أخبار

نهضة دارفور والحركات المسلحة فى ظل تحولات الهامش السوداني من مشروع الإصلاح إلى خيار البندقية

مركز الاستدامة للتنمية والاستينارة
كتب : عبدالله موسى احمد

منذ فجر الاستقلال السوداني عام 1956ظلّ إقليم دارفور حاضراً في قلب الأسئلة الكبرى المتعلقة بالهوية والسلطة والعدالة داخل الدولة السودانية. فالإقليم الذي شكّل عبر تاريخه أحد أهم المراكز الحضارية والسياسية في غرب السودان وجد نفسه بعد الاستقلال خارج معادلات التنمية والتأثير السياسي في ظل هيمنة مركزية متصاعدة احتكرت السلطة والثروة والقرار الوطني.


وفي خضم هذا الواقع برزت نهضة دارفور باعتبارها واحدة من أوائل التعبيرات السياسية والاجتماعية التي طالبت بإعادة بناء الدولة السودانية على أسس أكثر عدالة وتوازناً بين المركز والأقاليم. لم تكن تلك النهضة مشروعاً انفصالياً أو دعوةً للحرب لكنها محاولة مبكرة لصياغة رؤية وطنية جديدة تعترف بالتنوع السوداني وتمنح الأقاليم المهمشة حقها في التنمية والمشاركة السياسية.


غير أنّ تعاقب الحكومات التى تتدعى الوطنية وفشلها في معالجة جذور الأزمة السودانية دفع القضية الدارفورية إلى مسارات أكثر تعقيداً خاصة خلال فترة حكم المؤتمر الوطني ونظام عمر حسن أحمد البشير حيث تحولت مطالب الإصلاح السياسي والتنمية إلى حركات مسلحة حملت السلاح في مواجهة الدولة بعد أن ضاقت مساحات العمل المدني والسياسي.


وبين مشروع نهضة دارفور الإصلاحي والحركات المسلحة التي نشأت لاحقاً تتجسد بوضوح أزمة السودان وهى دولة عجزت عن بناء عقد اجتماعي متوازن فتركت أبواب التهميش مفتوحة أمام الغضب والاحتجاج والصراع.


تظل نهضة دارفورومشروع إصلاح داخل الدولة السودانية
فجاءت نهضة دارفور في سنوات ما بعد الاستقلال كاستجابة طبيعية لحالة التفاوت الكبير بين العاصمة والأقاليم البعيدة. فقد شعر أبناء دارفور مبكراً بأن الدولة الوطنية بعد الاستقلال أُديرت بعقلية مركزية همّشت الأطراف سياسياً واقتصادياً وثقافياً.


ومن هنا ظهرت النخب الدارفورية المتعلمة التي رفعت شعارات العدالة والتنمية والمشاركة المتساوية مطالبةً بتمثيل حقيقي للإقليم داخل مؤسسات الدولة السودانية وتحسين الخدمات والبنية التحتية وإنهاء احتكار السلطة في الخرطوم.
وكان خطاب نهضة دارفور يحمل طابعاً قومياً وحدوياً إذ لم يكن يدعو إلى الانفصال أو المواجهة المسلحة بل إلى إصلاح الدولة السودانية من الداخل وإعادة توزيع السلطة والثروة بصورة أكثر عدالة.
كما اتسمت تلك المرحلة بالاعتماد على الوسائل السياسية السلمية من خلال الاتحادات والروابط الاجتماعية والعمل النقابي والسياسي في محاولة لخلق توازن جديد داخل السودان المستقل.


ان التحول من الإصلاح إلى التمرد المسلح جاء مع مرور السنوات تراكم الأزمات دون حلول حقيقية. فقد تعاقبت الحكومات العسكرية والحزبية على السلطة بينما استمرت حالة التهميش التنموي والسياسي في دارفور.
وجاءت مرحلة الإنقاذ بعد عام 1989 لتعمّق الأزمة بصورة أكبر حيث اتجهت الدولة نحو مركزية أكثر تشدداً ومع تصاعد القبضة الأمنية وتسييس الإدارة الأهلية وتفكيك التوازنات الاجتماعية داخل الإقليم.


وفي ظل غياب التنمية وانتشار النزاعات القبلية وتراجع فرص المشاركة السياسية بدأت قطاعات واسعة من أبناء دارفور تفقد الثقة في إمكانية الإصلاح السلمي لتظهر لاحقاً حركات مسلحة مثل حركة تحرير السودان وحركة العدل والمساواة.


هذه الحركات لم تعد تكتفي بالمطالبة بالإصلاح التدريجي بل رفعت شعارات إعادة هيكلة الدولة بالقوة ووضعت قضية دارفور في واجهة الاهتمام الإقليمي والدولي وخاصة بعد اندلاع حرب الواسعة وما صاحبها من نزوح وانتهاكات إنسانية.


اختلفة الرؤى بين نهضة دارفور والحركات المسلحة
ورغم أن الطرفين ينطلقان من الإحساس ذاته بالتهميش فإن الفارق بينهما كبير من حيث الوسائل والرؤية السياسية.


فـنهضة دارفور كانت مشروعاً إصلاحياً مدنياً يؤمن بوحدة السودان وإمكانية التغيير عبر العمل السياسي والمؤسساتي بينما جاءت الحركات المسلحة في سياق فقدان الثقة الكامل في الدولة فاتجهت نحو العمل العسكري باعتباره الوسيلة الوحيدة لفرض المطالب السياسية.


كما أن الخطاب الأول كان أقرب إلى خطاب التنمية والعدالة الإقليمية في حين ارتبط الخطاب الثاني بقضايا الحرب والهوية والانتهاكات الإنسانية وتقاسم السلطة والثروة بالقوة السياسية والعسكرية.


إنّ التحول من نهضة دارفور كحركة إصلاح سياسي إلى الحركات المسلحة في عهد الإنقاذ لم يكن حدثاً معزولاً أو طارئاً لكنه نتيجة مباشرة لفشل الدولة السودانية في إدارة التنوع وتحقيق العدالة بين أقاليمها المختلفة.


ولقد حاولت نخب دارفور بعد الاستقلال أن تطرح مشروعاً وطنياً قائماً على التوازن والمشاركة والتنمية غير أنّ الإقصاء المستمر والتهميش التاريخي دفع الأجيال اللاحقة إلى خيارات أكثر حدة وعنفاً.


ومن هنا فإن قضية دارفور لا يمكن اختزالها في بعدها الأمني أو العسكري فقط بل يجب النظر إليها باعتبارها تعبيراً عميقاً عن أزمة بناء الدولة السودانية نفسها. فالسودان منذ الاستقلال وحتى اليوم ما يزال يبحث عن صيغة عادلة تؤسس لوطن يتساوى فيه الجميع دون تمييز بين مركز وهامش أو بين إقليم وآخر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى