانيون يواجهو اغلى موسم اضاحي
🔸️تقرير: شادية جادين
مع اقتراب عيد الأضحى المبارك للعام 1447هـ، تتجه أنظار السودانيين نحو أسواق الماشية التي تمثل واحدة من أبرز ملامح الموسم الديني والاجتماعي في البلاد، غير أن فرحة العيد هذا العام تبدو باهتة لدى كثير من الأسر بعد أن وصلت أسعار خراف الأضاحي إلى مستويات غير مسبوقة في ظل الحرب المستمرة والانهيار الاقتصادي وارتفاع تكاليف المعيشة.
في كل عام، كانت أسواق الماشية في السودان تشهد حركة نشطة مع اقتراب العيد، حيث يتوافد المواطنون لاختيار الأضاحي وسط أجواء تعكس الطابع المعروف بالاهتمام بالشعائر الدينية والعادات الاجتماعية المرتبطة بالأضحية، إلا أن المشهد هذا العام اختلف بصورة واضحة فحركة الأسواق أبطأ والقدرة الشرائية تراجعت والشكوى من الغلاء أصبحت القاسم المشترك بين المواطنين والتجار على حد سواء.
واشارت كثير من الجولات الاستطلاعية إلى أن أسعار الخراف هذا الموسم تراوحت بين 650 ألف جنيه و 1400 ألف جنيه بحسب النوع والحجم والمنطقة، بينما تجاوزت بعض السلالات المعروفة مثل “الحمري” حاجز المليون ونصف جنيه في بعض الأسواق.
🔸️السودان وثروته الحيوانية
بالرغم من ان السودان واحداً من أكبر قطاعات الثروة الحيوانية في أفريقيا والعالم العربي، إذ يعتمد ملايين المواطنين بصورة مباشرة أو غير مباشرة على تربية الماشية كمصدر للدخل والمعيشة، كما تمثل صادرات الثروة الحيوانية مورداً اقتصادياً مهماً للبلاد. وتنتشر تربية الضأن في ولايات كردفان ودارفور والجزيرة والنيل الأبيض ونهر النيل وشرق السودان، وتتميز البلاد بسلالات معروفة محلياً وخارجياً مثل “الحمري” و”الكباشي” و”البلدي”، وهي سلالات تحظى بإقبال واسع خلال موسم الأضاحي بسبب جودة اللحوم والحجم.
رغم هذه الوفرة الحيوانية الا ان المواطن السوداني بات يواجه صعوبة متزايدة في الحصول على الأضحية، نتيجة الاختلالات الاقتصادية وارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل والتسويق.
🔸️الحرب وتأثيرها على أسواق الماشية
منذ اندلاع الحرب في السودان في أبريل 2023م تعرضت قطاعات واسعة من الاقتصاد السوداني للشلل وكان قطاع الثروة الحيوانية من أكثر القطاعات تأثراً خاصة مع تعطل الطرق التجارية بين الولايات وارتفاع مخاطر الترحيل.
ويقول تجار ماشية إن نقل الخراف من مناطق الإنتاج إلى الأسواق الرئيسية أصبح مكلفاً للغاية بسبب ارتفاع أسعار الوقود وتعدد الرسوم والجبايات ونقاط التفتيش، إضافة إلى المخاطر الأمنية التي تواجه الشاحنات أثناء التنقل بين الولايات.
كما أدت الحرب إلى نزوح أعداد كبيرة من المواطنين والرعاة، ما تسبب في اضطراب عمليات الرعي والإنتاج الحيواني، بجانب تراجع الخدمات البيطرية وارتفاع أسعار الأدوية والأعلاف. وفي بعض مناطق الإنتاج اضطر مربو الماشية إلى بيع أعداد من قطعانهم بأسعار منخفضة بسبب صعوبة توفير الأعلاف والمياه، بينما وصلت الأسعار لارتفاع كبير للغاية في المدن ومراكز الاستهلاك بسبب تكلفة النقل والوسطاء.
🔸️حركة ضعيفة وشكوى مستمرة
في رصد لاسعار الخراف في اسواق أم درمان والكدرو والقضارف ومدني وعطبرة وربك والأبيض، يلاحظ تراجع حركة الشراء مقارنة بالأعوام السابقة، رغم وفرة المعروض من الخراف. ويقول مواطنون إن الأسعار الحالية لا تتناسب مع مستويات الدخل، خاصة في ظل تراجع فرص العمل وتأخر المرتبات وارتفاع أسعار الغذاء والدواء والإيجارات. ويشير البعض إلى أن راتب الموظف الحكومي لم يعد يكفي لشراء خروف متوسط الحجم، فضلاً عن توفير احتياجات العيد الأخرى من ملابس ومواد غذائية.
في المقابل يؤكد التجار أنهم يواجهون هم أيضاً خسائر وضغوطاً كبيرة، موضحين أن تكلفة ترحيل الخروف الواحد تضاعفت عدة مرات مقارنة بالسنوات الماضية. ويقول بعض التجار إن الرسوم المفروضة على الطرق والأسواق أصبحت تستنزف جزءاً كبيراً من الأرباح، الأمر الذي ينعكس بصورة مباشرة على المستهلك النهائي.
🔸️تفاوت الأسعار بين الولايات
ويري الزين محمد _ تاجر مواشي _ ان أسعار خراف الأضاحي تختلف من ولاية إلى أخرى بحسب قرب المنطقة من مصادر الإنتاج وحجم الطلب وتكاليف النقل. ففي ولايات كردفان ودارفور، التي تعد من أهم مناطق إنتاج الضأن، تكون الأسعار أقل نسبياً مقارنة بولايات الوسط والشمال، بينما ترتفع بصورة ملحوظة في الخرطوم والولايات الشمالية بسبب تكاليف الترحيل وارتفاع الطلب. واضاف تختلف الأسعار بحسب السلالة؛ إذ تعتبر خراف “الحمري” الأعلى سعراً بسبب الإقبال الكبير عليها، تليها خراف “الكباشي”، بينما تبقى الخراف البلدية الأقل سعراً نسبياً
🔸️بين الشعيرة والقدرة الاقتصادية
اما بشير عبد الله مواطن فيري ان الأضحية في السودان أكثر من مجرد شعيرة دينية فهي عادة اجتماعية مرتبطة بالتكافل وصلة الرحم والكرم السوداني المعروف، لذلك يحرص كثير من المواطنين على شراء الأضحية رغم الظروف الاقتصادية القاسية. لكن هذا العام، اضطرت أسر كثيرة إلى تغيير عاداتها الشرائية، فاتجه بعضها إلى شراء خراف صغيرة الحجم أو المشاركة الجماعية في الأضحية، بينما قررت أسر أخرى الاعتذار عن الأضحية لأول مرة منذ سنوات.
ويقول ابراهيم علي إنهم باتوا يفضلون توجيه الأموال لتوفير الاحتياجات الأساسية للأسر، خاصة مع ارتفاع أسعار السلع الغذائية والدواء.
🔸️مبادرات للتخفيف
في مواجهة الغلاء، بدأت بعض المبادرات المجتمعية والتعاونيات في طرح مشاريع للأضاحي بأسعار مخفضة أو بنظام التقسيط، بهدف مساعدة الأسر محدودة الدخل.
كما ظهرت دعوات لفتح أسواق مباشرة بين المنتج والمستهلك للحد من دور الوسطاء وتقليل تكاليف البيع، إلى جانب مطالبات للحكومة بخفض الرسوم والضرائب المفروضة على قطاع الماشية.
🔸️دعم الثروة الحيوانية
ويرى الباحث الاقتصادي يوسف عبد الرحمن أن معالجة أزمة الأضاحي لا ترتبط فقط بالموسم الحالي، بل تحتاج إلى إصلاحات أوسع تشمل دعم قطاع الثروة الحيوانية وتحسين الطرق وتأمين حركة التجارة بين الولايات.ورغم الإمكانات الكبيرة التي يمتلكها السودان في مجال الثروة الحيوانية، إلا أن القطاع ظل يواجه تحديات مزمنة تتعلق بالبنية التحتية وضعف الخدمات البيطرية ومشكلات التسويق والتصدير. ويؤكد عبد الرحمن أن السودان يمكن أن يتحول إلى أحد أكبر مصدري اللحوم والماشية في المنطقة إذا توفرت الاستثمارات والاستقرار الأمني والسياسات الاقتصادية المستقرة. لكن استمرار الحرب والتدهور الاقتصادي يهددان هذا القطاع الحيوي، ويؤثران بصورة مباشرة على حياة ملايين المواطنين الذين يعتمدون عليه كمصدر أساسي للدخل.
🔸️ضعف الموسم
فيما يتوقع مراقبون أن يشهد موسم الأضاحي هذا العام ضعفاً في حركة البيع والشراء مقارنة بالمواسم السابقة، بسبب تراجع القدرة الشرائية واتساع دائرة الفقر والنزوح. كما يخشى التجار من تكبد خسائر إذا استمرت الأسعار مرتفعة مع ضعف الإقبال خاصة أن كثيراً منهم يعتمدون على موسم الأضاحي كمصدر دخل رئيسي خلال العام. وفي ظل هذه الأوضاع، تبقى أسواق الأضاحي في السودان مرآة تعكس حجم الأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي تعيشها البلاد، حيث باتت شعيرة دينية ارتبطت لعقود بالفرح والتكافل تواجه تحديات غير مسبوقة فرضتها الحرب وغلاء المعيشة.




