استقلالية المجتمع المدني وبناء الدولة على اسس جديدة !!

استقلالية المجتمع المدني وبناء الدولة على اسس جديدة
مركز الاستدامة للتنمية والاستينارة
كتب : عبدالله موسى احمد
كيف يمكن لحكومة التأسيس في نيالا أن تصنع نموذجاً مختلفاً لتاسيس دولة تحقق السلام والتنمية؟
في اللحظات التاريخية الكبرى التي تمر بها الشعوب لا تُقاس قوة الدولة بعدد الجيوش ولا بحجم السلطة المركزية وحدها بل تُقاس بقدرتها على بناء مجتمع حيّ يمتلك حق المشاركة والتعبير والتنظيم المستقل. فالدول التي خرجت من الحروب والانقسامات لم تنجح فقط عبر الاتفاقات السياسية وإنما عبر إعادة بناء الثقة بين المجتمع والدولة ومنح المواطنين مساحة حقيقية للمشاركة في صناعة مستقبلهم.
واليوم بينما يبحث السودان عن مخرج من أزماته الممتدة تبرز مدينة نيالا كواحدة من أهم مراكز التحول السياسي والاجتماعي في إقليم دارفور يصبح الحديث عن استقلالية المجتمع المدني أكثر من مجرد نقاش نظري بل إنه سؤال يتعلق بمستقبل الدولة الوليدة وهل ستقوم الدولة القادمة على المشاركة الشعبية والرقابة المجتمعية والتنمية المحلية؟ أم ستُعاد إنتاج المركزية القديمة القائمة بأدوات جديدة؟
إن الناظر للريف السوداني الذي ظل لعقود بعيدا عن دوائر اتخاذ القرار يحتاج في هذه المرحلة إلى مؤسسات مجتمع مدني مستقلة وقوية قادرة على التعبير عن احتياجات الناس الحقيقية من التعليم والصحة والمياه والزراعة وحتى المصالحات الاجتماعية وبناء السلام. فالمجتمع المدني ليس خصماً للحكومة بل انه شريكاً ضرورياً لبناء الاستقرار والامن والسلام خاصة في مناطق خرجت من الحرب وتحاول استعادة الحياة اليها.
لقد أثبتت تجارب الانتقال السياسي في العالم أن المجتمعات والحكومات التي منحت منظماتها المدنية استقلالاً حقيقياً كانت أكثر قدرة على حماية الديمقراطية ومنع عودة القهر و الاستبداد. ففي جنوب أفريقيا لعبت النقابات ومنظمات الحقوق المدنية دوراً محورياً في حماية الانتقال بعد نهاية نظام الفصل العنصري وبينما ساهمت منظمات المجتمع المحلي في رواندا في إعادة بناء الثقة الاجتماعية بعد الإبادة الجماعية من خلال برامج المصالحة والتنمية الريفية. أما في دول أوروبا الشرقية بعد انهيار الأنظمة الشمولية فقد كانت قوة المجتمع المدني أحد أهم العوامل التي منعت احتكار السلطة من جديد.
وفي المقابل فإن كثيراً من تجارب الانتقال الفاشلة سقطت بسبب تجين وتحويل المجتمع المدني إلى واجهات سياسية أو أدوات حكومية فاقدة للاستقلالية. وعندما تفقد المنظمات المدنية حريتها تتحول من قوة رقابة وإصلاح إلى مجرد امتداد للسلطة وهو ما يؤدي تدريجياً إلى ضعف المشاركة الشعبية وعودة الشك بين الدولة والمجتمع.
ومن هنا تبرز أهمية حكومة التأسيس في نيالا إذا أرادت فعلاً بناء نموذج جديد للحكم في السودان الجديد كما يقولون عليهم ان يجعلوا استقلالية المجتمع المدني جزءاً من مشروعها السياسي لا مجرد شعار للاستهلاك الإعلامي. ويتطلب ذلك جملة من الخطوات العملية الواضحة.
أول هذه الخطوات هو سن قوانين تضمن حرية التنظيم والعمل الطوعي بعيداً عن التدخلات السياسية والأمنية بحيث تتمكن المنظمات من العمل بحرية في مجالات التنمية وحقوق الإنسان والإغاثة وبناء السلام.
أما الخطوة الثانية فتتمثل في دعم المجتمع المدني الريفي تحديداً لأن أزمة السودان التاريخية ليست فقط أزمة سلطة بل أيضاً أزمة تهميش جغرافي وتنموي. فالقرى والأرياف تحتاج إلى جمعيات تعاونية واتحادات مهنية وروابط نسوية وشبابية قادرة على قيادة التنمية المحلية من داخل المجتمع نفسه لا عبر قرارات مركزية حكومية مفروضة من الأعلى.
وتأتي الخطوة الثالثة في إشراك منظمات المجتمع المدني في صناعة القرار المحلية وخاصة في قضايا الخدمات والمصالحات القبلية وإعادة الإعمار ومراقبة الأداء الحكومي. فالدولة الحديثة لا تُدار بالعقل الأمني وحده ولكنها تدار عبر شراكة واسعة بين المؤسسات الرسمية والمجتمع.
كما أن بناء مجتمع مدني مستقل يتطلب توفير بيئة اقتصادية واجتماعية تساعده على الاستمرار لأن المنظمات التي تعتمد كلياً على التمويل السياسي أو الخارجي تصبح أكثر عرضة لفقدان استقلاليتها. ولذلك فإن دعم المبادرات المحلية والإنتاج التعاوني والتنمية الريفية يشكل جزءاً مهماً من بناء الاستقلال المدني الحقيقي.
إن التحدي الأكبر أمام أي تجربة انتقالية في السودان ليس فقط وقف الحرب بل تأسيس عقد اجتماعي جديد يشعر فيه المواطن بأن له دوراً حقيقياً في إدارة الشأن العام. وهذا لن يتحقق عبر النخب السياسية وحدها وإنما عبر مجتمع مدني حرّ يمتلك القدرة على الرقابة والمبادرة والمساءلة.
وفي دارفور على وجه الخصوص، حيث تركت الحرب آثاراً عميقة على النسيج الاجتماعي يصبح المجتمع المدني المستقل ضرورة لبناء السلام أكثر من كونه ترفاً سياسياً.
فالمصالحة الحقيقية لا تُفرض بقرارات فوقية وإنما تُبنى من داخل المجتمعات المحلية عبر مؤسسات تحظى بثقة الناس.
إن حكومة التأسيس في نيالا أمام فرصة تاريخية نادرة إما أن تؤسس لنموذج سوداني جديد يقوم على المشاركة واللامركزية واحترام المجتمع أو أن تقع في فخ إعادة إنتاج الدولة القديمة بأسمائها المختلفة. والتاريخ يعلمنا أن الدول التي تحترم مجتمعها المدني تكسب استقراراً أطول وشرعية أعمق وبينما تفشل الدول التي تخشى استقلال المجتمع وتعمل على إخضاعه.
وفي النهاية فإن استقلالية المجتمع المدني ليست قضية تخص النخب وحدها لكنها هي قضية ترتبط بحق المواطن البسيط في أن يكون شريكاً في وطنه لا مجرد متلقٍ للقرارات. وحين يصبح المجتمع شريكاً حقيقياً في الحكم والتنمية هنا تبدأ الدولة فعلاً في السير نحو السلام والاستقرار والديمقراطية المستدامة.




